زياد “زيدون” الجندي، كاتب سوري من مدينة السلمية، له عدد من النصوص المنشورة في الصحف والمواقع الإلكترونية، ومجموعة قصصية قيد النشر بعنوان ( الراعي).

ككل صباح، أجاهد لأفتح عينيّ و أستعادة وعيي …. دقيقتان أو ثلاث دقائق تكفي لأصحُ، فتبدأ رحلتي مع الخُمار والصداع جرّاء سكرة الأمس، أُبقي عيني مثبتتين إلى أعلى، متحاشياً النظر إلى زاوية الغرفة، حيث يتربع إلهي “يدوي الصنع”، بجلال على عرشه الخشبي الذي صنعته له بعناية قبل أربعين عاماً .. أتحاشى  نظراته من بين بقايا الشموع التي أوقدتها له في الليلة السابقة، التي ستذكرني ككل صباح  بحنثي المتكرر لوعود قطعتها له مرات و مرات بالتوقف عن معاقرة الخمر، فأشعر بخجل شديد .. ما يزيدني إحراجاً و خجلاً هي تلك الفكرة السوداوية التي تخامرني حاملة اللوم له، و تحرضني على مواجهته بالسؤال :

أوَلست المسؤول عما آلت إليه الأمور ؟؟!! .. ألست من يسهّل حصولي على الخمر والسجائر بدل الخبز ؟؟!! .. ألم أخرج قبل أيام لشراء المؤونة بما رزقتني، ففوجئت بأن النقود اختفت من جيبي بقدرة قادر؟؟!! كنت صادق النية يومها، و لم أكن أنوي شراء الخمر مطلقاً .. قل لي .. من وضع دن الخمر أمام باب بيتي تلك الليلة ؟؟!! .. ألم أطرق أبواب الجيران جميعاً سائلاً إن كان دن الخمر يعود لأحدهم ؟؟ .. صدقاً لو أن أياً منهم ادّعى و لو كذباً، أنه صاحب الدن القادم من العدم لصدقته وأعطيته له .. لكن حتى لصوص الحي لم يدعِ أحد منهم ملكية دن الخمر .. ماذا كان يجدر بي أن أفعل ؟؟!! ..  بغض النظر عن إدماني، ما كان الجوع ليدعني أغفو في تلك الليلة المشؤومة، لولا الأقداح التي شربتها  من خمرة الصدفة  ؟!! هذا ظلم .. حقاً إنه ظلم ..

نوبة صداع رهيبة قطعت علي أفكاري السوداء، فعزوتها لخطأي الفادح بلوم الإله .. شددت بيدي على صدغي، و تلوت بعض آيات الاعتذار، قاطعاً عهداً جديداً بالتأدب والإقلاع عن الخمر ..

لقد طال مكوثي في الفراش، و بالكاد بقي لدي الوقت لإعداد نفسي للخروج إلى الشارع، والبحث في نفايات البشر عما أستفيد منه ..

 .. في الآونة الأخيرة لم أعد أجد في ترتيب ذاتي كل صباح أمراً يستحق العناء  .. لملمت حطامي كيفما اتفق، وغادرت الفراش متثاقلاً .. لأفاجأ بمنظر إلهي مرمياً على الأرض، وقد تناثر أجزاءً في المكان .. جثوت أمامه مصعوقاً و دموعي شلالات تتدفق من عيني .. أجمع أجزاءه بإجلال ووجل عظيمين، مستذكراً رويداً رويداً الشجار الذي نشب بيننا ليل أمس .. لقد أفقدني السكر صوابي تماماً فتجرأت عليه .. كنت أبكي بمرارة و جزع و تحسّب، لما قد يفعله بي إلهي الغاضب .. فكرت في كيفية إعادته إلى سابق حالته، عسى أن يكون في ذلك  شفاعة لي عنده، و لكن ما من مواد لاصقة لدي .. فخطر لي أن أمزج قليلاً من بقايا الطحين والماء و استخدام المزيج كمادة لاصقة .. شعرت بشيء من الرضا والطمأنينة، فيما كان إلهي يعود إلى شكله السابق، نظراً للقداسة التي تحيق بالطحين والماء كمادتين أساسييتين في حياة الإنسان .. و تحولت ابتهالاتي له إلى نوع من الملاطفة وعتب المحب ..

قلت له و أنا ألصق قطعته الأخيرة :

لقد طال أمد بؤسي يا ربي .. ألم تعدني قبل أربعين عاماً عندما انتشلتك من حاوية القمامة، و أزلت عنك الاوساخ، بأنك ستغير أحوالي بأسرع مما أتوقع ؟؟!!

أما زرتني في الحلم في الليلة التي نصبتك فيها على عرشك في غرفتي، و قلت لي حرفياً أن جائزة اليانصيب ستكون لي و ليس لمخلوق آخر سواي ؟؟!! .. أليس من الظلم أن أنتظر كل تلك السنوات لتحقق وعدك لي؟! 

عندها ارتعد التمثال في يدي و صرخ بوجهي :

يا ابن أمك !! هل جربتَ منذ ذلك الحين أن تبتاع ورقة يانصيب مرة واحدة فقط،  لأجعل الجائزة من نصيبك ؟؟؟!!!

ثم قفز من يدي على الأرض محطماً ذاته بذاته .. تاركاً إياي في حالة من الضياع، والبحث عن إله جديد ألقي عليه ملامتي .

Leave A Comment