“إن الفهم هو دوماً انصهار الآفاق التي يُزعم أنها مستقلة أحدها عن الآخر”

في دراسة التحولات الكبرى التي حدثت عبر تاريخ الإنسانية ، نجد مساهمة كبيرة وجذرية للمكتشفات العلمية، كقانونا الجاذبية لإسحاق نيوتن، والنسبية لأبرت آينشتاين، وآراء غاليلو غاليلي، وبالقدر نفسه ساهمت أيضاً النظريات والمقولات الفلسفية، والأفكار الاجتماعية، والحركات الإصلاحية والتنويرية، ونظريات “سيجموند فرويد” وتلميذه “كارل يونغ” كمنعطفات في التاريخ الإنساني، وصولاً إلى و ثورة الاتصالات والطباعة والإنترنت، ولم تترك هذه النظريات أثرها في تطور المعرفة المجردة فقط، بل ألقت بظلالها على كل المعارف الإنسانية باقتراحات من شأنها أن تعزز معقوليتها وعقلانيتها واقترابها من الحقيقة، وأصبحت العلوم التطبيقية أو الطبيعية أو البحتة من أبرز المصادر التي تُعَقْلِن أدوات النقد الأدبي والثقافي ومناهجه ومقولاته، عبر استفادته من نظريات الفيزياء والكيمياء والتشريح، والدراسات التجريبية على العقل والدماغ والمدركات الحسية، وقراءة المشاعر والعواطف التي تتصل بسيكولوجية الكتابة ومناخات التلقي، وانبثقت العديد من النظريات والمناهج والأدوات المعرفية التي تتناول الأدب والفن، و تحاول قراءته وتفسيره انطلاقاً من تلك المعطيات العلمية والتطبيقية، فبرزت العديد من المدارس و المناهج النقدية القائمة على منتجات العلم و التجريب، فما هي أهم هذه المناهج و ما أهم ما وصلت إليه؟ وكيف أثّرت في النقد الأدبي وأغنت دراستنا للنص الإبداعي، وإلى أي مدى ساهمت في فهمه  تفسيره؟

بداية لا بدّ من الإشارة إلى تعريف التجريب بمفهومه الأبسط و الأقرب للفهم، فهو سلسلة من التقنيات ووجهات النظر عن العالم، تسعى إلى تجاوز الفهم القائم وإلى وضعه موضع تشكيك وتساؤل، وبالتالي إخضاع كل ظواهره لتلك التقنيات والأدوات العلمية المضبوطة، والتي تحوّل المعرفة من الحالة النظرية إلى العلمية والتعبيرعن الظواهر بشكل كمي ( الكم ) يُفسر من خلاله النوعي ( النوع )،  انطلاقا من هذا المعنى يتحوّل النص الأدبي إلى مُعطى يخضع لمعايير التجريب وقوانينه، وتطاله تحولات عدة، وقد أشار إليها ( سعيد يقطين ) في أحد مؤلفاته بما يلي :

– من الفيلولوجيا الأدبية إلى أركيولوجيا المعرفة.

– من الثابت والجاهز إلى المتحول والممكن.

– من المطلق إلى النسبي.

– من الجواب العارف بكل شيء إلى السؤال المطروح بصدد كل شيء.

أهم مناهج و مدارس النقد الأدبي التي انطلقت من التجريب

من المعروف أن المشهد النقدي عَرف ويَعرف سيلاً من التيارات النقدية التي تدرس النص الأدبي من زوايا مختلفة، ومن خلال طرائق تداولها للنص، فاحتفتْ مناهج كثيرة بالنص وببنياته ومكوناته الداخلية والخارج- نصية، تمثلت في: تاريخانية الأدب و تاريخه ، وسوسيولوجيا الأدب أوالمنهج الاجتماعي، والمنهج النفساني، والمنهج البنيوي، ، والسيميائيات، واللسانيات البنيوية، والتفكيكية، والمنهج الأسطوري – الأنثروبولوجي، والشعرية، والأسلوبية. و سنتناول هنا أبرز المناهج التي استندت بشكل رئيسي في تناولها للأدب على القوانين و المُعطيات العلمية و التجريبية، في المقالات التالية.

*د.خولة حسن الحديد، جزء من محاضرة ألقيت في اتحاد الكتاب والأدباء العرب، أبوظبي، 2014م.

Leave A Comment