تظهر سلسلة أفلام ( صمت الحملان) الشخصية الرئيسية، وهي شخصية “د.ليكتر” الطبيب نفسي، ورؤيته للحياة، وحتى طريقته بعلاج المرضى ونصائحه لهم، كّلها ومن الواضح جداً أنه مأخودة من تقنيات التحليل النفسي، وشبه متطابقة مع رؤية التحليل النفسي للحياة، وبالرغم من أن “ليكتر” لا يعترف بعلم النفس ك”علم”، وهذا أيضاً يتطابق مع الرؤية المعاصرة السائدة في أمريكا للتحليل النفسي منذ ستيتيات القرن الماضي لليوم، والتي يُفضل فيها غالبية المتخصصين تقنيات “العلاج السلوكي” الذي يُركّز على إزالة الأعراض وتعديل السلوك من الخارج/ الظاهر أو المظهر،  دون الدخول إلى أعماق الشخصية وخبايا اللاوعي، وينسجم هذا أيضاً مع عموم الفلسفة الأمريكية المعاصرة، والنموذج الأمريكي السائد اليوم ومنذ عقود للحياة عموماً، أو” العلاج المعرفي – العقلاني” والذي يبحث بالأساس في بيولوجيا السلوك، وتطور آليات التفكير والبنى الذهنية للإنسان، وفقاً لأصوله الجينية وغيرها من فيزيولوجيا السلوك.  

غلاف رواية (صمت الحملان) للكاتب توماس هاريس

في سلسلة الأفلام هذه – وهي مأخوذة عن رواية شهيرة بعدة أجزاء بدأت بصمت الحملان وثم عودة د. ليكتر والتنين الأحمر– وقد تزاحم عليها منتجو السينما والدرما والفنانون، من أجل تجسيدها سينمائياً ودرامياً، هو التركيز على فكرتين أساسيتين: (أكل لحوم البشر) و(استهداف الضحايا لتحقيق أهداف تحوّل شخصية المجرم وتغيير شخصيته، وتقمص شخصية أخرى مغايرة ، والإجرام يُصبح النظر له هنا كاضطراب نفسي وعقلي عميق الأثر، وليس هدفه ارتكاب الجريمة وإنّما يتم بكل أريحية كحق شخصي، وسلوك اعتيادي)، ومن هاتين الفكرتين تنبثق أفكار أخرى تعبر عن رؤية الضحايا، ورؤية المجرمين للعالم من حولهم، وحتى رؤية المحققين الجنائيين والعاملين في السلطات الرسمية، ولصورتهم عن أنفسهم، إضافة إلى سيرة حياة المجرمين، وماضيهم الذي خلاله تم تجذير الاضطرابات هذه….وغيرها.

غلاف رواية التنين الأحمر لتوماس هاريس مترجمة إلى العربية

اللافت في سلسلة الأفلام الرائعة هذه، مجموعة من الأفكار التي يُمكن لأي مشاهد عادي التقاطها، وأهمها:  قدرة الإنسان الهائلة على ارتكاب جرائم، وتبريرها لنفسه، والاستمرار فيها بدون أي رادع، وبكل راجة ضمير، وأنه فقط عندما يستيقظ الضمير، والشعور بالذنب يبدأ المجرم بارتكاب الأخطاء، وتغيب جسارة القلب والتفكير في الجريمة، فينكشف المجرم عندها فقط، ومن هنا تأتي أهمية العقاب كرادع ممكن أن يجعل هذا الشعور يستقيظ.

هذه الفكرة تدل بقوة – والأدلة موجودة بالواقع عبر التاريخ البشري كلّه ولليوم – إن الجانب البدائي، الوحشي في الإنسان ما زال قائماً، وموجوداً وقادراً على أن يستمر بقوة، وإنه شعرة واهية جداً بين التحضّر والهمجية، هي فقط ما يفصلنا كبشر عن عالم البدائية الأول، الذي عاشته البشرية في طفولتها الأولى، وبكل لحظة يُمكن للأفراد والجماعات النكوص لهذه المرحلة من طفولة البشرية.

فكرة ( نحن والآخر)، الآخر هنا المغاير المُختلف جنسياً “المرأة – الرجل” أو أي إنسان خارج الذات، أي عابر بالمحيط حتى، فالآخر مجرد شيء، وكيف بإمكان أي إنسان على هذه الأرض تشييء الآخر، وتجريده من كل ما هو إنساني، لتبرير استهدافه بكل توحّش، ليصبح مجرد موضوع لرغباتنا وحاجاتنا، دون أن يرف لنا جفن، وتحويل الآخر من “ذات” إلى “موضوع”، هي فكرة تحليلية نفسية بحتة، تكشف الكثير من الخلفيات وراء الجرائم المُرتكبة، ووراء جوانب من سلوك الآخرين في محيطنا الأقرب، حتى تلك السلوكات البسيطة التي تحولنا إلى “أشياء”، مجرد أشياء يتم استخدمها لإشباع حاجات ورغبات شخصية للآخر ليس إلا، وبالتالي استباحة حياتنا بكل مفرداتها، والحميمي منها على وجه الخصوص، لأنه فيها تكمن فكرة تدميرنا، وهل هناك أكثر حميمية بالنسبة للإنسان من جسده؟ 

مشهد من “صمت الحملان”

هذه المضامين الأساسية لسلسلة الأفلام هذه، يقف إلى جانبها ويتضافر معها مجموعة من الأفكار التي قد تبدو ثانوية للوهلة الأولى، لكنها قوية أيضاً ومهمة جداً ضمن سياقتها، وخارجها حتى، من مثل: نظرة الرجل للمرأة في إطار كونها موضوع للجنس فقط، والفساد في الدوائر الرسمية ومؤسسات العمل، وعلى أعلى مستوى، وهنا هي أجهزة الاف بي آي والسي آي إيه ( المخابرات المركزية الأمريكية، ومخابرات الولايات المحلية)، وكيف ينظر الرجل للمرأة العاملة في الفضاء العام، إذ يتم استغلال الوظيفة لإخضاعها لرغباته، والجنسية منها على وجه الخصوص، وأما تخضع أو يتم تدميرها وظيفياً بشكل كامل، ويطال الدمار كل جوانب حياتها، وهذا أيضاً أحد أشكال التوحش والبدائية، وإن كان يتمظهراً بدرجة أقل وحشية من أكل لحوم البشر فيزيائاً، لكن لا شك هو أحد أوجهه بطريقة ما، تتضافر مع هذه الفكرة وتؤكّدها مسألة أن غالبية ضحايا المجرمين – باستثناء “د. ليكتر” والذي كانت له علاقة مُركّبة ولافتة مع النساء من خلال سلوكه مع عميلة الاستخبارات المُكلفة بدراسة قضيته – كانت من النساء، وفي تفسير “ليكتر” نفسه كطبيب نفسي لهذا الاستهداف، إن الإنسان ( يشتهي ما يراه)، وفكرة الشهوة المرتبطة بالإثارة بكل أنماطها الجنسية والعدوانية هي إشارة واضحة، وجليّة إلى الغرائز البدائية التي تتحكم بالسلوك، والتي يتسامى السلوك البشري عليها بأدوات وأساليب عدة، ثم ما تلبث أن تعاود الظهور لدى بعض الأفراد والجماعات، ولطالما كانت المرأة هي موضوع (الشهوة) هذه، وربما لهذا الأمر تحديداً يتم في العديد من الأديان والحضارات التركيز على مظهر المرأة، وملابسها، وسلوكها، وكيف يجب حجبه لألا يُصبح موضع إثارة الآخر “الرجل”، وتتساوى هنا الغرائز بمسألة “الإثارة” سواء ارتبطت بالجنس أوالعدوان والعنف!

مشهد من “هانيبال”

تتصل بكل الأفكارالسابقة فكرة (المظهر – المظاهر)، ونمط الحياة المعاصرة، راقية المظهر ووحشية الجوهر، والتي لم تلغِ التوحش الكامن في الطبيعة الإنسانية، فالدكتور “ليكتر” من أرقى طبقات المجتمع، وألمعها مكانة وظيفية واجتماعية، والأكثر ذكاءً أيضاً بين ممارسي المهنة، ولا يستمع إلا للموسيفا الراقية، ولا يعيش في بيوت باهظة الثمن ومحاطة بالمناظر الطبيعية، ومليئة بوسائل الترفيه، وتحفل جدرانها بلوحات فنية وتحف ثمينة، ويستخدم أفضل العطور المعروفة عالمياً والنادر منها حتى، ويلبس من أرقى الماركات، وله طريقة مميزة جداً في إعداد الطعام وتناوله، حتى ذاك الذي يُعده من لحوم البشر وأجزاء من أعضائهم، وهذا يعني أن سمتي: التحضّر والبدائية هي مجرد مفاهيم تُطلق لتصنيف الآخرين المغايرين لنا، وليست إلا مظاهر بسيطة، وقشور رقيقة جداً تخفي خلفها العديد من الحقائق الصادمة عن طبيعة البشر،  ف”مرغريت ميد” عالمة الانتربولوجيا ودارسة سلوك الجماعات،  عندما قالت عن ما يُسميه علماء الاجتماع والنفس ب” القبائل البدائية” التي تعيش في غابات الأمازون وغابات آسيا وإفريقيا، أنها ليست بدائية أبداً، ولها نمط حياة وسلوك مضبوط جداً تجاه كل مفردات الحياة والطبيعة، وكل ما في الأمر أنه نحن “المتحضرين” أو من نرى أنفسنا كذلك، صنفناهم كبدائيين لأن أنماط سلوكهم ورؤيتهم للحياة لا تتطابق مع رؤيتنا ومفهومنا عن التحضّر ! كانت وكأنّها تُشير إلى شيء ما مما يجسده “ليكتر”، وكثير من المجرمين الذي استحضرتهم سلسة الأفلام هذه وغيرها حتى خلال مسيرة السينما العالمية عن رؤيتنا الخاطئة لمفهوم البدائية والتحضّر، علماً أن هذه الأنماط موجود في الواقع من حولنا، وما يحصل خلال الحروب خير دليل على هذا، واستمرار الحروب بالنمطية ذاتها التي كانت تتخذها حروب الماضي يؤكّد دون أدنى شك هذه الحقيقة، فمن سبي النساء إلى الاغتصاب، إلى محاولة إبادة الآخر، إلى إباحة استخدام كل السبُل الوحشية في سبيل إخضاع الآخر، كل هذا تقوم به أطراف الحروب الحديثة اليوم، وإن بأدوات ووسائل مختلفة ومتطورة عن وسائل من سبقهم من أقوام عبر تاريخ البشرية.

ومما تقوله الأفلام بهذا الصدد أيضاَ، أن “د.ليكتر” ليس نموذجاً أمريكياً فقط، وساحة الجريمة ليست أمريكيةً فقط، وذلك من خلال رمزية وجوده وتنقله بين عدة أماكن من أمريكا إلى إفريقيا لشرق آسيا، ففي كل مكان يوجد نسخة عن “ليكتر”، وكل مكان ساحة لهكذا جرائم، فهي جزء من طبيعة البشر.

الجميل في هذه الأفلام الساحرة، التي نالت العديد من جوائز الأوسكار والجوائز العالمية، واعتُبرت من أهم الأفلام في تاريخ السينما الأمريكية، هو المضمون والحكايات التي تسردها مع عمق تحليل السلوك، وإعادة الاعتبار للتحليل النفسي في وسط مُعادي له تماماً، فهذا الوسط الذي لا يعترف بالتحليل النفسي كعلم، تضم أعلى مؤسساته الرسمية وحدات لتحليل السلوك الإنساني وفقاً لتقنيات هذا العلم!

والأهم هو مواجهة الحقيقة، الحقيقة التي يرغب الغالبية مننا إخفائها عن طبيعتنا البشرية، وسط كم هائل من الشعارات وادّعاءات التمدن والتحضّر.

مشهد ل”د. ليكتر” في السجن

من الصعب جداً في عجالة بمقال كهذا، استحضار كل ما في الأقلام هذه من مضامين، لأنه من الممكن كتابة كتاب كامل وبل أكثر عنها، لما تضمه من أفكار مثيرة جداً للجدل والتفكير العميق، وصادمة بشكل كبير، مع كم كبير من إثارة التفكير حيال السلوك الإنساني البسيط والمعقّد جداً في آن، والذي يبدو أنه من الصعب جداً التنبؤ به، رغم كل ادّعاءات العلم.

*من الجدير بالذكر أن سلسلة الأفلام هذه بدأت ب”صمت الحملان” عام 1991م، ومأخوذة عن رواية الكاتب “توماس هاريس” الذي رفض كتابة النص للسينما، فكتبه “تيد تالي” الذي نال عليه الأوسكار كأفضل نص سينمائي، وأخرجها المخرج “جوناثان ديم” ونال الأوسكار كأفضل إخراج ، وبطولة “أنتوني هوبكنز” بدور “د. ليكتر”، والذي نال عليه الأوسكار كأفضل ممثل، و”جودي فوستر” التي نالت الأوسكار أيضاً كأفضل ممثلة عن دور عميلة المخابرات الأمريكية” كلاريس ستارلينغ”.    

*خولة حسن الحديد

2 Comments

  1. Mhmoud Aboud March 17, 2021 at 11:59 pm - Reply

    تقريباً “ميكافللي” كان أول من أسس نظام “المصلحة” ووضع ضوابطها، وفي مقولته الشهيرة “الغاية تبرر الوسيلة” اختصر الكثير مما يكمن في عمق الإنسان، فكانت مقولته حقيقية جداً ومؤلمة جداً، وقد كنت أنكر عليه قوله، ولكن بعد تجارب شخصية كثيرة، أيقنت صدق قوله، فالإنسان يمكنه التحول عكساً بسرعة رهيبة، تحديداً باتجاه الشر، ويظهر هذا التحول غالباً حين تطرأ عليه صفة أو شعور لم يعتاده، كالسلطة أو القوة مثلاً. فأكل لحوم البشر دائماً ماأرى رمزيتها أكثر من الفعل بحد ذاته، فاللحم يفسد ولكن المصلحة مستمرة بنضارتها، ولدى الإنسان قدرتان رهيبتان مجتمعتان رغم تناقضهم، تبرير كل شيء لنفسه، وتضخيم أي فعل سيء يقوم به غيره مهما كان بسيطاً، فعقدة النقص مرتبطة بشكل ما مع الاضطرابات النفسية.
    غالباً ماتتم المقارنة بين المجرم الذكي والمجرم الغبي وأيّهم أشد خطراً، ولكن لا أعلم لماذا لايتم التطرق كثيراً، إلى المجرم الذي كان ذو فضيلة وأخلاق قبل أن يفقدها ويتحول إلى مجرم، لأنه هنا سيكون خطراً للغاية، وأعتقد كذلك أن أغلب المجرمين الذين يصرّحون بأنهم ليسوا نادمين، هم من هذه الفئة.
    الإنسان بشكل عام يحب ويحترم المظاهر والخداع، فهو حتى حين يريد قتل إنسان آخر، يجد أنه من الواجب عليه أن يُسقط عنه صفة الإنسان فيحوله (لشيء)، تحويله لشيء هو ضرب صفة مهمة بنظر المجتمع، مثلاً بمجتمعنا يتم التصويب على (الشرف_ الخيانة)
    (الإنسان يشتهي مايراه) أو ربما يمكنني القول أنه (يرى مايشتهي) لم يخرج الإنسان أبداً من بدائيته العميقة، والفرق بين الحضارة والبدائية ليست بالمظاهر بل بالإنضباط، وأي خلل بالضوابط يؤدي إلى ظهور الإنسان البدائي بوحشيته واستباحة كل شيء.

  2. Zidon jondi March 18, 2021 at 7:46 pm - Reply

    لطالما كنت دائم التساؤل عن الفرق بين الطبيعة البشرية و طبيعة بقية الكائنات فلم أجد فروقاً كثيرة، و بما أنني أتابع الكثير عن الحياة البرية; فقد وجدت أن جميع الكائنات_بما فيها الإنسان_ مستعد لخرق القوانين الفطرية (إذا صح التعبير) في حال غياب رادع أو في حال ضمانه لعدم المساءلة.. و لا أرى في القوانين والتشريعات الموضوعة لدى البشر إلا هدنة مؤقتة بين الأفراد و لا تختلف عن تلك القوانين التي تشكلت لدى بقية الكائنات و التي أيضاً يمكن لأي فرد من المجموعة خرقها في حال شعر أنه قادر على ذلك.
    باختصار فإن التحضر المزعوم لدينا هو فقط محاولة لمنع الآخر من اقتراف الأذية بحقنا دون الاعتراف الفعلي بحقوق ذلك الآخر .

Leave A Comment