*الشاعر حسان عزت يستعيد ذكرياته مع الراحل أنطونيو غالا..

شاعر وناقد وإعلامي سوري يقيم في الإمارات،صدر له عدة مجموعات شعرية: ( شجر الغيلان، في البحث عن قمر، التجليات، الزمهرير، جناين ورد، سباعية خلق)، أسس و ترأس عدد من المجلات الثقافية العربية، وعمل محكماً في عدد من الجوائز العربية والعالمية، كما نشر العديد من الدراسات والقراءات النقدية في صحف ومجلات عربية (صحيفة تشرين السورية، مجلة نزوى العُمانية … وغيرها)، وحائز على الجائزة الأولى في جائزة أنجال هزاع لأدب الطفل، أبوظبي.، الإمارات العربية المتحدة.

أنطونيو غالا، الكاتب والروائي والشاعر والمسرحي العظيم..غادرنا قبل يومين، متوفىً عن عمر يقرب التسعين، بعدما ترك ثروة من الروايات والشعر وأعمال المسرح، وبعدما ملأ الدنيا وشغل إسبانيا، والناطقين بالإسبانية في العالم كلّه، إضافة إلى اللغات الآخرى التي ترجمت إليها أعماله.. كان يحمل بسطون الملكة فيكتوريا ذا رأس الأسد العاجي الأبيض، ويتكئ عليه..

في زيارته لدمشق أوائل تسعينات القرن الماضي.. جمعتنا معه سهرة حافلة أولاً، حيث ينزل في فندق الشام، وكنا أنا والفنان سميح شقير، والشاعر والمترجم رفعت عطفة، والمسرحي والمترجم الدكتور نبيل الحفار..وكان غالا وقتها قدّم كلمة المسرح العالمي.. وكانت جلسة تعارف أولى.. وفي اليوم التالي جمعتنا سهرة جميلة وحافلة في مقهى العجلوني بالربوة، وكنا بصحبته رفعت عطفة، ونبيل الحفار وسعدالله ونوس.. ودارت مع العشاء والمشاوي أحاديث مختلفة عن المسرح، والشعر، وأعماله الأدبية، وعشقه لدمشق، وعلاقته العاشقة والخاصة بغرناطة وطليطلة..وطفولته التي كان يقضيها في مسجد غرناطة، يتأمل نقوشه والآيات المحفورة على جدرانه وفي محرابه، وهو يتعشّق رائحة بخوره وخشبه ورخامه، الى درجة الهيام والذوب.. وطيلة السهرة يلتفت الي فيراني متبحّراً في تعابيره وحركاته.. كانني أشاهد فيلماً سينمائياً، أو مستغرقاً في مسرحية ما.. فسأل الصديق سعد الله ونوس عني، وهو يعتقدني مسرحيا.. وأضاف: لو اخرجت مسرحية هاملت لشكسبير، لجعلته بطلها، وهو يرى بي ملامح هاملت المفكر المتأمل، والحائر في مواجهة استيلاء عمه على الحكم، ومقتل أبيه بمؤامرة بين أمه وعمه، وسؤاله الأبدي : (أكون أو لا أكون.. ليست تلك هي المشكلة ولكن)..ودارت بيني وبينه مناقشة حول الشعر الإسباني، وتأثّراته العربية، وعن الشاعر لوركا، ومايشكله الآن للشعر الإسباني، والأجيال الجديدة، فقال لي :

لوركا يشكّل لنا عبئاً يجب التخلص منه، لا بمعنى محوه، أو الخلاص منه، بل دفع الشعر الإسباني إلى الأمام والتحرر، من تأثيرات وهيمنة وظلال شعر لوركا فيه، وريادة مساحات جديدة، لم يصلها لوركا.. وتكلم عن روايته “المخطوط القرمزي”، التي يتناول فيها حياة الملك ابي عبد الله الصغير، آخر ملوك بني الأحمر العرب في الأندلس، وهو يبكي ملكاً أضاعه..

في اليوم الثالث، زرنا أنطونيو غالا في فندق الشام، أنا والشاعر رفعت ثالثة، وكان قد جرح ساقه تحت الركبة، وهو يحدق بقمر الشام الجميل ويرى فيه قمر طليطلة.. ويسأله عاشقاً ومخاطباً: ( أأنت هو، أم هو قمر غرناطة وطليطلة الذي هناك..!!! )، وكيف جرحت ساقكَ يا أنطونيو؟ : دهشت لقمر الشام وجماله فخطفني بهاؤه فتعثرت بأصص زهور الطريق، وتعثّرت فجرحتُ، وعند وصلت الفندق ( الشام) طلبت علاجاً، فأنزلوني إلى قبو تحت الفندق، وحققوا معي ما الذي جرحني، وبعدها سمحوا بعلاجي( يقصد فرع تحقيق أمني تحت فندق الشام)، سألته عندها: هل تعرف الشام؟ وأقصد هل زرت الشام بعيداً عن فندق الشام والحميدية والأموي،؟

مشهد من حي القنوات في مدينة دمشق

أجاب لا..قلت: سأصحبك في رحلة إلى حيّ القنوات العريق الذي أسكن، وفيه بيتنا، مجاوراً لدار الشاعر “فخري البارودي”.. فبدأت علائم الفرح على وجهه..وفعلاً.. كتبت قصة بعنوان ” قمر الشام”، اصطحبته خلالها إلى بيتنا الشرقي الواسع ذي البحرات، وال( فرنكات) والمشرقة، وجعلته ينام عندنا ليلة، ثم يفيق في صباح الله على صوت الأذان من الأموي، وينهض من نومه، وقد رأى مناماً مع قمر الشام، في حقلِ بديعٍ من حقول غوطة دمشق، وبعد ذلك يتوضأ من ماء البحيرة، ويتأمل صوت عبد الباسط وهو يتلو سورة مريم، ثم تبدأ الشمس في شروقها من البيت إلى الحارة، إلى الحي إلى دمشق إلى الشام كلّها، ثم تشرق بعدها على الكون..

أخيراً عندما يخرج معي من البيت والحارة، اسأله: هل رأيت قمر طليطلة في الشام يا سيدي؟

يقول: رأيته.

أسأله : أهو نفسه قمر طليطلة في الشام ؟

يقول: كأنه هو.

أقول له: صباح الخير والياسمين الشامي يا انطونيو.

يقول لي: صباح طليطلة في الشام ياسيدي.

تلك القصة وأحلامه فيها، وعشقه للشام، وانسحاره بما عاش ورأى، نشرها الناقد المرحوم “محي الدين صبحي”، في مجلة (المحرر)، التي أشرف على قسمها الثقافي وقتها، ثم ترجمها الشاعر رفعت عطفه إلى الإسبانية، لأنني أهديتها للكبير الروائي انطونيو غالا، وللأسف الشديد ضاعت الترجمة مني، لكنني نشرت قمر الشام في كتابي (جناين ورد) الصادر عن دار عطية 1998م، في بيروت.

عند زيارتي لإسبانيا، وإقليم بالانثيا، ومدينة بانديّا، ثم أليكانتي.. كنت مزوّداً بكل ذلك الحب والروح، وألقيت شعري في بانديّا أمام أكثر من أربعمئة شخصية، في مهرجانٍ كبيرٍ ضمّناً من دول حوض البحر المتوسط.. وأكّدت في بحثي ( إيقاع عربي إسباني في جسد واحد) على الفروسية والعنفوان بين العرب وإسبانيا، ودعوت إلى أن يكون صداقياً، وفاعلاً حضارياً، يجمعنا ويجمعهم، بدل الاقتتال، والمطامع والحروب.

الرحمة والخلد لروح أنطونيو غالا، عاشق الأندلس والشام، الذي غادر، وفي آخر خلاياه صرخة الكوندور، ورقصته الأخيرة عشقاً لشام الأمويين والمجد.

*بقلم الشاعر السوري: حسان عزت.

*نُشر هذا النص على صفحة الشاعر حسان عزت على الفيس يوك، بتاريخ 30 مايو/ أيار 2023م: https://www.facebook.com/profile.php?id=100002983774026

*صورة الغلاف ( أنطونيو غالا في تكريم له عام 1998 (Getty) )، من الموقع الإلكتروني للعربي الجديد: https://www.alaraby.co.uk/culture/

Leave A Comment