الخطأ القاتل الذي ارتكبته عندما لجأت وعائلتي إلى لبنان طلباً للنجاة؛ هو أنني تعاملت مع الأمل بالعودة إلى الوطن، ومتابعة حياتي هناك، كما لو أنه أمر مؤكد الحدوث.

 لقد كنتُ ساذجاً، لدرجة أنني اعتقدت أنه من المستحيل أن يستمر كل ذلك الخراب و الدمار، ولا بدّ لقوة ما أن تتدخل لتوقف كل ذلك؛ قوة الله؛ قوة المصالح الدولية؛ قوة الشياطين، أو أي قوة أخرى، و لم يخطر لي للحظة واحدة أن تتحالف كل تلك القوى مجتمعة، وتعمل كما لو كانت كياناً واحداً، على استمرار المأساة في وطني.

علّاقة الثياب المكسورة المثبتتة في الحمام  قبل استئجاري للبيت، التي لم أحاول استبدالها؛ مروحة سحب الهواء في المطبخ التي لا تتناسب مع الفتحة المصنوعة في زجاج الناقذة، فثبتها بشريط لاصق، بدل أن أحاول أن أوسع الفحة لتلائمها، والكثير الكثير من التفاصيل الصغيرة التي تأخذ صفة المؤقت؛ تشهد على مدى قناعتي بأن كل شئ سينتهي غداً، أو بعد غد؛ فأعود إلى الديار. 

 الشاهد الأهم على سذاجتي، هو قبولي العمل بمهنة أتقنها بأجر زهيد قياساً بخبرتي.

قبولي بذلك تحول إلى عقد يقيّدني، عندما قررت الحكومة اللبنانية آنذاك العمل بنظام الكفيل، وأصبح رب عملي كفيلي الذي يتحكم بكل شيء؛  مما أثر سلباً على مستوى معيشتي ومعيشة أسرتي. 

ما حصل باختصار، هو أنني في غمرة أحلامي لم أنتبه إلى الأمل، وهو يتحول إلى وهم مدمر.

رب عملي الذي مكّنته بنفسي من رقبتي، قرر الاستغناء عني بشكل مفاجئ؛ كان يمكن أن يكون قراره هذا لصالحي، لو أنه حدث في ظروف مختلفة، أما الآن فلا أملك من مقومات الصمود ما يمكنني من اغتنام الفرصة، والبحث بتأن عن عمل يتناسب وخبرتي الكبيرة في  مهنتي، ولم أجد بداً من القبول بعرض صديقي القديم للعمل في متجر الألبسة، الذي يملكه في  الحي المافيوي الذي أسكنه. 

كنت قد رفضت عرضه مرات عديدة قائلاً: يا رجل أنا بالكاد أستطيع التفاهم مع البشر؛ فكيف يمكنني التفاهم مع هذه المخلوقات التي تسكن هذا الحي؟!

على الرغم من كل ما قدّمه لي من أجر ممتاز، وتعهد بتسوية أمر الكفالة “، مهما كلف الأمر ” على حد قوله، إلا أنني كنت متوجساً من مزاولة هذه المهنة، ولكن ليس لدي خيار آخر.

زوجتي هي أكثر من يعلم مدى صعوبة الأمر علي؛ فقد كانت تلاحظ كيف يكدني العرق غضباً وضيقاً، عندما تتردد باختيار حاجاتها في السوق، وما إن نغادر المحل تسبقني إلى الجملة التي اعتدتُ تردادها قائلة:  “من المؤكد لو كنتَ مكان البائع ﻷلقيت بي خارجاً” فأقول لها: بالضبط.

وها أنا اليوم لا أملك أمام بعثرة الزبائن للبضاعة، لا سيما النساء وكثرة مجادلتهم في السعر؛ إلا أن أودّعهم بابتسامة لطيفة حتى ولو لم يشتروا شيئاً، وإذا اشتروا يكون قد جف لعابي وأنا أحاول إقناعهم برفع السعر قليلاً حتى لا تقع الخسارة؛ بدل أن يحاولوا هم اقناعي بتخفيض السعر!

وإذا كان العرف التجاري السائد ( الزبون دائماً على حق )، الذي يضطرني للابتسام لزبائني أياً كانت تصرفاتهم، يشعرني بالضيق، فإن قانون الغاب الذي يضطرني للابتسام لذلك المتسلط الذي يأتي نهاية كل أسبوع ليأخذ “المعلوم “، بحجة حمايتنا من صغار الزعران في الحي، كان يشعرني بالاهانة، ففي هذا الحي المافياوي، عليك أن تدفع ﻷحدهم لتضمن عدم التعرض للأذى.

 عليك أن تحسب أنفاسك…

عليك أن تكون على أقصى درجات الحذر من كل شيء؛ حتى من المتسولين الذين هم في الغالب يتبعون ﻷحد زعران الحي الصغار، الذين وجدوا باستخدام المتسولين والمتسولات طريقة لسلبك المال، دون إثارة المشاكل مع الأزعر الأكبر، الذي يتقاضى منك الأتاوة لقاء حمايتك، وعليك ألا تغضبهم.

في هذا الحي المافياوي اللعين، عليك ألا تغضب أبداً!

ولا أصعب من أن أن يعيش المرء حياة ممنوع فيها من الغضب.

صديقي مالك المتجر، افتتح محلاً آخر في منطقة أكثر “رقياً”، و أصبح لا يأتي إلا نهاية كل أسبوع، غاية الجرد وتصفية الحسابات، تاركاً لي مهمة التعامل مع هذه المخلوقات “الشبهبشرية” ..  و قد ضاعف لي أجري مقابل ذلك، فشهدت حياتي تحسناً كبيراً على المسوى المعيشي والمادي، وقد أوفى بعهده فتدبّر أمر تسوية الكفالة، ولكنني رغم ذلك لم أثبت مروحة السحب في مطبخي، ولم أستبدل علاقة الثياب المكسورة في الحمام. 

في أحد الصباحات فيما كنت أرتب شؤون المحل كالعادة، وأقرأ المعوّذات بعد أن أصبحت الروحانيات الوسيلة الوحيدة المتاحة التي ألوذ بها، لمساعدتي على تجرّع واقعي المر، فُتح الباب، وجاءني صوت متسولة تطلب شيئاً من “مال الله”،  فقلت ‘يا فتاح يا عليم ‘ وشرعت أقرأ “قل أعوذ برب الناس ملك الناس … “، و يدي تتحسس المال في جيبي ﻷعطيها بعضه فتنصرف عني، ثم التفتُّ إليها، وكانت الصدمة…

كانت ملاكاً على هيئة متسوة….

 كانت على قدر مرعب من الجمال الذي يعجز اللسان عن وصفه؛ ذلك النوع من الجمال الذي لا يمكنك أمامه إلا أن تقوم بحركة تعظيم و إجلال؛ كأن تجلس إذا كنت واقفاً أو العكس.

تراجعت ببطء إلى خلف طاولتي، ويدي مازالت في جيبي تتحسس النقود، ولساني يلهج بالصلاة على النبي، ثم بالصلاة على أنبياء الله جميعاً؛ من آدم وإدريس و نوح؛ إلى موسى و عيسى؛ إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، وعيناي تغرفان من بحر جمالها فلا ترتويان.

 وكلّما أطلت الصلوات أكثر، وأطلت النظر إليها أكثر؛ ازداد تورد وجهها أكثر، وزالت عنه علامات البؤس المصطنعة؛ وازددت أنا ضياعاً.

أمسكت بورقة نقدية ومدّدت يدي نحوها؛ فتقدمت وأخذتها مني، وقد عرفت من الدهشة التي ارتسمت على وجهها أن تلك الورقة النقدية أكبر قيمة من أن تعطى لمتسولة. 

 أخذت النقود واتجهت نحو الباب مغادرةً، و قبل أن تخرج رمتني بابتسامة كادت تصرعني أرضاً، ومضت تاركة إياي في وضع لا أحسد عليه.

أمضيت نهاري ذاك تائهاً، ساهماً، دائم الشرود، عاجزاً عن التركيز على أي شيء، إلا على استعادة  شريط ذلك الحدث الرهيب، كل ثانية من وقتي.

ولم يخف على زوجتي في المساء ما أنا فيه من تغير الحال، فسألتني ممازحة: هل أصبت بضربة شمس؟

قلت: لا.. بل بضربة قمر!

فعانقتني بحرارة، قائلة “الله يخليلي ياك”، ظناً منها أنني أغازلها.

خامرني شعور بالذنب تجاهها، فأطلت عناقها، معاهداً نفسي ألا أعود إلى “خيانتها” ثانية.

قضيت الأيام الثلاثة اللاحقة، وأنا أحصّن نفسي من تلك الجنية المتسولة، بقراءة القرآن، وبالتضرع إلى الله أن يقيني سحرها، وما كدت أتعافى منها حتى ظهرت من جديد. 

قاومتها بكل ما أوتيت من كبت، فلم أمعن النظر فيها، وأخرجت بعض النقود من جيبي وأعطيتها لها، فلامست أطراف أصابعي أطراف أصابعها، لمسة كانت كافية لتوقد النار في داخلي من جديد، فزعمت لها أن لدي بعض الثياب في الداخل أودّ إعطاءها لها، إذا كانت ترغب بذلك فوافقت. 

دخلنا معاً إلى الغرفة الداخلية التي نستعملها كمستودع؛ وبدأتُ البحث بين الأكياس المغلقة، ثم وقفت فجأة وغافلتها بعناق؛ ضارباً بالعهد الذي قطعته على نفسي بعدم خيانة زوجتي عرض الحائط.

قاومتني للحظات، ثم استسلمت، وامتزجت أنفاسنا، والتهبت شفاهنا قبلاً،  كان لهيباً كافياً لإحراق كل عقود الزواج على وجه الأرض.

وفجأة، قفزتْ إلى الخلف، وكأنّها استعادت وعيها للتو من بعد غيبوبة، وغادرت مسرعة، فشيعتْها عيناي وقلبي بنظرة وداع منكر؛ بينما كانت مراسم دفن عقلي تقام بصمت، حيث أودع أحد المقابر الجماعية.

 انطلقت خلفها مسلوب الارادة مشلول التفكير؛ لا أرى في الشارع المزدحم سواها، تتراقص كلهب شمعة، تتلاعب فيه نسمات ليلية رقيقة، وأسير أنا على هداها. 

استمريت بملاحقتها مسافة طويلة، حتى دخلت أحد الأسواق الشعبية على بعد ثلاثة كيلو مترات من الحي، وذابت في الحشود، كما تذوب قطعة السكر في فنجان الشاي، فتمنحه الحلاوة.

 ذلك السوق المكتظ، كان من أكره الأماكن إلي، وتحول في لحظة إلى أحبها على قلبي.

كنت مستعداً قبل الآن أن أدفع نصف عمري، مقابل ألا أدخل هذا السوق؛ أو حتى أمر بقربه، وها أنا الآن أدخله متجاهلاً أكوام القمامة والخضار الفاسدة على أرصفته، والمجارير الفائضة على أرضه؛ أقطعه ذهاباً و إياباً بحثاً عن عبير. 

من بالله عبير؟!

لا أعلم من أي ذاكرة جئت بهذا الاسم، و أطلقته عليها!

عدت إلى مدخل السوق، ووقفت ﻷكثر من ساعتين، أنتظر أن تظهر عبير من بين الحشد ثانية، لكنّها لم تظهر، وما أن بدأ أثر سحرها بالزوال، حتى ضربت بكفي على جبيني؛ إذ تذكرت أنني تركت المتجر مفتوحاً؛ فانطلقت راكضاً، ألتفت خلفي بين الحين والآخر، عساي أحظى بسيارة تقلني إلى هناك.

وصلت إلى المحل، ففوجئت بصديقي فيه على غير العادة، ورمقني بنظرة عتب و تساؤل.

ولفرط حرجي منه، لم أجد جواباً إلا أن ألقي بالمفاتيح أمامه وأغادر.

في البيت؛ لم يكن الوضع أقل إحراجاً، عندما كنت أجيب على تساؤلات زوجتي عما جرى، كل مرة بقصة مختلفة تتظاهر بتصديقها.

قضيت أياماً أخرج في الصباح بحجة البحث عن عمل؛ بينما كل ما أفعله هو الرباط على مدخل السوق، حيث اختفت عبير، أملاً بالعثور عليها؛ وأعود في المساء خائباً كئيباً.

إلى أن خطر لي خاطر غريب؛ إذ قررت اللجوء إلى أحد المشعوذين طلباً للمساعدة.

سلبني ذلك المشعوذ كل ما أملك، دون أن يجمعني بعبير، أو يشفيني منها.

 تفاقمت حالي من سيئ إلى أسوأ، خصوصاً أنني لم أعد قادراً على تلبية احتياجات أسرتي، فقررت ألا أعود إلى البيت مجدداً.

استمريت بالرباط أمام مدخل السوق ﻷيام طويلة؛ ليس فقط أملاً بالعثور على ضالتي؛ إنّما أيضاً لأنه لم يكن لدي مكان آخر أذهب إليه.

 أصل صباحاً فأفترش الرصيف المقابل  للسوق، وأغادر مساء إلى الشاطئ حيث أجد بين فضلات المتنزهين نهاراً ما يسد رمقي، وأبيت الليل  هناك، ولولا أن قوانين “لؤلؤة الشرق” تمنعني كسوري من التجوال ليلاً في شوارعها؛ لوصلت الليل بالنهار مرابطاً على مدخل السوق.

مرت الأيام، وتدهورت حالي فطالت لحيتي وغطتني القذارة، ونال مني التعب والجوع و الجنون؛ حتى رنت في أذني جملة سمعتها يوماً من أحد رجال الدين حين قال “أن المؤمن إذا حانت ساعته يأتيه ملاك الموت على هيئة من يحب”، فهرعت إلى المسجد القريب وقابلت إمامه، واختلقت له قصة أقنعتْه بالسماج لي بالمبيت في المسجد، بعد أن جاءني بثياب طاهرة تتناسب وطهارة المكان، وساعدني في الحصول على عمل في مكان قريب.

كنت ما أن أنهي عملي كل يوم، حتى أسرع إلى الجامع، فأقضي معظم الوقت بالتعبد وتلاوة القرآن، سعياً للحصول على صفة “مؤمن”، عساي ألقى عبير، إذا ما حانت ساعتي.

ذات ليلة؛ فيما كنت غافياً؛ شعرت بضيق في النفس، وبشيء يشد على عنقي، فظننت أنها اللحظة المنتظرة، وفتحت عينيّ ﻷرى ما إذا كان ملاك الموت سيأتيني حقاً على هيئة عبير؛ ﻷصعق برؤية زوجتي تمسك بخناقي وتحثني على النهوض، فانتفضت واقفاً أنظر إليها بذهول أن كيف وصلت إلى هنا! فأمسكتني من ياقتي وسحبتني خلفها.

حاولت التملص منها؛ لكنّها كانت متشبثة بي بقوة، لا أعلم من أين جاءتها، فصرختُ بها: لن تعيديني إلى حظيرة الزوجية.. أيتها الحمقاء؛ لسنا زوجين .. أمي اختارتك، وأبي طلب يدك، ووالدك وافق، وما أنا وأنت إلا طرطوران بصمنا على ما اتفق عليه الآخرون.. كلانا ضحية..

ضحيةٌ أنثى وضعت مع ضحية ذكر في قفص، لإنجاب ضحايا صغار.. ..

 إنها فرصتنا للتمرد؛ اذهبي وعيشي كما تشائين، ودعيني و شأني.. ..

أيتها البلهاء؛ كيف ستقيمين معي في بيت واحد، و قلبي مع امرأة أخرى؟! كيف؟!

لن أستسلم للأمر الواقع أبداً، وسأراها في الحلم، والخيال، وسائر العوالم الافتراضية..

اتركيني!

لكنها لم تنطق بحرف واحد، بل استمرت بسحبي حتى بلغنا السيارة، التي كانت بانتظارنا في الخارح، فأجبرتني على ركوب السيارة وانطلقت بنا إلى البيت.

في البيت؛ أول ما خطر لي هو إصلاح مروحة سحب الهواء في المطبخ، واستبدال علّاقة الثياب المكسورة في الحمام، لكنني لم أفعل ذلك حتى الآن .

*الكاتب: زيدون “زياد الجندي”.

*الأعمال الفنية للفنان العالمي بيكاسو.

Leave A Comment