(يُعطيك النحت” شعور الخلق بين يديك شعور بأنك تصنع الجمال أو الحياة)، هذا ما قاله الفنان الراحل الشهيد“وائل قسطون”عن فن النحت الذي أحبه، وأقام أول معرض فني له عقب تخرجه من الثانوية العامة، ثم درسه أكاديمياً في كلية الفنون الجميلة، بعد أن تم رفضه محاولته الأولى لدخولها، لينجح في محاولة ثانية، ومن ثم ليكرّس حياته لهذا الفن الجميل، والذي أشاع من خلاله الجمال فيمن حوله، الجمال الخاص الذي يُعكس روحه الشفافة، ورؤيته العذبة للحياة، الحياة التي سُلبت منه وهو في أوجّ تألّقه.
التقنيات الفنية والجماليات في أعمال “وائل قسطون”
مازال العديد من النحاتين يعتمدون على الكتلة الكبيرة في إنتاج أعمالهم، وبالرغم من مشقة العمل على كتلة رخامية أو حجرية كبيرة، يبقى تشكيلها أسهل من تلك التي تعتمد كتلاً أقل حجماً، وكانت أعمال الراحل“قسطون”غالبيتها من النمط الثاني، إذ تهتم جلّ أعماله بتصوير حركة الأشياء، وتُبرز الفراغ بطريقة توازي في المنحوتة بين الحركة والزمن والفراغ، ويظهر ذلك جلياً على كل الأشكال التي نحتها “قسطون”.

من النادر أن تجد منحوتة ل“قسطون” خالية من الفراغات، ومُكتملة الدلالة واقعياً ككتلة واحدة، ففي غالبية أعماله التي تناولت بشكل أساس جسد الإنسان، وخاصة “المرأة” – الموضوع الأثير لديه – تتداخل أعضاء الجسد، فيُغادر طرف مكانه ليحل مكان آخر، وتختفي عينُ من الوجه ليوازي الفراغ العين الأخرى، وتتضخم بعض أجزاء الجسد أو تتضاءل بشكل لافت على حساب أخرى، تتطاول الوجوه أحياناً أو تأخذ أشكالاً تقريبية للوجه البشري، تنحني الأجساد وتتمايل بنحافة واضحة -أو العكس- بشكلٍ فنتازي وغرائبي بعض الأحيان، في حين تظهر الشفافية الرهيفة على بعض المنحوتات بفعل الصقل المبالغ فيه، أو بفعل أسلوب تجسيد الأشكال بطريقة تتداحل فيها الأشكال الهندسية المعروفة، مع فوضى الأشكال العائمة في الفراغ، والدائمة الحركة والمتغيرة بشكل مستمر.

الخامات والمواد التي استخدمها “قسطون” في أعماله
استخدم “قسطون” خامات ومواد متعددة ( الخشب، البرونز، الحجر، الطين)، لكن الخشب كان المُفضل لديه، ومن ثم الطين، فقد كان شغوفاً بالخشب، وبما يمنحه للفنان من قدرة على التشكيل والتعبير عما يجول برأسه من أفكار، وفي روحه من جمال، وعن شغفه بهذه المادة وتفضيله لها كخامة أساسية في منحوتاته، قال: (الخشب هو القريب الأقرب لنا، يُولد بلطف، يُراهق بعنفوان، ويموت بحكمة)، في حين أحب الطين كونه يُذكرنا بطبيعتنا الإنسانية، ومن خلاله نلتقي مع الطبيعة الأم، فحسب قوله: ( الطين هو الإنسان، لأنه من التراب وإلى التراب).

ما بين الحجر والبرونز والخشب والطين، في تشكيلات فراغية وثلاثية الأبعاد، وتنتمي إلى نمط المنحوتات المدروسة من مختف وجوهها، ويسطيع المشاهد الالتفاف حولها ليراها كلها، أيضاً أنجز الفنان عدداً من الأعمال النحتية النافرة على سطوح مسطحة، والتي تنتمي إلى نمط المنحوتة من جهة واحدة وتتلازم مع خلفية ما، وكانت أعماله بهذا السياق كلها من الأعمال النافرة، البارزة على سطح الخلفية، ولم يُقدم في معارضه أعمالاً من هذا النموذج لنمط المنحوتات الغائرة والمُعالجة في عمق الخلفية، ولعل في اختياره هذا دلالة ما تُستكمل بها دلالة أعماله الأخرى، التي تنحو نحو الشفافية والوضوح رغم تداخل ملامح كل عمل، وما يتركه من تأثيرات التنسيق بين الحركة والفراغ في نفس المتلقي.

المرأة – الأسطورة …الموضوع الدائم لمنحوتات “قسطون”
كانت بلا منازع “المرأة” الموضوع الأبرز لأعمال “قسطون”، فالمرأة بالنسبة له تُجسّد الحب والخير والجمال، والعطاء، والاستمرار، وهي من وجهة نظره بمثابة “الآلهة”، إذ قال بهذا الصدد:
(لا يوجد قضية أو فكرة، أو خاطر يدور في ذهني ومحترفي ومجتمعي سوى “المرأة” هي إله حقيقي من الأسطورة إلى الآن، هي شيء مختلف عن العقيدة، وإنما تتشكل كفلسفة للحياة تأتي من خاصية الخلق التي خصها بها الله، فعلى الرغم من مشاركة الرجل لها، إلا أنّها الوحيدة التي تحسّ بكل شيء……، قتلتني أمي بحنانها ولمّا خرجت وجدتها فوق صدر كلّ إمراة……، وزوجتي هي حبيبتي الأولى والأخيرة، أعيش معها قصة حب لن تنتهي، هي موجودة في كلّ أعمالي قبل أن أعرفها وبعده، ولكن هذا لا ينفي أنّ المرأة هي في ذات المرتبة لدي مهما اختلف تصنيفها من أمٍ أو أختٍ أو حتى حبيبة فهي في تلك المرتبة العليا، وعدم وجودها في مجلس يجعلني متوتر ووجودها يمنحني الهدوء والفكر المنطقي والمبدع……، أفرح بوجود الناس في معارض أقيمها، وأحب أن يروا “إمراة” أعشقها في كل جزء منها -الأعمال-).

الرحيل المأساوي ووحشية التعذيب
لأن “وائل قسطون” فنان يعشق الجمال ويُعبر عنه، محب للإنسانية التي خاطبها بقوله:
(أحبك حتى النّسْغ ِ الطالع ِ من قلب الأرض إلى أحلى بُرْعُمِ شجر)، فقد انحاز للحق، ولقضية شعبه المُحقة، فالحق خير وجمال، وفي الانحياز للحق بالحرية والعيش بكرامة إنسانية، قمة التعبير عن الموقف الإنساني العام، فكيف إذا كان المرء فناناً بروح وقلب وفكر “قسطون”؟ فتم اعتقاله واستشهد تحت التعذيب في سجون النظام السوري عام 2012م.
وقد نعى الشهيد”قسطون” في حينه “تجمع فناني ومبدعي سوريا من أجل الحرية”، وعدد من الجمعيات الحقوفية، والفعاليات الفنية والاجتماعية، وقالت “الشبكة العربية لحقوق الإنسان” حول استشهاده، في بيان لها: (كان قسطون “46 عاماً” معتقلاً فى أحد السجون التابعة للأفرع الأمنية بـ “حمص” فى وسط سوريا، وبعدما قارب على الوفاة من جراء التعذيب الوحشى الذى تعرض له، تم نقله إلى المستشفى العسكرى بحمص، وتم إبلاغ أهله بوفاة ابنهم وضرورة استلامه من المستشفى المذكور….، وكان “قسطون” حريصاً على المشاركة فى الثورة السورية منذ بدايتها، واستغل كونه مسيحى الديانة وعمل على تفنيد مزاعم نظام “الأسد” بأن الثورة فى سوريا تحمل أبعاداً طائفية…. إن ما حدث مع “قسطون” يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن النظام السوري ماضٍ فى ارتكاب جرائمه الوحشية، طالما لا يوجد من يحاسبه على أفعاله، فى ظل هذا التجاهل الدولى لما يحدث فى سوريا).

خذل الجسد “وائل قسطون” وهو القائل: ( أنا أقسى من الحجر)، لقدرته على ترويضه وتحويله إلى لوحات رائعة الجمال، لكنه كان كالتراب الذي أحب رائحته، والخشب الذي وصفه باللطف والرهافة والعنفوان، فلم يحتمل جسده الرهيف التعذيب الوحشي، فرحل بعنفوان، تاركاً لنا حكمة الخشب الذي أحب، وروحه الطيبة التي ستبقى دائما بيننا.

*الشهيد “وائل قسطون” هو من مواليد بلدة “مرمريتا” 1966م ، شارك في العديد من المعارض الفنية بمدينة “حمص”، وأولها كان من تنظيم “شبيبة الثورة” بعد نيله لشهادة التعليم الثانوي، وأقام معرضين في العام 2009 في صالة الشعب والثاني في صالة الفنون التشكيلية بمدينة حمص، كما أقام معرضاً في العام 2010 م في بلدته مرمريتا، وآخر معرض له كان في مدينة حمص العام 2011م.
فنانون عالميون يحييون روح الشهيد “وائل قسطون” بأعمالِ فنية
نُظم عام 2013م، ما بين الثاني والسابع عشر من تشرين الثاني / نوفمبر، معرضاً في دير “سانت أندريه” في فيلنوف ليز أفينيون، بمبادرة من جمعية “Le lion D’Allat” ، شارك فيها 22 فناناً نحاتاً وفنان فسيفساء، ورساماً وشاعراً، لإعادة إنتاج الأعمال التي تمت مشاهدتها في متاحف دمشق وحلب وتدمر وغيرها قبل الحرب، وأهدى عدد من الفنانين المشاركين أعمالهم إلى روح الفنان الراحل الشهيد “وائل قسطون”، ومن هذه الأعمال مع التعريف المرفق بها كما ورد في المعرض:

تمثالٌ يمثل المرأة ؛ من أعمال الفنانة التشكيلية “كريستين لابيل” تكريماً للنحات السوري وائل قسطون الذي مات تحت التعذيب في جهنم سوريا المعاصرة.

تمثالٌ يمثل إلهة الحب فينوس ؛ من أعمال الفنانة التشكيلية “لوسي ب “تكريماً للنحات السوري وائل قسطون الذي مات تحت التعذيب في جهنم سوريا المعاصرة.

تمثالٌ يمثل أميرة نائمة؛ من أعمال الفنانة التشكيلية “جوسلين بوران” تكريماً للنحات السوري وائل قسطون الذي مات تحت التعذيب في جهنم سوريا المعاصرة.
المصادر
- الأعمال الفنية وصور الفنان من صفحة (كلنا شهيد مرمريتا و وادي النصارى النحات “وائل قسطون”) على موقع الفيسبوك.
- أعمال معرض “فينلوف ليز أفنيون” المذكور سابقاً، من الموقع الإلكتروني http://museum.aly-abbara.com/
- حوار مع الراحل وائل قسطون بعنوان (سر “الخلق” و”أساطير المرأة الآلهة”.. يجمعها إبداع النحّات “وائل قسطون”)، أمارة طعمة، 14 حزيران/ يونيو، 2009، في الموقع الإلكتروني http://esyria.sy/، صفحة أخبار حمص وريفها.
*بقلم: د.خولة حسن الحديد

رحمة الله عليه, رحل جسداً وبقي روحاً ليمثل أمامنا بثنائية الجمال بكل تفاصيله والقبح برحيله بكامل قهره.
آآآآمين . العار للقتلة