منهج النقد التاريخي
يُعتبر منهج النقد التاريخي واحداً من المناهج النقدية المتعددة التي انبنت على قواعد متينة، وهي في حد ذاتها نتاج لفلسفات، وتيارات فكرية عرفتها الإنسانية عبر سيرتها الطويلة، ولا بدّ من الإشارة أن منهج البحث في تاريخ الأدب قبل ظهور الرومانسية، لم يتجاوز ذكر حياة المؤلف، وسرد مؤلفاته، وذكر نماذج منها، وشرح بعض معانيها اللغوية والبلاغية، وقلّما تمت محاولة إحلال المؤلف محله في عصره.
المنهج التاريخي في ظل الفلسفة التجريبية
جاءت مدرسة النقد التاريخي مستندة على الوضعية، وهي الفلسفة التي أتى بها “لوك” و”هوبز” والتي استبعدت كل تفكير لا يستمد عناصره الأولى من الحس والتجربة، فرفضت القضايا الميتافيزيقية، واهتمت بقضايا الحياة والمجتمع. كان من آثار سيطرة هذه الفلسفة التجريبية على الأدب: “أن نادى بعض مؤرخيه بوجوب تطبيق مناهجها، وقواعدها على الدراسات الأدبية، وحاول بعضهم أن يضع للأدب قوانين كقوانين الطبيعة”، وبالغ بعضهم في ذلك، متناسياً أن الدراسات الأدبية لا أن تخضع للجبرية العلمية التجريبية، ولعل ذلك التفكير التجريبي هو نتاج البحث في التاريخ الأدبي عبر مضامين العلمية السائدة في القرن التاسع عشر، والتي أفرزتها الوضعية المنبثقة من نظريات عديدة تأتي في مقدمتها: نظرية “دارون” الشهيرة التي لاقت رواجاً منقطع النظير في ظل العصر. وتحدد بها إدراك النقاد للإنسان ككل، (إذ رأوا أن كل أديب معاصر، هو نتيجة تكوين العالم له في مختلف العصور)، وهذه النظرة أيقظت النقاد في البحث عن كافة الأصول، والنظم الاجتماعية والدينية، والسياسية التي من شأنها أن تؤثر في الأديب (المبدع)، ولهذا جاءت أحكامهم أحكاماً مبنية على تفسير الأدب تفسيراً علمياً مادياً محضاً.
أبرز نقاد الفلسفة التجريبية وروّاد المنهج التاريخي الأول
أبرز النقاد الذين ظهر لديهم التوجه العلمي التجريبي في منهج دراستهم للأدب هم “آرنست رينان” (1823- 1892) وكذلك “سانت بوف” ( 1804- 1869) و” هِيبُولِيتْ تين ” (1828- 1893) و” إمِيلْ برونتير” (1849-1906)، أنكر هؤلاء النقاد التذوق الأدبي والشخصي، وكل ما يتصل بالذوق وأحكامه في مجال دراسة الأدب، وأخذوا يضعون قوانين ثابتة للأدب، ثبات قوانين العلوم الطبيعية، قوانين تطبق على كل الأدباء، كما تطبق قوانين الطبيعة على كل العناصر والجزيئات.
وفي رأي هؤلاء النقاد: (إن من أشد الأمور خطأ أن كل أديب كيان مستقل بذاته، إنما الأديب،. وكل آثاره وأعماله ثمرة قوانين حتمية عملت في القدم، وتعمل في الحاضر، وتظل تعمل في المستقبل، وهو يصدر عنها صدوراً حتمياً لا مفر منه ولا خلاص، إذ تشكّله، وتكيفه حسب إرادتها، وحسب ما تمليه عليه من جبر وإلزام ).
جُوسْتَافْ لانسون : أعلن أستاذ الأدب الفرنسي “لانسون” بأن تاريخ الأدب جزء من الحضارة، وأعين النقاد التاريخيين تنصب على رصد هذه الظاهرة، ومحاولة التفريق بين المنهج كخاصية نقدية، وبينه كخاصية توثيقية (تاريخية)، فالتاريخ الأدبي يحاول أن يصل الى الوقائع العامة، وأن يميز الوقائع الدالة ثم يوضح العلاقة بين الوقائع العامة والوقائع الدالة، ومن هذا المنظور يرى “لانسون” أن منهجه هو في صميمه هو”المنهج التاريخي”، وذلك ما برهنه أثناء دراسته للأدب الفرنسي، الذي يراه كمظهر للحياة القومية الفرنسية، التي تنصب في بوتقتها كل التيارات الفكرية، والمشاعر، والأحداث السياسية والاجتماعية غيرها، و يعتبر “جُوسْتَافْ لَانْسُونْ” أحد الأقطاب الكبار في مجال تاريخ الأدب، ولقد وضع نظريته معارِضاً التاريخ الأدبي في تصوري “إمِيلْ بْرونْتيِير وهِيبُولِيتْ تَايْنْ”. فقد استنكر اعتبار العلوم التجريبية نموذج تاريخ الأدب.
يتميز الأدب في رأي “لانْسونْ” بكونه، خلافاً للأحداث التاريخية، يتمتع بوجود حي بيننا. والآثار الأدبية والفنية من قبيل لوحات “رَامبْرانْتْ ورُوبَانْس”، حية دائماً، متمتعة بخصائص إيجابية، تحمل للإنسانية المتحضرة ممكنات لا تنفد في إثارة الإحساس بالجمال الفني أو الخلقي.
أكثر ما وجه من نقد لهذا المنهج هو تبسيطه الكبير لقراءة الأدب، و سهولته و ييسره، لذلك يلجأ إليه النقاد أكثر من غيره.
يصف “دانيل بورتيال” الحركة النقدية في ضوء هذا المنهج، الذي تسلط على النقد قديما فغزا كل أبعاده، وكان ذلك الغزو بمثابة المجمع التوثيقي الذي نفرزه نحن الآن، بمختلف رؤانا النقدية المختلفة بقوله :
(الروح النقدية التاريخية هي بطبيعتها يسيرة، متسلسلة متحركة متفهمة إنها نهر كبير وعذب، ينبسط فيها النقاد حول المؤلفات والبدائع الشعرية. كما يفعل الماء حين ينبسط بين الصخور والتلال والقلاع “، فالمنهج النقدي – من كل هذا – يهدف الى تحقيق منطق الزمن الذي يعايشه من خلال النص، فيرى فيه المتعة في البحث، والتقصي وإيجاد العلاقات الواقعية في إطار هذا المغزى.
مثال من الأدب العربي:
يعد “طه حسين” أبرز من استخدم هذا المنهج في دراساته عن الأدب العربي القديم، مثل كتابيه “حديث الأربعاء” و “تجديد ذكرى أبي العلاء”
ففي الكتاب الأخير: طبّق “طه حسين” المنهج التاريخي تطبيقاً دقيقاً، فقد خصّص باباً من هذا الكتاب شغل حيزاً كبيراً من الكتاب (نحو ثلثي الكتاب)، درس فيه زمان أبي العلاء، ومكانه وشعبه والحياة السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والدينية في عصره. وقبيلته وأسرته، ليرى أثر ذلك كله في شعره وأدبه.

من الجدير بالذكر أن تاريخ الأدب من حيث حشد ركام من العلوم وتعبئتها لأجل دراسة الأدب، أثارت نفور الكثير من النقاد في الغرب والشرق، ولعلّنا لا نجد وصفاً طريفاً يقدمه الناقد الروسي لهذه الحالة التي آل إليها تاريخ الأدب. “أَلِيكسَانْدرْ فِيزُولُوفْسْكِي” وهو منتسب إلى مدرسة تاريخ الأدب بمعناها التقليدي:
(إن تاريخ الأدب بمعناه التقليدي، هو عبارة عن “أرْضٍ بدُونِ مَالكٍ”، حيث يتعاطى الصيد مؤرخ الثقافة إلى جوار عالم الجمال وعالم الفِيلُولُوجِيّة، إلى جانب الباحث في مجال الأفكار الاجتماعية).
لا يمكن التغاضي هنا عن الإشارة إلى أخذ “جَاكُبْسُونْ” لهذا التمثيل التناسبي، وهو يتحدث عن تاريخ الأدب الذي يفتقر إلى تحديد مجال دراسته تحديداً واضحاً. إذ يقول:
(الشعر هو اللغة في وظيفتها الاستطيقية، وهكذا فإن موضوع علم الأدب ليس الأدب ولكنه الأدبية، أي ما يجعل من أثر معطى أثراً أدبياً، ومع ذلك فإن مؤرّخي الأدب هم أشبه بالشرطة التي تُؤْمَر باعتقال شخص ما فتعتقل، على سبيل الصدفة، كل من تباغته في بيت الشخص المطلوب).
*د.خولة حسن الحديد، جزء من محاضرة في اتحاد الكتاب والأدباء العرب، أبوظبي، 2014م.
