زياد “زيدون” الجندي، كاتب سوري من مدينة السلمية، له عدد من النصوص المنشورة في الصحف والمواقع الإلكترونية، ومجموعة قصصية قيد النشر بعنوان ( الراعي).

كانت الداية زهوة في أسوأ حالاتها، تكلم نفسها .. تفرك كفيها ببعضهما تارة، و تصفق بهما على فخذيها تارة أخرى .. ثم تلطم وجهها و تمدذُ يديها إلى السماء على أقصاهما، متضرعة إلى الله أن ينقذها من الموقف الذي وجدت نفسها فيه، دون أن تعرف تفسيراً له .. فهاهي زوجة الشيخ ريان قد تجاوزت شهرها التاسع، وتكاد تبلغ نصف العاشر من حملها، دون أن تلد .. و هي أمام احتمالين: أما أنها أخطأت الحساب، و هذا ما لم يحدث من قبل، و أما أن زوجة الشيخ فعلاً تعاني من تأخر غير مفهوم ولا معقول عن الولادة، لم يسبق لها طيلة عملها أن سمعت بحالة مماثلة لحالتها .

  .. أمر خَطَئِها  الحساب سينال من سمعتها، و سيعزز موقف الشيخ الشاب الذي أراد لزوجته ان تلد في المستشفى أسوة بنساء الحضر .. لكن رجال القبيلة و نسائها على حد سواء انتفضوا بوجهه، وعابوا عليه ما اعتبروه تنكراً لبداوته، فرضخ لإرادتهم في نهاية المطاف .. لكنه ظل يشكك في قدرات الداية زهوة، و يحذر قومه من أي مكروه قد يقع لزوجته سيكون في رقابهم .. خصوصًا بعد ان بدت تعاني كثيراً أثناء حملها ..وصلت زهوة الداية ذائعة الصيت بين جميع سكان المنطقة من البدو و الحضر على حد سواء .. وصلت إلى مرحلة الاستسلام، و أرادت أن تبلغ الشيخ ريان بضرورة نقل زوجته إلى المشفى، رغم كل ما سيحمل هذا الأمر من أثر سيء على سمعتها ..

وما ان همت بإبلاغ الشيخ بما فكرت فيه، حتى دوت في المكان صرخة لا تصدر إلا عن امراة في مخاضها .. أسرعت زهوة إلى الولاّدة التي باغتها الطلق كما باغت الداية، دون أي مؤشرات تسبقه .. و ما هي إلا دقائق حتى وضعت الأم وليدها الذي كان في تمام الصحة .. فخرجت الداية مزهوة بعد أن أتمت عملها تصرخ : جاك الفرج يا شيخ .. جاك الفرج .. شيخ ابن شيخ ..

فانطلق رصاص الفرح يسابق زغاريد النسوة إلى السماء ..

في تلك اللحظة قرر الشيخ ريان أن يطلق على ابنه اسم فرج، خلافاً للعرف الذي يملي عليه أن يسمي ابنه البكر على اسم والده ..وحدها الداية زهوة حصدت فرجاً من فرج .. وربما كان الفرج الوحيد الذي تسبب به فرج ..

أما والده الذي أقام الأفراح بمناسبة مرور أسبوع على ولادة بكره .. و أقام اأافراح لثلاثة أيام بمناسبة طهوره، فلم يكن يدري أنه لن يعرف طعم السعادة بعد ولادة فرج هذا ..

فرج الذي تأخّر حتى سن الثالثة حتى خطى أولى خطواته مشياً ونطقاً، تأخّر في كل شئ بعد ذلك ..عندما أصبح الولد في سن تخوّله تعلم القراءة والكتابة، أراد له أبوه مرافقة أترابه لتلقي العلوم عند شيخ الكتّاب .. لكن الولد أذاق والديه الأمرّين، و بدا كما لو أنه كان يتقصد التأخّر عن موعد الكتّاب .. فهو لا يستيقظ إلا بعد معركة .. و لا يتناول فطوره و يرتدي ثيابه إلا بعد ملحمة .. مما دفع أبوه لاستقدام معلم خاص بابنه .. فيأتي صباح كل يوم لتعليم الصبي .. لكن الصبي ما إن يحين  موعد الدرس، حتى يطلب الخروج للخلاء ويغيب طويلاً .. فيتململ المعلم .. و لا يعود حتى يرسل الأب أحداً في استعجاله .. و لم يجرؤ أحد على إخباره إنهم يجدون الصبي نائماً قرب كومة  غائطه، إلى أن اكتشف ذلك عندما ذات يوم ذهب بنفسه لاستعجاله في خلائه ..

لم تنتهِ معاناة الشيخ ريان مع ابنه فرج أبدًا..  فقد فشل في تهذيبه، وفشل في تعليمه، حتى عندما أرسله لتلقي التعليم في مدرسة المدينة، وأنفق طائل الأموال في سبيل ذلك، لكن ابنه بلغ مبلغ الرجال، فظهرت لحيثه وشاربيه قبل أن يتمكن من الشهادة الابتدائية آنذاك ..  و فشل حتى في تدريبه على حياة المشايخ وأصول قيادة القبيلة .. فهو لم يتمكن من إقناعه ولا من إرغامه على حضور التعاليل والاجتماعات المهمة، التي تجري في مضافته و لو لمرة واحدة، فعدل عن محاولاته .. و بدأ يفكر في أمر قد يسبب المشاكل في القبيلة، لكنه كان أمراً لا بدّ منه، إذ من غير الممكن أن تؤول أمور القبيلة لهذا “الهبيلة ” من بعده، كما كان يقول ..

أراد الشيخ ريان نقل المشيخة لأحد وجوه القبيلة، المشهود لهم برجاحة العقل وقوة الشكيمة، مع غياب وريث له غير فرج الذي قطع  الأمل منه، و لا أحد  أفضل من مرهج  لهذه المهمة  .. و لكنه في نفس الوقت أراد ان يترك لابنه  مكانة في القبيلة، فقرر تزويجه من ابنة مرهج المزيونة جداً .. و لم تملك الفتاة أمرها لترفضه، وهو ابن الشيخ ريان .. فقبلت على مضض   تحت ضغط والدها و طموحه في المشيخة ..انشغلت القبيلة و القبائل المجاورة والبعيدة و سكان المنطقة من الحضر بعرس فرج المرتقب، والذي توقع الكثيرون أنه سيكون أضخم عرس عرفته البادية كلها .. وقد عين الشيخ ريان عدداً من الرجال للاهتمام بفرج، وتجهيز شؤونه مع اقتراب يوم الزفاف ، و الأهم لمرافقته كظله .. لا خوفاً عليه .. بل خوفاً منه .. فالشيخ ريان يعرف جيداً أن ابنه لن يتوانى عن الذهاب إلى الصيد، أو أي مكان آخر حتى يوم زفافه، دون أن يرف له جفن لذلك .. والحقيقة أنه لم يكن هذا هو الاحتياط الوحيد الذي اتخذه الشيخ ريان .. بل ثمة احتياط أشد تطرفاً  .. فقد بقي متجنداً سلاحه ليلاً نهاراً، مقسِماً في سره أنه سينهي حياة فرج، فيما لو ارتكب تأخيراً مباغتاً، يسوّد وجهه أمام كل ذلك الحشد المرتقب من الضيوف ..

أما العروس مزيونة، فقد كانت واثقة كل الثقة من ارتكاب فرج لحماقة ما، و قد أعدّت العدة هي الأخرى لتلك اللحظة .. 

بينما كان حشد المشاركين قد وصلوا، و بدأ نحر الخراف، وارتفع صوت الطبل والمجوز، حتى شق عنان السماء، وكانت الأرض تتلقى ربزات الدبيكة في أعظم حلقة دبكة عرفتها المنطقة، كان قلب  الشيخ ريان يتلقى ربزات لا تقل قوة عن ربزات الدبيكة، إثر الأخبار التي كان يتلقاها سرّاً عن اختفاء فرج بطريقة مفاجئة، وغامضة  .. و قد انتشر  رجال من  القبيلة  في الديار بحثاً عنه، مسلحين ببنادقهم، و بأوامر الشيخ أن يأتوا بالعريس الهارب حياً أو ميتاً ..

كانت المزيونة قد وقفت على منصة الزفاف، وقد رفعت يدها طلباً للكلام، وقد استجمعت كل شجاعتها لإعلان أن فرجاً هذا لا يستحق شعرة منها، وأن بخيتان قهوجي الشيخ هو الرجل الذي ترغب أن يملأ مكان فرج .. فيقفز بخيتان ويحتل مكانه إلى جانبها، كما اتفقا مسبقاً على ذلك ..

فبخيتان الذي أحبّته في سرها زمناً طويلا،ً كما أسرّت له قبل أيام . يملك من الشجاعة و الشهامة ما يمكنه من تنفيذ الخطة، لإنقاذ محبوبته من هذا الموقف الصعب، رغم مكانته المتدنية في القبيلة، ورغم  ما قد يحمل ذلك من مخاطر على حياته وحياتها معاً ..

وعندما حل الصمت على المكان، وانتظر الحضور ما ستقوله العروس، ظهر فرج  فجأة ً، يجرُّ خلفه ظبياً، يبدو أنه اصطاده حديثاً، و قدّمه لعروسه .. فما كان من العروس  إلا أن اندفعت نحوه، و استلت منه خنجره، و أغمدته في صدرها قائلة : لن تمس شعرة مني أيُّها الوغد ..

أفاق فرج من ذهوله على صوت الرصاص الذي انطلق نحوه  من سلاح والده الشيخ ريان فأخطأه، فانطلق هارباً، مستغلاً الفوضى العارمة التي عمت المكان ..

أمضى فرج أياماً في القفار قبل أن يبلغ المدينة .. و لأنه يعلم أنه لن يتمكن من العودة إلى الديار بأي وسيلة، اختار أن يتطوع في سلك الشرطة، ليعتاش من الراتب الذي سيجنيه لقاء عمله أولاً، و ثانياً و هو الأهم .. ليمارس هوسه في التأخير كما يشاء دون أن تقع عليه لائمة .. ….و مازال فرج حتى يومنا هذا، يصل مع رفاقه دائماً بعد فوات الأوان، دون أن يتعرضوا للوم أو عقوبة .

*الصور المرفقة، من كتاب الرحالة آن بلنت ( عشائر بدو الفرات … رحلة بين البدو في الجزيرة الفراتية بسوريا عام 1878 )، ترجمة أحمد إيبش.

2 Comments

  1. Zidon jondi February 4, 2021 at 3:57 am - Reply

    👍👍🌹 شكراً لكم

    • kmarabia February 4, 2021 at 6:53 pm - Reply

      بكل سرور. الشكر لك ولجهودك ومثابرتك

Leave A Comment