على قيد الرحيل
في رحلتي هذه كنت أكثر وعياً من سابقاتها، فأنا أحمل سنيناً أكثر من البؤس، وندب حفرت مكانها في جسدي، وفي ذاكرتي. وقد كانت حقائبي صغيرة نوعاً ما مقارنةً مع ذكرياتي، فرحت أضغطها بكل قوتي لتستوعب هذا القهر، وكأنني أطعمها تلك السنوات عنوةً.
حقيبتان فقط، حملتا عقداً من الزمن المليء
بالأحداث، وفي جيب “الجاكيت” وضعت أحلامي الكثيرة وبعض الدموع، وحبيبتي
ترقص بالأرجاء من دون مبالاة، ورحت أذكِّر نفسي أن أستمتع بدربي كما تعلمت،
فالأحلام تموت وتحيا، ولكن الدروب تبقى كما النُدب؛ وربما لو نظرت إلى نفسي بعمقها
لرأيت هذا العقم الذي أصابني، ولعلّي رأيت التشوهات المخفية المخيفة.
أستند الآن على
سور حديدية، بمظهر لائق بعض الشيء، أمسك سيجارتي بعنف، وأنظر إلى الموج الهادئ،
فأنا الآن أتلاعب بالكلمات هرباً من الواقع المجهول، ومستعداً تماماً لمجاراة
الزمن، ولا أعلم ما يكمن لي تحت هذا الهدوء، تحت هذه المياه وفي طيّات الدروب،
فأحياناً أقول لنفسي أنني ما اكتسبت كل هذا الهدوء إلا لخوفي منه، وحين واجهت
مخاوفي (الهدوء) تقمصّته، وأتساءل أخيراً هل أنا مخيف!؟
أرمي بسيجارتي تحت قدمي، وأدهسها بقوة، كإلاقرر مسبقاً مصير عبده العاصي.

في الولادة تسقط أشياء كثيرة، وترتقي أفكار جديدة، أذكر أنه في الغرفة المجاورة “لولادتي”، جاؤوا برجل تعرّض لحادث سير على الطريق البطيئة، كان ينزف بشدة، وحين صرخوا منادين للطبيب، جاءتهم الممرضة وقالت لهم: (إنه يقرأ القرآن، لاتزعجوه رجاءً، وسيأتي على الفور بعد انتهائه من سورة “المنافقون”)، وحين جاء كانت علامات الخشوع ملتصقة على وجهه، وضرب كفيه وقال معزياً: (قدّر الله وماشاء فعل)، ولكنّه لم يكن يعلم حينها أنه قد قتل الله أيضاً بالغرفة المجاورة.
في أول يوم من ولادتك يتم استكمال الحلقة التي خطّت لتقييدك وسرقة حريتك، وكذب من قال يولد الإنسان حراً، وطالما أنك مقيّد داخل هذه الحلقة، فأنت منحشر مع الجموع ومُسيطرٌ عليك، فعقلك لاعمل له، وخيالك وفكرك لاسماء لهم، وعليك أن تجرّب التفرّد وأن تجلس تحت أشعة الشمس إلى أن تسقط مغشياً، أو أن تقف بوجه الريح عارياً من كل الاستعارات والمجازات، وأن تقل مخالفاً لا ولو لمرة واحدة بوجهٍ صحيح، الخطأ الأكبر هو ألا تخطئ، لأنك لن تتعلم أبداً؛ إن أصعب العمليات الجراحية هي العمليات القيصرية للأفكار، ربما تولد بلحظة على فراش مظلم، وتبدأ بالنمو مع كل كلمة تقرأها وتصل لمرحلة، تجد أنه من الضروري أن تخرج من الظلام رغم الخطر الكبير، فالعمليات القيصرية الفكرية لازمة، فهل سنتحملها وهل سننجح بولادة جديدة خالية من التشوهات رغم البيئة العفنة؟
صراحةً لا أعلم، لأنني في إحدى المرات قررت فتح عيوني، فارتطمت بزائدة برأسي ومتّ، واكتشفت بعدها أن الزوائد المغروسة عنوة بعقولنا كثيرة.
مررت بشوارع المدينة المتآكلة، كانت نظراتي تشبه عدسة الكاميرا، تلتقط كل شيء وأبسط الأمور، ورحت أحتفظ بكل التفاصيل، وكنت أسترجع كل الذكريات، وقررت أن أخيط أحياء المدينة، لعلها محاولتي الأخيرة لدمل جرحها، فأخرج من منطقة (بوهديمة) متجهاً نحو شارع الخليج، أكمل باللااتجاه، وأصل (الحدائق)، أبدأ البحث عن محل يبيع الحقائب، أوالذكريات والورود، ولكن حتى الإنسان يذبل في (مدينة الملح)، وماحاجتي لحبيبتي إن كنت سأخاف الرقص معها، بشوارع المدينة المكتظة برائحة البارود والبرود والدم؛ أكمل في دربي، وأذهب متجهاً للمدينة القديمة، لمنطقة الصابري وسوق الجريد وسوق الحشيش، وسوق الظلام مروراً بسوق الذهب، وهناك لغز ما جمع هذه الأحياء بجانب بعضها من دون أن يلتهم أحدها الآخر، ولكن أيعلم “النيهوم” أن “الحاج زروق” لايزال يقطن الحي؟ ولكن زوجته ماتت من فرط الإهتمام وأشعة الشمس!؟ وأن “الفقي” لايزال يقضم عقول أهل الحي؟

وبالمناسبة هذه الأحياء كلها حالت إلى خراب وأطلال، ولم يعد يصدح بها (المالوف) واشتدت الأزمةُ ولم تنفرجِ، فما حالك اليوم ياالنيهوم؟
المدينة
الطيبة الدافئة، (رباية الذايح)، كما يحب أهلها تسميتها، أو مدينة “الملح”
كما أطلق عليها ابنها العاق، احتويتها وأحببتها حتى بندبها، حتى بملوحتها، وكم
أتمناها أن تزهر من جديد، فعندي بها أصدقاء كثر…. وقلب ميت.
أنظر إليها من
نافذة الطائرة، فتمتلكني رعشةٌ خفيفة أخفي بها ماتبقى لدي من مشاعر، وأسأل نفسي هل
سأرحل حقاً!؟ وأعتقد أن الإنسان يأنس حتى سجنه، وأحياناً كثيرة يُصاب بمتلازمة
(ستوكهولم)، وأحك أذني وأقول بصوت خافت: أنا ممتن للضباع إذ أنها لم تأكلني!
فترمقني الفتاة التي بجانبي بنظرة احتقار غريزيّ، وبلامبالاة أعود وأمسح زجاج
النافذة، محاولاً جعل الرؤية أكثر وضوحاً، ولكنه نظيف جداً، ولعل الضبابية هذه
مصدرها من المجهول، واليوم الذئب خائف من الرحيل، خوف لم يأنسه حتى تحت القصف،
والرصاص العشوائي أو التهديد المباشر، ولعله يخشى القطعان الأليفة والمناظر
الجميلة، ولعلي سأفتقد هذا الدمار الذي أنسته! فكل شيء ممكن في هذه الأرض، ولكن الآن
بالتحديد لا معنى لهذه الأفكار، فقد بدأت الطائرة بالتدحرج، وأنا على قيد ولادة
متأخرة، فهل يتوجب علي الصراخ أم البكاء!؟
بدأت الطائرة بالارتفاع، ولم أستغرب هذه الفجوة في صدري، ولم أرتعش من هذا الصقيع الداخليّ الذي يلفحني، فهذا الشعور مألوف بالنسبة لي، ثقبٌ أسود يبتلعني، وها أنا ذا ببداية رحلة كلها غرابة، وطمأنينة الرجل الذي يجلس على يميني قد أفزعتني.
*محمود عبود.
*الأعمال الفنية، للفنان التونسي “حمادي بن سعيد”.
