
أديب سوري من مدينة البوكمال، مقيم في دولة الإمارات، صدر له عدد من المجموعات القصصية: (“43 > 40″، “استحواذ”، “الـ O سلبي الأحمر والمشع”)، وروايات (القنفذ، زجاج مطحون، ومؤخراً رواية ” خفة يد”)، يكتب مقالات رأي في عدد من الصحف الإماراتية.
يقول المتصوف، الشيخ الأكبر “ابن عربي”:
ما الوجه إلا واحد غير أنه، إذ أنت عددت المرايا تعددا.
قول “ابن عربي” المذكور يتجسّد جلياً في رواية (زجاج مطحون) للأديب السوري “إسلام بوشكير” الصادرة عن دار المتوسط عام 2016م، فالحوار مع الذات، ورؤيتها برؤى متنوعة عندما تتعدد المرايا، كان بنية أساسية لهذا العمل المُبهر، وحوله ومن خلاله تمضي الرواية في سرد حياة أربعة أشخاص، يجدون أنفسهم فجأة في مكان معزول/ غرفة، حيث لا أبواب ولا نوافذ، ولا أي منفذ يطلُ بهم على العالم الخارجي، مكانٌ مزوّد بكل ما يستلزمه استمرار الحياة من احتياجات، حتى الهواء لا ينفذ ويتجدد تلقائياً دون معرفة أي منهم بكيفية حدوث ذلك، ومن ثم تحدث المفارقة لدى القارىء عندما يكتشف أن الأشخاص الأربعة هم شخص واحد، ويحملون الاسم ذاته “إسلام بوشكير”، ولكن خلال مراحل عمرية مختلفة، فيحل مكان اسم كل شخصية، اسم المرحلة العمرية التي ينتمي إليها، فكانوا ( العشريني، الثلاثيني، الأربعيني، الخمسيني)، وكأنّ العمر الزمني هنا يحلّ محل المرآة، التي غابت من بين ما توفر في هذا المكان، الذي غابت عنه الكاميرات أيضاً والأسلحة، فتعددت الوجوه والذوات بتعدد الأزمنة، والتي كانت تترك ملامحها وآثارها على كل شخص من الأشخاص الأربعة، وللمرآة رمزيتها أيضاً، وغيابها مع تكرار طلبها يُحيل إلى العديد من التأويلات التي تكمن خلف الحمولات الرمزية للمرايا.

الإنسان في عزلته
لا يعرف الأشخاص الأربعة أين هم ولماذا؟ ومن الذي احتجزهم في هذه الغرفة؟ وهل هم معتلقون أم مختطفون؟ وإلى متى سيدوم حالهم؟ ومن ثم يحاولون فتح ثغرة في أحد الجدران، ويفشلون بسبب متانتها وصلابتها، واستحالة خرقها، فيستسلمون للأمر الواقع ويكفون عن المحاولة، وحتى عن طرح الأسئلة حول ماهية هذا المكان ومن يكمن وراء وجودهم فيه، وتُصبح معركتهم الأساسية هي “البقاء” والحفاظ على وجودهم أحياء، ومن ثم التكيّف مع ظروف احتجازهم، والبحث عن سبل لتخفيف وطأة ما يطرأ عليها من أحداث، كموت أحدهم وكيفية التخلص من الجثة، ونقص بعض الاحتياجات مع استمرار الحرب التي تحدث في الخارج، حرب لا يُعرف من هم أطرافها، ولا سببها، ولا متى نهايتها، وتخيّم أجواءها عليهم بثقل وطأتها، فقد شكّلت الحرب بالرغم من غياب سرد وقائعها التفصيلية، الواجهة الخلفية لأكثر من نصف الراوية التي تنتهي بنهايتها، وكانت واقعاً موزاياً ومفروضاً على واقع هؤلاء المعزولين، وقد عاشوا أجواءها بترقّب وحذر، وتوتر وقلق دائم من نقص الاحتياجات أو فقدانها. (هذه هي الحرب. استثناءٌ في كلّ شيء. حالة طوارئ على مدار الساعة. وتنازلاتٌ مؤلمةٌ لا بدّ منها دائماً..).
تبدو العزلة حالة إنقاذ فردية، وبقدر ما هي مؤلمة وغير اختيارية أحياناً، إلا الإنسان يقبلها كمصير نهائي عندما يعجز عن مواجهة العالم، فيبني قوقعته الخاصة، ويحملها على ظهره ويتعايش معها، ويشتبك مع ذاته في حوارات وحيوات متعددة تغنيه عن العلاقة مع الآخر، ولكأن العُزلة قدر الكائن البشري الذي عليه قبوله دائماً، أو الذهاب إليه طائعاً.

البنية الفنية للرواية
قسّم الكاتب الرواية إلى قسمين، يضمان ثلاثة عشر فصل، الأول منهما يتناول حدث وجود الأشخاص في مكان معزول، وفي الثاني تطل الحرب برأسها مخترقة جدران العزلة، لتصبغ الكثير من مفردات الحياة، وكما غرائبية الأحداث كانت غرائبية الأسلوب في بنائها، وبناء الشخصيات، وآليات السرد وزمنه ومكانه، وهنا يظهر الانسجام الكبير في السرد بين الحكاية والخطاب الذي رويت به من خلال مستوياته المتعددة، ولاشك أن أجواء الرواية فانتازية بامتياز، ولكنها تلك الفانتازيا التي تبني واقعاً متخيلاً، موزاياً للواقع الحقيقي، فإذا كانت الفانتازيا في أبسط تعريفاتها هي خرق للقوانين الطبيعية والمنطق، فإنها تؤسس منطقها الخاص بها، وبصرف النظر عن مدى واقعيتها ومعقوليتها، فهي خيالية تماماً مثلما هي قابلة للتصديق، وبمنطق السرد الخاص وأسلوب بناء الشخصية/ الشخصيات، استطاع “بوشكير” جعل القارىء يُصدق الأحداث، ويمضي معها، وإذا كانت اللامعقولية سمة فانتازية، فما المعقول إذا بالحرب رغم كل واقعيتها وعلنية توحشها؟ فكيف يُمكن رسم الحدود بين ما هو عقلاني وما هو عبثي، أو فانتازي، أو مُتخيل، إذ لا شيء في حياة الكائن الإنساني أكثر عبثية من الحرب.

أما عن بناء الشخصيات، فمن المُدهش كيف كان بالإمكان بناء سمات الشخصية، وإظهار دوافعها، وتصاعد أفعالها، ونضجها مع توالي الأحداث، من خلال شخصية واحدة بمراحل عمرها المختلفة، لذلك لا نحتاج لنعرف ماضي كل شخصية، ولا آليات تطور سماتها واتساق أفعالها مع ما يحدث، لأن كل شخصية هي حاضرة بذاتها، وفي الوقت نفسه هي ماضي الشخصيات الأخرى، وبهذه الطريقة فتح الكاتب آفاق جديدة أمام القارىء لقراءة الشخصية بأسلوب مختلف، والتعرّف عليها، من خلال توظيفه للزمن روائياً بشكل يتطابق مع العالم الواقعي والمألوف، والتعاقبي فيما يخص تقدير العمر/ السن، وفي الوقت ذاته بشكل مُفارق، ليجمع عدد من الشخصيات في شخصية واحدة، حملت اسم الكاتب.
أن تحمل الشخصية الرئيسية في العمل اسم الكاتب، لا شك أن ذلك يثير الكثير من الالتباس، لجهة تصنيف الرواية، هل هي سيرة ذاتية؟ هل يُشكّل الأصل الأتوغرافي للكاتب وشخصيته أساساً جوهرياً للعمل؟ وهذا ما نجده في عدد من المقالات التي قرأت الرواية، إلا أن اسم بطل الراوية كان ممكن أن يكون أي اسم آخر، دون أن ينفصل عن الكاتب أيضاً، فكل عمل تحمل شخصياته شيء ما من شخصية الكاتب، ورؤيته للحياة، وملامح من أفكاره، لكن هذا لا يجعل من الرواية رواية سيرة ذاتية، لأن كتابة السيرة الذاتية تختلف فنياً بالمُطلق عما ذهب إليه الكاتب.
إن كانت الحرب حاضرة في الرواية، وتُحيل إلى الحرب في سوريا بلا شك، فلا شيء في الرواية يُحدد مكانها وزمنها، أو يشي بأسبابها، واستخدام الكاتب لهذه التقنية كان أداة فنية فتحت أفق جديد لإمكانية القراءات المتعددة لمضمون الرواية، وبهذا الصدد يذكرنا بقصة (الآخر)، للكاتب الأرجنتيني “خورخي لويس بوحيس”، إذ يلتقي “بورخيس” الكهل ب”بورخيس” الشاب، على مقعد يجمعهما في أحد حدائق مدينة جنيف، دون أن نعرف كم سيمضي قُدماً من عمر “بورخيس” الكهل، وفي “زجاج مطحون” تنتهي الرواية دون أن نعرف كم أصبح عمر “الخمسيني”، الذي شهد موت الأربعيني والثلاثيني والعشريني، ونهاية الحرب أيضاً، وكل ذلك ينسجم مع طبيعة السرد وزمنه، ومكانه المغلق المنعزل، والمفتوح في آن عبر تشابك أفكار الشخصيات ما بين ذواتهم وماهية ما يحدث في الخارج، فالزمن أيضاً كان أحد أبطال الرواية، وأحد أهم الأدوات التي شكلت طبيعتها الفانتازية الغرائبية، وبرغم تعاقبيته في تقدير أعمار الشخصيات، فهو يكرر الشخصية ذاتها، فقد بقي يطغى بشكله الدائري على بنية السرد، التي أمسك الراوي بها وكان مسيطراً، ومتحكماً في صياغتها، وتوجيه مداراتها.

كما اتسم السرد بالتكثيف الشديد، فكانت الرواية أشبه بقصة طويلة، والوصف البلاغي المليء بالاستعارات والمجازات، بدءاً من عنوان الرواية، مروراً بكل أحدائها. ( تورّم الجثّة. واسودادها. وتشقّق جلدها. واندلاق أحشائها. ورائحة العفن وهي تتسرّب من مسامات جلدها المفتوحة كفوهات البراكين على شكل بخارٍ سرعان ما ينعقد غمامةً زرقاء كتيمة تحوّم فوق رؤوسنا. أسراب الدود تقرض اللحم في إيقاعٍ رتيب يتلف الأعصاب).
وختاماً، من الجدير بالذكر، إن أجمل ما في هذه الراوية هو استجابتها للعديد من القراءات، وقابليتها للتأويل والتفسير وفقاً لمسارات وأبعاد متعددة جمالياً، نفسياً، واجتماعياً وسياسياً، ولعّلها تلك أهم السمات التي مكنتها بالإفلات من التصنيفات، ولاشك أنها عمل مُدهش ومُبهر، مشغول بحرفية وصُنعة فنية رائعة، ولغة عالية، تُنبىء عن ثقافة كاتبها وتمكّنه من أدواته، وقدرته الكبيرة على إدهاش القارىء وجذبه إلى عوالمه.
*د.خولة حسن الحديد.
- الأعمال الفنية للفنان الفلسطيني عدنان يحيى.
