مفهوم الإله عبر التاريخ
اُعتبر الإله عبر العصور بأنه ذو طبيعة خارقة فوق بشرية، يعبده الإنسان ويقدم له الأضاحي لكسب رضاه وتجنب غضبه وسخطه. ففي الميثولوجيا الإغريقية كان للآلهة قوة خارقة ولكنها كانت أيضاً شبيهة بالبشر، لهم أخطاؤهم ويحبون ويتزوجون ويولدون ويموتون.
وفي الديانة الهندوسية والبوذية وأغلب الأديان “الوثنية”، الإله يمتلك المقدرة على عطاء الرزق والحياة وسلبها كذلك.
أيضاً كان هناك اختصاصات معينة عند بعض الآلهة، فمثلاً بحضارات بلاد الرافدين كانت “عشتار” آلهة الحب والحرب، “أبولو” إله الشمس وإله الموسيقى والشعر والفنون عند الإغريق.

الآلهة عشتار

في الديانات الإبراهيمية يشير الإله إلى الخالق، والذي يمتلك القدرة المطلقة للتحكم بكل شيء، وبكل تفاصيل الحياة، مع بعض الاختلاف بين الرسالات الثلاث: ( اليهودية، المسيحية، الإسلام ).
 فالتصور عن الإله إذاً متغير ومختلف بعض الشيء على حسب المعتقد الديني، ورغم اختلاف النظرة للإله عبر العصور، لكنها لم تخرج عن الأُطر العامة المتعارف عليها.
ولأن العالم لايخضع أبداً لكفة واحدة، فقد ظهرت بالجهة المقابلة جماعات تنتقد الأديان بمجملها، وتبلور ذلك بعد ظهور“الفكر الحر” و“الشكوكية العلمية”، وذهبوا لتعريف أنفسهم بكلمة “ملحد”، وكان ذلك بفترة مايسمى“عصر التنوير”، وهي من أكثر الفترات تأثيراً في التاريخ الفرنسي، وتراوحت مابين عام 1789م حتى عام 1799م، وكان لها  أثرها على أوربا والغرب عموماً.

رؤى جديدة لمفهوم الدين:


الفيلسوف الفرنسي- الألماني“هنيش هولباخ”/ “بول هينري ثيري، بارون دي هولباخ”، كتب العبارة المشهورة: “الدين أفيون الشعوب” في كتاب بعنوان: “المسيحية في خطر” عام 1761م، والتي استعارها منه فيما بعد الفيلسوف الألماني “كارل ماركس”، ورأى “ماركس” أنه لكي تتحرر الشعوب عليها أولاً التخلص من الدين، فما الدين إلا وسيلة للتحكم بالشعوب، وتخديرها للصبر على آلامها وفقرها ومعاناتها، وذلك عن طريق الحكام والرأسمالية، فكان الحاجز الأول للثورة الشيوعية بنظر “ماركس” هو التخلص من الدين، وبعدها يتم الانطلاق نحو التساوي في الثروات بين جميع أطياف المجتمع، وفي سنة 1917م، انكسر هذا الحاجز وقامت الثورة “البلشفية” في روسيا، والتي قادها “فلاديمير لينين” على نهج “ماركس” لتحويل روسيا إلى دولة شيوعية ملحدة.

بول هينري ثيري، بارون دي هولباخ


توضيح لابد منه:
الفرق بين الدولة الملحدة والدولة العلمانية: الدولة الملحدة تمنع حرية العبادات، وتنشر التعاليم التي تنافي الدين حتى ولو كانت عنيفة، أما الدولة العلمانية عكس الدولة الملحدة، تماماً فهي تضمن جميع الحقوق للمواطن، ومنها حقه بممارسة طقوسه التعبدية.
الصين الشيوعية وتغيير مفهوم الإله:
انتشر الفكر الشيوعي وصولاً للصين، فتشكلت حركة ” الحزب الشيوعي الصيني” سنة 1921م، وفي سنة 1946م قامت هذه الحركة بما يسمى

“الثورة الشيوعية الصينية”، وبعد انتهاء الحرب الأهلية الصينية سنة 1949م، والتي انتصر بها الحزب الشيوعي تحولت الصين إلى دولة ملحدة.

علم الحزب الشيوعي الصيني

بدأت الصين العمل على إلغاء فكرة الإله بكل تصوراته، وذلك عن طريق القوة المفرطة، ونجحت بذلك بشكل كبير، فتقريباً مايعادل 61% من سكان الصين تحولوا إلى ملحدين (حسب دراسة قامت بها جمعية شركات الاقتراع WIN/Gallup International في سنة 2015)، ولكن المفارقة كانت عندما عادت الصين أخيراً و قررت صناعة نموذج للإله، ولكن على طريقتها التي تتقنها جيداً والمتمثل بـ“الإله الإلكتروني”، ربما للوهلة الأولى يكون الأمر مستبعداً، أو المسمى بحد ذاته صادماً للبعض، ولكن في الصين الأمر أبسط من ذلك، فقد تم تعيين ثمان شركات لإتمام عمل هذا الإله، والذي من مهامه تقييمك اجتماعياً استناداً على معلومات تم جمعها من نشاطاتك على مواقع الإنترنت، بل ومن كل كلمة تكتبها أو موقع تزوره، ليس هذا فقط  أيضاً كل تحركاتك وأفعالك من مشترياتك اليومية وتسوقك وحتى دائرة الأصدقاء، كل هذه التفاصيل بدقتها وخصوصيتها إضافةً إلى ما ستلتقطه الكاميرات المثبتة بكل مكان، سيتم إدراجها ضمن “CV” خاصتك، وكلما ارتفع هذا التقييم كلما ازدادت فرصك بالحصول على قروض، و وظائف وترقيات، أو حتى السماح لك بالسفر أو عدمه، التأثير بشكل عام سيكون عليك بجميع الخدمات، فمثلاً لو أنك ذهبت لشراء علبة سجائر فهذا سيؤدي إلى نقص التقييم، وإذا أخذت طفلك للطبيب فهذا يعني أنك مسؤول وسيزيد من تقييمك، الجزاء من جنس العمل حرفياً ومن دون رحمة الإله في الأديان، شهاداتك وكفاءاتك ليست هي فقط من ستحدد طبيعة عملك، فربما تكون مختص بالفيزياء الكونية، ولكن تقييمك الاجتماعي متدني، حينها لن تحصل إلا على وظيفة بواب، أو حارس ليلي مثلاً.

بوستر من مشاهد الثورة الصينية، يناير 1967

فكرة “الإله الإلكتروني” ليست تحت الدراسة أو تحت التجربة، بل هي الآن في سنة 2020 أخذت حيز التنفيذ وأصبح (أو جارٍ) تطبيقها إجبارياً على جميع الشعب الصيني، وسبقتها فترة كان تطبيقها اختيارياً.
لنا أن نرى كيف يمكن أن يتحول الإنسان إلى لعبة، مسيطر عليه تماماً، ومراقب تماماً، وبكل سهولة، إما عن طريق الميتافيزيقيات، أو بفظاعة التكنولوجيا.

هل تتحكم الآلة بسلوك الإنسان مستقبلاً؟
في هذا العالم كل شيء قابل للتغيير والتطور ولا وجود للثوابت، ومفهوم “الإله” ليس مستثنى من هذا، وهناك علاقة نسبية بين انتشار وتقدم التكنولوجيا وبين اتساع دائرة السيطرة والتحكم بالشعوب وتقليص الحريات، الدولة الشيوعية الملحدة والتي كان مؤسسو فكرها يؤمنون بأن الدين للإله هو الحاجز بين الإنسان وحريته، صنعوا صورة جديدة أسوء وأكثر سلطة للسيطرة على الشعوب، وليست بعيدة عما كانوا يخالفونه من حيث المبدأ، هذا التطور كما له أثره الإيجابي، فسيكون له الأثر السلبي الكبير كذلك، ولنا أن نتخيل كيف يتم تقييم أعمالنا من دون أن يتم الرجوع إلى المسببات والمبررات، ليس هذا فحسب بل حتى أن أفعال أصدقائنا والتي لادخل لنا بها سيكون لها تأثير علينا، وبالتالي سينعكس هذا على علاقاتنا الاجتماعية ككل، وسيُسلب الإنسان من مشاعره تجاه أخيه الإنسان.
لا تتكلم، لا تفكر، لا تبحث، لا تحب. أيها الإنسان ماالحرية إلا كذبة كبيرة، ونحن من سيحدد لك مسارك، “كن حذراً فالأخ الكبير يراقبك”.

*بقلم: محمود عبود/ كاتب سوري

**المقال المنشور يُعبر عن رأي الكاتب، ولا يُعبر عن رأي المدونة.

Leave A Comment