تعني كلمة (صورة) في علم النفس: “إعادة إنتاج عقلية، لذكرى تجربة عاطفية  وإدراكية غابرة، ليست بالضرورة بصرية”.

يذهب د. عز الدين اسماعيل في تقسيمه اللغة كأداة تعبير في متناول الشاعر إلى صورتين زمنية ومكانية، الأولى تنتج عن الأصوات المقطعة التي تقدم تتابعاً زمنياً في اللغة، والثانية تنتج عن ربط نفوسنا بالوجود الخارجي، وهو يؤكد على الوحدة بين الصورتين في قوله:

“إن اللغة وإن كانت زمانية في طبيعتها، إلا أنها تحمل في الوقت نفسه دلالات مكانية، حتى أننا لنستطيع أن نعد تشكيل الأصوات الزمانية تشكيلاً في الوقت نفسه لحيز مكاني (…)، والشاعر عندما يستخدم اللغة أداة للتعبير، إنّما يقوم بعملية تشكيل مزدوجة في وقت واحد، إنه يشكل من الزمان والمكان معاً بنية ذات دلالة”.

 إن كان د. إسماعيل أعطى أهمية أساسية للصورة الموسيقية، أو التوافق النفسي الموسيقي في النص الشعري، فقد رأى في الصورة المكانية أو ما يصطلح على تسميته (الصورة الشعرية)، أهمية إضافية، فهو يقول: “مع أن جزءاً من قيمة الشعر الجمالية يُعزى إلى صورته الموسيقية، بل ربما كان أكبر قدراً من هذه القيمة مرجعه إلى هذه الصورة الموسيقية، وكثير من النقاد يعزون ما نجده في الشعر من سحر إلى صورته الموسيقية، فإنه لا يزال هناك ميدان لنشاط الشعر تبرز فيه مقدرته الفنية، وهو ميدان التشكيل المكاني، ونستخدم للتعبير عنه مبدئياً كلمة (الصورة)”.

عن أهمية الصورة يقول د. صلاح فضل مستعيناً بآراء آخرين:

“إن جميع الأشكال المجازية تكمن خلفها بواعث تتصل بالعلاقات القائمة بين المعنى الحرفي والمجازي، ولهذه الحقيقة الدلالية البسيطة أثر بالغ في الأسلوب، فهي تكمن خلف أي نوع من أنواع الصورة، وتجعل لها الأهمية القصوى في الدراسات النقدية والأسلوبية منذ القدم، وقد كان أرسطو يقول:

“إن أعظم شيء هو السيطرة على الاستعارة، فهذا الشيء الوحيد الذي لا يمكن أن يشارك الكاتب فيه آخرون، إنها علامة العبقرية”.

يرى عزرا باوند إن الصورة هي: “تلك التي تقدم عقدة فكرية وعاطفية في برهة من الزمن” وهي “توحيد لأفكار متفاوتة”، ويبالغ باوند في أهمية الصورة ليعلن مرة:

“أنه من الأفضل للكاتب أن ينتج صورة واحدة طيلة حياته من أن يخلق كثيراً من المجلدات الضخمة”، ويؤكد جان كوهن: “ليست الصور زينات خاوية، إنها تشكل جوهر الفن الشعري بالذات، وهي التي تحرر الشحنة الشعرية من أسر العالم الذي يغشاها”، ويُعبر عن معنى الصورة في الشعر بقوله أيضاً: “الشعر لا يتكلم لغة حرفية، ليس القمر وردة، ليست الشمس سوداء ليس الليل أخضر، وهي لو وجدت هذه الأشياء بهذا الشكل، لعبَّر عنها الشاعر بطريقة مختلفة”[1].

يقارن أندريه بروتون بعض الصور بالزلازل يقول: “بالنسبة إلي إن الصورة الأشد قوة، هي التي تمثل الاعتباطية في أعلى درجاتها”.

يتحدث ملارميه حول (القوة المطلقة) للصورة، وذهب إليوت إلى تحديد مهمة الشعر من خلال عمل الصورة فيقول: “على سبيل التخيّل يجب أن يهدم الواقع ويُمحق، لكي يتمكن الأدب من امتلاك القدرة الغريبة على تصويره كتجربة صافية، المهم هو أن تكون للأدب هذه القدرة تهديم الواقع هو وسيلة مؤقتة، تهديم العالم يسعى لولادة عالم آخر هو عالم الخلق الأدبي”، ويشير بروست إلى أن “الصورة وحدها، هي التي يمكن أن تُعطي للأسلوب لوناً من الخلود”[2].

قد يلزمنا الكثير من الصفحات لاستعراض كل ما وُصفت به الصورة الشعرية من عبارات، والتي ذهب بعضها نحو المبالغة الشديدة والغموض أحياناً، وقد يكون من المفيد أكثر رصد تطور الصورة الشعرية، أكثر من إحصاء وتكرار تلك العبارات.


[1] جان كوهن، ت محمد الولي ومحمد العمري، بنية اللغة الشعرية ص 128.

[2] أحمد بزون، قصيدة النثر العربية، ص 145.

** من كتاب ( جمالية الصورة الشعرية لدى ثلاث من شاعرات الحداثة في الإمارات العربية المتحدة)، د. خولة حسن الحديد/ قريباً سيكون متوفر على أمازون

Leave A Comment