
عرض: حواس محمود
تستخدم مؤلفة هذا الكتاب الموسوم ب ” الصورة الشعرية عند شاعرات الحداثة في الإمارات – نماذج ” الناقدة خولة حسن الحديد في دراستها الاستدلال الاستنتاجي ، والذي استند إلى تحليل المضمون ، والذي يعتبر بحد ذاته منهجاً منفصلاً ، تم استخدامه في العديد من الدراسات الأدبية ، وبالرغم من خلفياته العائدة إلى العلوم الاجتماعية وعلوم الاتصال والإعلام ، كما أن دراستها – الناقدة – للصورة الشعرية لا يعني بترها من النصوص بما يسيئ لهذه النصوص أو يشوهها ، فقد يتم اقتطاع صورة من نص ، ويشار إلى مكان وروده عند الشاعرة المعنية ، لعدم اتساع المجال لدى الناقدة في دراستها لعرض النصوص كاملة ، كما أن الصورة الشعرية مهما بلغت أهميتها فهي تتكامل مع باقي عناصر القصيدة، لإنتاج جماليتها وأسلوبيتها ، ولا يتعدى اقتطاع الصورة غرض الدراسة .
تتناول الدراسة الحالية ثلاث شاعرات إماراتيات : ميسون صقر القاسمي ، نجوم الغانم ، عائشة البوسميط .

ميسون صقر القاسمي : تشير الناقدة إلى أن الصورة الشعرية قد لعبت دوراً متمبزاً واساسياً في نصوص ميسون صقر القاسمي ، بدءاً من عملها الأول حتى آخر إصدار لها ، وان القاسمي لا تتميز بغزارة الإنتاج وحسب ، وإنما أيضا بغزارة الصور، وتنوع مصادرها، وأدواتها ورموزها ، والتي جاءت في غالبيتها عبارة عن فيض من الصور الجديدة المبتكرة أو تلك الغريبة ، والتي تطبعها بطابع من الجدة والأصالة ، لتنوع مضامينها وعناصرها ، واستطاعت القصيدة من خلالها نسف جميع الحواجز التي تفصل بين الوعي والعقل الباطن ، وبين الحقيقة والخيال ، والمنطق والهوس ، والزمان والمكان ، والموضوع والذات ، في تداع حر لأفكار وعناصر تتدفق من ينابيع مختلفة ، تحفر فيها التجربة الإنسانية بقوة في علاقتها بالآخر، وعالم الطبيعة والأشياء ، لترسم صورة كونية أشبه بالموقف الصوفي الذي يجد جذوره في الروح الأسطورية التي تجعل من الموضوع ذاتاً ومن الذات موضوعا ً.
تتميز الشاعرة بما تسميه الناقدة ب” الثراء الاستعاري “، الذي ينبثق من عدة مستويات بدءاً من التشابهات والتماثلات حتى التناقضات الأكثر بعداً وغرابة ، والتي تقوم على المزج بين المجرد والملوس حيناً ، وإضفاء صفات إنسانية على الأشياء أو العكس .
ولكي تؤكد الناقدة ما ذهبت إليه آنفا، تستشهد بنماذج ومقاطع من أعمالها الشعرية :
في ( هكذا اسمي الأشياء )
- ( أطير يمامة برية )
تنزف عشقا مهموماً ) ص 6
- ( كان في هيئة الرماد ناراً مضطرمة حيث تلبدت الوجوه المعذبة ) ص 9
-( تخلع بيروت رداء الموت
تتعرى بيروت
وتستحم في بركة الدم ) ص 12
- لانبثق من الجنون
من بقايا رحم الامومة
مطراً لشجرتي المحرمة البتول ) ص 26
وتشير الناقدة الى توارد الاستعارات الشبيهة بهذه أيضا ً، في ديوانها بالعامية المصرية ( عامل نفسه ماشي ) – الشاعرة ميسون القاسمي، كانت قد عاشت في مصر لمدة من الزمن بين عامي 1984 و 1989 –
- دا كان زمان قلبك بجناح زي طيور البحر وأبو قردان
على راسي وراسك
سحابة ) ص 17
- ( دا البحر بيرمي السمك من عينيكي ) ص 28
وفي الأعمال التالية للشاعرة، نجد الاستعارات السابقة بحسب الناقدة ، ورموز الصور نفسها تتغلغل في ثنايا النصوص – بكثافة أقل – كما في ديوان ( البيت )
- ( عينان كثيفتنان بالشجر الآثم )
- (لا كأنهما شواطئ البحر غامق في السرد ) ص 9
- (سماء بلا رعشة تفتح الجسد لانطلاق الروح ) ص19
وفي ديوانها ( الريهقان ) تتداخل الصور، والأصوات والأحاديث لتشكّل وحدة ينتمي لجانب منها كل نص من النصوص .
- ( الصور أشعل من موتها
الصوت اخضرار العشب
والمواسم التي تعبر حقلنا دوننا
فليمتد البحر الى آخر شاطئ
لنقل ما لم نقله من أول الكلام ) ص 24
وفي ديونها ( البيت ) تتخلل الصور الفنية تداخلات حسية جسد القصيدة ، لتمنحها دلالات متعددة بان واحد :
- ( الأحمر الناري على ازرقاق الجسد بفضح شهوته لموت غائر في تفاصيله ) ص 14
نجوم الغانم :
تقول مؤلفة الكتاب الحالي الناقدة خولة حسن الحديد عن عوالم الصورة الشعرية لدى نجوم الغانم، بدءاً من النصوص الأولى وانتهاء بالعمل الأخير : تميزت الصورة الشعرية لدى الشاعرة نجوم الغانم بانتمائها إلى عالم الأسطورة والخيال ، والمفردات السحرية المبهمة ، والتي تمنح النصوص الأجواء الكلاسيكية الغامضة ، وهذا الغموض يعد التيمة الأساسية لتجربتها ، وإن خرجت في بعض نصوصها الشعرية الأخيرة عن هذه التيمة بمقدار ما ، إلا أنها بقيت ضمن الدائرة نفسها ، وعند متابعة جماليات هذه الصور نجد أن الشاعرة سخرت كل التقنيات البلاغية واللغوية ، من استعارات وتشبيهات ومجازات ، لعالمها الأسطوري الخيالي ، فجاءت مفرداتها مغرقة في القدم ، تغوص في الموروث الإنساني الأسطوري العربي والعالمي ، لتعيد خلقه وتكوينه بتقنيات حديثة ، استطاعت من خلالها إنقاذ النص من السقوط في وطأة الميتافيزيقيا .
تستخدم نجوم الغانم الأنماط المختلفة للاستعارة ، وتتراوح هذه الأنماط ما بين الاستعارات المعروفة والاستعارات البعيدة، التي جاءت مفرداتها من التراث حيناً والبيئة حيناً آخر ، وشكّلت العديد من الصور القائمة بذاتها استناداً إلى الاستعارات فقط ، وبعض الصور التركيبية التي كانت الاستعارات طرفاً فيها ، ومن صور النموذج الأول اعتمدت الشاعرة على العلاقات الاقترانية في بعض الحالات، وأضفت صفات انسانية على المجردات ، ويكثر لديها هذا النمط من الصور ، وخاصة في ( مساء الجنة ) ، و( الجرائر ) وتضفي أحياناً صفات حسية على المجردات والعكس ، وكثرت أنماط هذه الصور في ( الرواحل ) ما بين هذه الأنماط جميعها ، تنتقل الشاعرة في نصوصها إلى رموز معينة، وطقوس خاصة منحت من النصوص هالة من القداسة والغموض، وتأخذ الناقدة بعض استعارات الشاعرة من الأنماط المذكورة في الأعمال الثلاثة، وتقدمها للقارئ :
من ( مساء الجنة ) :
- ( يسترسل الهواء في سعاله حتى تظن أنها خطواتك ) ص 8
- ( ستكبر الاشراك في استيقاظها
مقضية حوشها في دمي الذي أسالته المرايا
ليلة بأكملها ) ص 12
في مجموعتها ( الجرائر ) تنتشر هذه الصور وسط الأساطير والرموز الدينية ومنها :
- ( تلك براءة السفك ولنشيجي جريرة البوح ) ص 22
- قفطاني مهجعي
الخلاخيل أزقتي
ولا دار تلملمني ) ص 39
وفي ديوان ( الرواحل ) يتقلص الغموض ، ولكنه يبقى في حدود عوالم الشاعرة التي يألفها المتلقي في أعمالها السابقة ، ومن استعاراتها في هذا الديوان :
- حفنة من أيام حالكات
حفظتها
والآن انزع عن عينيها
رباطها
ليتسع الشق
وتستقر الملامات في بئرها ) ص 51
- ( الليل عجوز لا تبغي الحراك ) ص 34
- ( والشجر يطل برأسه متلصصاً
كنت البحر تلك اللحظة
لكن الليل لم يكن الشاطئ ) ص 65
عائشة البوسميط :
تبين الناقدة أنه للضرورة العلمية والمنهجية في هذه الدراسة ، تم تناول عمل الشاعرة الأول فقط بدراسة المضمون ، وتتبع الصورة الشعرية ، كونه يقع في المدى الزمني ذاته الذي تقع فيه أعمال الشاعرتين السابقتين ،التي كانت موضع الدراسة ، ولتباعد المسافة زمنياً بين العمل الأول والثاني ..
تأخذ الصورة الشعرية عند الشاعرة طابعا مميزاً ، يقف على مسافة بعيدة من الصور التي رأيناها في النصوص الشعرية السابقة لدى القاسمي والغانم ، فبالرغم من استفادتها من التقنيات الحداثية في إنتاج الصورة، إلا أنها بقيت في دائرة الوضوح والشفافية عالية المستوى ، من حيث المفردات والألفاظ والمعاني والدلالات ، حتى إن موضوعاتها التي امتدت من الوطن الصغير إلى الوطن الكبير ، ومن الذات إلى علاقتها بالآخر ، بقيت في إطار رمزية شفيفة ، تحضر فيها عناصر الطبيعة، ورموز البيئة التي تتخللها المفردات الشعبية السائدة ، وتستحضر أحياناً مفردات عربية تراثية مرجعيتها الذاكرة العربية ، وتطبعها بطابعها الرومانسي المحتفي بالطبيعة والكون ، وتمتزج لديها الرومانسية بالواقعية عندما تستخدم مفردات الحياة الأنثوية الخاصة بالطفولة والحبيب والأحلام ، وضمن الدائرة نفسها التي تستحضر فيها الشاعرة عناصر الطبيعة والبيئة ، تتكرر لديها ” الاستعارات الملحة ” تلك القائمة على اقتران بين شيئين لا رابط بينهما، غالباً ما يرد أحدهما إن ورد الآخر في كافة نصوص الديوان ، ومن هذه الاستعارات تأخذ الناقدة – خولة الحديد – على سبيل المثال :
- ( أحمل وجهي المنهك على
كتف البحر
وأشدو ” يا مال ”
فينطلق حلمه من حنجرة الأولين
يطيب وهني )207
- ( بلغني البحر وشاحاً
صرت البسه رداءً
ليته ما كان يأتي
حتى لا يأتي خفاء ) ص 32
وتشير الناقدة إلى أن استعارات الشاعرة البوسميط تميل نحو المألوف ، بانحراف شاعري يتفاعل فيه جدلياً عالما اللغة والأشياء ، فتتمازج الذات مع العالم في ظل الاشياء المرئية الحسية ، والتي تحدد الفضاء الشعري بفيض من الصور الحيوية التي تعكس الرؤية المبسطة للحياة ، ومن الأمثلة على الاستعارات الواردة في نصوص( سيدة الصمت الاخير ) :
- هذا الليل
مفتول العضلات
يراقص شباكي في الهدأة
ويتركني أراقص
موج السرير ) ص 9
- ( وعيناي مدينة صخب كرنفال ) ص 88
ترى الناقدة ان الشاعرة لم تحدث خرقاً لغوياً إلا على مستوى الانزياح عن المعنى المعجمي لبعض الكلمات ، وأنها منحت صورها موسيقا خاصة للنصوص ، مستمدة من غنائية الحياة والأشياء التي كونت مفرداتها عناصر الصور ، كما أن طبيعة النبرة والنغمة والوقفات التي كانت تحدثها بنظام الترقيم ، مما أضفى شفافية جمالية على نصوصها بمنحها السمات الموسيقية العاطفية ، وخاصة في بعض النصوص الدرامية التي اعتمدت على الايماءات، والعناصر المكانية والحوار الداخلي الذي استهلت به قصائدها .
سمات مشتركة بين الشاعرات الثلاث :
بعد أن تنهي الناقدة من دراسة نصوص الشاعرات الثلاث، تخلص إلى تحديد السمات المشتركة في نصوصهن ، وترى أن أبرز السمات المشتركة بين الشاعرات المذكورات : حضور التقنيات الفنية التي تنتمي لفنون أدبية وتشكيلية أخرى ، وظهرت التقنيات التشكيلية عند الشاعرات الثلاث ، وإن تفاوتت النسب ، حيث كانت أغلب القصائد وخاصة في صورها مكتوبة ، وكأنها مرسومة تتوجه الى المخيلة عبر العين ، وتخاطب البصر لتصل إلى النفس الإنسانية ، مع استحضار لبقية الحواس لتنتج الصورة ، وجاءت بعض الصور – أو القصائد – كأنها لوحات فنية ، وبشكل خاص عند ميسون القاسمي حيث يحضر اللون بكثافة ، ويشكل الصوت بألوانه المتعددة الفضاء الشعري الخاص بها ، لتمتزج العناصر الايقاعية بالمشاهد البصرية عبر الأشياء لا الكلمات ، مما يضفي على صورها العمق الكبير بعلاقته بالفن البصري .
اما الموروث كسمة مشتركة بين الشاعرات الثلاث ، فكان لدى ميسون القاسمي ضمن إطار الإرث الخاص بعالمها ، ذلك الإرث الذي تحاول من خلاله الشاعرة فهم الإرث الخاص بعالمها ، ذلك الإرث الذي تحاول من خلاله الشاعرة فهم وإدراك وجودها ،لأنه لعب دوراً اساسياً في مسيرة حياتها، وطفولتها، وسنواتها الشابة بشكل خاص .
أما نجوم الغانم وأساطيرها من الإرث الإنساني العام ، وقد شكّل رؤية خاصة، كانت وراء الغموض والعتمة التي لفت صورها ، لذلك كان الاتكاء على الموروث الإنساني التاريخي والأسطوري كبيراً لديها .
أما عائشة البوسميط، فهي لا تستحضر الإرث الإنساني، إلا ما يخص عوالمها النقية البريئة ، لذلك كانت الثقافة الشعبية والموروث المحلي الشعبي هو الأهم لديها ، مما يبرز طبيعة صورها التي حافظت على قداسة الأشياء والأفعال ، وصدق الانتماء الروحي ، والحنين الدائم لأيام الطفولة المتجاورة مع العالم الخارجي ، والتي شكلت الإرث الأهم لديها .
وأخيراً يمكن القول بأن الناقدة خولة حسن الحديد قد عالجت العديد من الموضوعات الأخرى- غير التي تناولناها في مراجعتنا الراهنة – التي تكتسي أهمية بالغة في النقد الأدبي ، ولا يتسع المجال لدينا لتناول كل ما جاء في كتابها النقدي الهام ، فالناقدة قد قدمت دراسة رائدة في الشعر الإماراتي الحديث، من خلال ثلاث شاعرات معروفات في الإمارات .
*هامش :
-الكتاب تأليف / خولة حسن الحديد.
-الناشر / دار العوام للطباعة والنشر والتوزيع – دمشق.
-سنة الاصدار / 2021م.
*نٌشر هذا الموضوع في مجلة “مرامي” الإماراتية، العد د ١٥٥، شهور( 7، 8، 9)، وهي مجلة فصلية، تصدر عن عن المجلس الأعلى لشؤون الأسرة في إمارة الشارقة.
