
الكلمة رصاصة تخترق العقول، وتفعل فعلها أكثر بكثير مما تفعله الرصاصة في الجسد، نظراً لما تحمله من خطاب قادر على توجيه الأفكار والمشاعر والسيطرة عليها، وتقول الأسطورة اليونانية، أن الشاعر الغنائي والكاتب والموسيقي “أورفيوس” كان يسيطر بكلماته التي يلقيها مع عزفه على القيثارة، على الكائنات التي كانت تجتمع لتنصت لسحر كلماته، وعذب ألحانه التي كانت كل الحيوانات والطيور، والأشجار تتمايل وتتراقص معها، وتحت تأثيرها.

لعلّ أكثر ما نحتاجه في هذه المرحلة هو الكلمة الصادقة، كلمة الحق، كلمة الحقيقة الناصعة، التي ابتلعها الجهل والتخلف متقمصاً هيئات مختلفة، تلتحف بلحاف الدين والتُقى والورع حيناً، وبأقنعة المال والسلطة الاجتماعية، حيناً آخر.
لن تقوم لنا قائمة، إلا في البدء بمعالجة تستنهض الفكر، وتخوض معركة التنوير، وصولاً إلى التحرر النهائي من كل الأفكار المتحجّرة سليلة الظلام، والبغي والطغيان، و كيف يمكن أن توجد سياسة جديدة لقيادة التغيير للأفضل، بكافة المجالات، ومستقبل مختلف، من دون فكر جديد؟
فكر طازج وناضج لا يتمثّل ما يُملى عليه، ولا ما هو سائد، ولا يشبه فكر أشباه المثقفين الذين رموا بأنفسهم في أحضان الطغاة حيناً، ثم ينتقلون إلى ضفة أخرى من البغي المستتر بستار الدين و الورع، ووكالة السماء على الأرض، كلّما استدعى الأمر، حيناً آخر.

نحتاج إلى فكر جديد يواصل انتزاع الحرية والكرامة الإنسانية، حرية المعتقد والفكر، وبناء الدولة المدنية، والمجتمع المنفتح على الآخر.
أكثر ما نحتاجه في عالمنا العربي اليوم، هو الكلمة الصادقة المنبثقة من فكر تنويري، يعمل على تفكيك كل المقولات الجامدة، والفتاوى الفقهية القديمة التي ولدت في عصر وسياقات مغايرة لعصرنا، وما زالت تصبغ الشرعية الإلهية على العصبيات الدينية، و يتسلح بها العصبويون، ولكن من يمكنه أن يتجرأ على تفكيك تلك الثوابت المعصومة من الخطأ في مجتمعنا ؟
لن يفعلها إلا كل ذي فكر مستنير، متجاوزاً نرجسيته، ولا يهدف إلا للتنوير و إصلاح حال المجتمع، بعيداً عن أية نفعية أو رؤية مصلحية راهناً ومستقبلاً، لن يتوفر ذلك إلا بوجود المثقفين والمفكرين، والفنانين الذين لا يريدون من هذا العالم إلا نشر الأفكار التنويرية، ومقاومة كل ما هو ضد الإنسان، بغض النظر عن الذرائع والحجج التي تُساق في سبيل ذلك.

سُئل الفنان الإسباني “بيكاسو” يوماً عن هدف الفن التشكيلي، وعن مقولة الفن للفن، في الوقت الذي كان يرسم فيه رائعته الخالدة (غرنيكا) فقال:
(الفن التشكيلي لم يخلق عبثاً، لم يخلق لتزيين البيوت والجدران، الفن التشكيلي ملتزم في جوهره وأساسه، إنه أداة من أدوات الحرب الهجومية والدفاعية ضد العدو، أي عدو، وليس فقط العدوان الخارجي، إن الحرب الأهلية الإسبانية الدائرة حالياً هي حرب الرجعية ضد الشعب، أو ضد الحرية، وحياتي كلها كفنان لم تكن إلا نضالاً متواصلاً ضد الرجعية وموت الفن أو استقالته، وفي اللوحة التي أرسمها الآن والتي سأدعوها “غرنيكا”، كما في كل لوحاتي الأخيرة، فإني أعبر بوضوح عن تقززي من الطغمة العسكرية، التي جعلت إسبانيا تغطس في بحر من الدماء، والآلام والموت).
إن أقصى ما نحتاجه اليوم في مجتمعاتنا، هو وجود أمثال “بيكاسو”، و فكره و فنه وإيمانه، من مفكرين وفنانين ومبدعين، يقدمون حلولاً مبتكرة لكل المشكلات المجتمعية، ما ظهر منها و ما استتر…
فهل من مجيب ؟
بقلم: د. خولة حسن الحديد

الحلول موجودة مع كل المشاكل ، كل شيء يستعصي يمكننا ردّه لأصله يمكننا تفكيكه وحله ، وهناك الكثير ممن لديهم القدرة على إيجاد الحلول ، ولكن ما فائدة تقديم الحل لمجتمع لايعترف بوجود المشكلة أصلاً ! المشكلة الأولى لدينا هي بعدم الإعتراف بأننا بمشكلة ، وهذا نلمسه إنطلاقاً من الفرد غالباً وإنتهاءًا بالمجتمع ككل ، مجتمعنا لايقبل الإعتراف بمشاكله ولا بمرضه لذلك لن يتقبّل أي حلول تُطرح لإنتشاله من قبره ، وأتمنى ألا أكون مبالغاً بهذا الأمر ولكنني لا أرى إلا مجتمع جاهل بغالبيته تسيطر عليه “أيقونات” غبية . الجاهل يمكنه التعلم ولاعيب بذلك إن تبعه الإعتراف والمحاولة للتعلم والفهم وذلك لايكون إلا بسيطرة العقل . الغباء هو تفاقم تراكمي من الجهل والنرجسية والمعلومات المغلوطة وللأسف هذه الفئة الغوغائية صوتها المسموع في مجتمعنا .
برأيي الإعتراف بالمشكلة هي الخطوة الأكبر لحلها ونحن بكل حال فقدنا ذائقة الإستماع وكذلك لانحب الإعتراف ولهذا لاشيء مهم .
دمتم بخير .
بالضبط، أنت أوجزت كل شي بآخر سطر، الاعتراف أول الخطوات بطريق الحل، وللأسف حتى هذه الخطوة الأولية، نحتاج إلى جهد هائل لإقناع الناس فيها، يوجد حالة رهيبة من الإنكار، وأعول على الصدمات الكبيرة التي ممكن تترك ردود فعل مغايرة. تحياتي .
اعتقد ياسيدتي انك تعلنين مشروعا مستحقا لسوريتنا الحرة..
أشكرك أستاذ دريد، إن شا الله يكون الأمر بهذه الشكل. نقدم ما نستطيع . وشكرا لتفاعلك.
ضالتنا هي المَدنية.. التمدن هو التخلص التام من سطوة الانظمة كافة واولها الدينية والسياسية والاقتصادية.
المدنية هي لب الحرية التي يكسوها التعقل والاحترام التام الشامل لمكونات اي امة او اي شعب.
المدنية هي عقل جمعي مختلف تمام و أداة تكوينه الكلمة كما تفضلت به حضرتك الكلمة الجديدة الخطاب الجديد المؤسس لمرحلة جديدة مختلف تناسب عصرنا وتنوعنا
الف شكر مقال اكثر من رائع
فعلا المدنية عقل جمعي، هذه عبارة جدا مُعبّرة، ليت عقلنا الجمعي يتغير ويدرك أهمية المدنية كفكر وسلوك وممارسة. تحياتي وشكرا للتفاعل والأفكار الغنية.