عبر ثلاثة أبواب ( باب اللون، باب الدفلى، باب الحدس)، تقودنا الدهشة والرغبة باكتشاف المزيد من الجمال ومتعة القراءة، لنعبر من باب لآخر في المجموعة القصصية المعنونة ب“أنثى الماء” للأديب والصحفي السوري أيمن الأحمد.

 في ثمانين صفحة فقط من القطع المتوسط، نقرأ مجموعة من القصص التي تكاملت في عدد منها كل أركان فن القص المعروفة تقليدياُ، في حين يميل عدد آخر منها إلى الإفلات من قيد المألوف في القص، سواء كبنية نصية فنية، أو كموضوع، فيصعب منح النص جنساً أدبياً لأول وهلة، لكن بفنية عالية ومُكر العارف، وخيال الفنان، يُبقي الكاتب على ذلك الخيط الذي يخبرك أنك قد قرأت “قصة”، قصة شعرية، حكاية فانتازية، صورٌ تركيبية خيالية، سردٌ للمخيلة مستحضرة رموز شتى من البيئة المحيطة، والذاكرة الشعبية الجمعية المحلية والعالمية، صورٌ تركيبية خيالية،  فتتأرجح كمتلقٍ بين عدة أنماط عرفتها للقص والروي، من الواقعية إلى الواقعية سحرية، مروراً بالميتافيزيقيا الفنتازية، إلى الرمزية، لتصل بك خاتمة المجموعة إلى نص تجريدي بشكل طباعي، ولكأن الكاتب يرسم، يُحال إلى أنماط ما بعد الحداثة في الكتابة، فتغادرها وقد أمسكت بدهشتك حتى النهاية، وقبضت عليها بحيث تعيدك للقراءة دائماَ دون أن تفقدها.

الماء ودلالاته ك”رمز”

منذ العنوان ولآخر نص بالمجموعة، يأخذنا الماء كرمز من أهم الرموز التي استخدمها الكاتب، متجلياً بدلالات مختلفة، فالماء رمز الولادة ورمز الموت أيضاً، رمز الخصوبة والثراء والغنى، ورمز الخراب وغياب ملامح الحياة، فإن زاد وإن شح يرسم إيقاع الحياة، وهو المنفلت المنساب المتحول، منسجماً مع تحولات الكاتب من  نمط تعبيري إلى آخر، ومن بنية إلى أخرى.

يتعامل الكاتب مع الزمان والمكان بانسيابية وسلاسة كما سلاسة الماء، فزمن النص أيضا ليس ثابتاً ولا يُمكن القبض على لحظة ما بعينها لتعريفه وتحديده، فما بين استعادة ما مضى واللحظة الراهنة، وتخيُّل ما سيأتي، وزمن الواقع وتداخله مع زمن الحلم، ينفلت الزمن كما المكان أيضاً، فمن مدينة لا يحضر اسمها وتعرفها من نهر يعرّفها، وكأنها أخذت منه هويتها ( نهر الخابور)، إلى سجن في مكان ما، إلى بيروت واسم شركة التنظيفات، يتمدد المكان ويتسع، ثم يتقلص ويتقلص ليكون لوحة وفرشاة ومجموعة ألوان، ثم لينتهي بمجرد نقاط وعلامات على بياض الصفحة.

وكما كان حضور الماء كرمز متناسباً مع كل تلك التناقضات، محملاً بدلالات اللاثبات وعدم الاستقرار، يحضر الحلم، ولكأن الزمان والمكان جدران وسجون متلاصقة، تجمح مخيلة الكتابة بتخطيها عبر الماء ونقيضه، وعبر الحلم الذي يأتي كبنية فنية صاغت نص ما بشكل كامل حيناً، وليكون موضوعاً لنصٍ، وباباً لعبور الذات التي تراقب مشهد جنازتها حيناً آخر، فكان الحلم في النصوص هو الحدث، وهو البنية التي صاغت السرد أيضاً.

تحضر الأنثى في المجموعة إضافة لكونها شخصية من شخصيات القصة، كأحد الرموز الأكثر أهمية، وكأنها والماء صنوان، حضرت بكل أدوارها، كأم وكزوحة وكحبيبة، وهي أيضا الأنثى بحضورها الطاغي بلا اسمية ولا ملامح ولا سمات محددة، فتتماهى مع الماء ومع العطش، والاحتراق والغرق أيضاً، كما تحضر ذات الكاتب كراوي للحكايا حيناً وكقرين وذات، ذات تواجه نفسها أحياناً عدة.

فنيات القص

كثرت ثنائيات الأضداد في المجموعة  بشكل لافت، تلك الثنائيات التي تم توظيفها في النصوص بشك بارع، ولكأن كل ضدٍ يستدعي ضده مما يمنح دلالات النص آفاق أوسع وقابلية لتعدد القراءات ، فالألوان يوازيها حضور البياض، والماء يوازيه النار والاحتراق، والعطش/الغرق، الموت /الحياة، الجفاف/ الطوفان، كما تحضر مفردات تعبر عن الأرض والطبيعة وملامحها ( التراب، الطين، الشمس، الغبار، النهر) في تناص مع رموز أسطورية وثقافية عالمية.

بشفافية الماء يمضي السرد  في نصوص المجموعة، بلغة وصفٍ عالية، وصور شعرية، وانزياحات لغوية، اتسقت مع طبيعة الحوار – على قلته – بين شخصيات بعض القصص، الحوار الذي يمضي برشاقة، حتى لكأن القارىء لا يشعر بكيفية انتقال الحديث من شخص لآخر، وبأسلوب رشيق  يقوم في كثير من القصص على المفارقة وعنصر المفاجأة، وطرح مشكلة ما (اجتماعية، سياسية وإنسانية ما) بدونما استطرد في تفاصيل الشرح، ولا سمات الشخصية وتاريخها التفصيلي المتعاقب زمنياً، استطاع الكاتب أن يشد انتباه القارىء، مُحافظاً على شغفه حتى النهاية، ومانحاً كل شخصية سيرة ما يُمكن استبطانها من سياق السرد والترميز الذي عبّر من خلاله.

من الصعب تحليل نصوص المجموعة والحديث عنها في مثل هذه العُجالة، ولربما يُمكن العودة لبعض قصصها لاحقاً، ومن الصعب تصنيفها أيضا بمنهجية مدارس الأدب القصصي والأدب عموماً، ولكن بكل معايير الإبداع الأدبي، لو أن أيمن الأحمد لم يكتب في حياته سوى” أنثى الماء” لاستحق وبجدارة اسم المبدع، ذاك المبدع الذي يمتلك أدوات هائلة جمالياً، ولغوياً، ومعرفياً، ليُعطي الكثير ويفتح آفاقاً جديدة في الكتابة الأدبية النثرية، ويمنحنا المزيد من الدهشة التي بتنا نفتقدها في كثير مما يُكتب اليوم.  

  • أيمن الأحمد، أديب وصحفي سوري، من مدينة الحسكة، حائز على جائز الشارقة للإبداع الأدبي عام 2014م عن مجموعته”أنثى الماء” عن فئة القصة، وحاز على جائزة سمير قصير للصحافة عن  فئة مقال الرأي عام 2015م.
  • بقلم: د. خولة حسن الحديد

4 Comments

  1. Hussam Al din al mustafa April 10, 2020 at 12:00 pm - Reply

    رائع الكتاب .
    وتسلم إيدك وفكرك منارتنا د.خولة

    • kmarabia April 10, 2020 at 6:11 pm - Reply

      الله يسلمك؟ أتمنى تقرأ المجموعة إذا قدرت تحصل عليها، متعة لا نهائية. وشكرا للاهتمام

  2. سارة April 11, 2020 at 4:08 am - Reply

    رائع لابد من قراءة انثى الماء .
    شكرا دكتورة

    • kmarabia April 21, 2020 at 2:39 am - Reply

      أنصح بقراءة المجموعة، لأنها ممتعة وغنية وشيّقة . تحياتي

Leave A Comment