القدس..حلم كبير،لا يمكن الإحاطة به أو امتلاكه، إنها فضاء  حضاري..وديني..ووطني..وثقافي..وجمالي ساحر.

يقول “حسن حميد” مؤلف هذه الرواية :

(إن كل رواية فلسطينية لا تحتفي بالمكان الفلسطيني، ناقصة من الجانبين الوطني، والفني).

الروائي حسن حميد

فهل تمكن الروائي الفلسطيني “حسن حميد” من أن يتمثل تلك المقولة حقا ؟ وأن يقدم لنا احتفاءه الخاص بأماكنه الفلسطينية عبر روايته الأخيرة “مدينة الله” ؟

بتقنية أدبية، وفنية، ولغوية رفيعة، استكمل “حميد” مشروعه الثقافي، والفكري، والوطني الفلسطيني عبر روايته الأخيرة هذه، محققاً الاحتفاء الأهم، والأشمل، والأجمل، بالأماكن الفلسطينية والقدس على وجه الخصوص، عبر بناء سردي متجانس شكلت بنيته الرئيسية مجموعة من الشواهد الجغرافية، والتاريخية، والاجتماعية، التي استعرض من خلالها الكاتب واقع الشعب الفلسطيني وذاكرته الجمعية بجميع أطيافها.

الرواية بين سرديات الواقع وجماليات التخيّل

منح الكاتب أحداث روايته مزيداً من الواقعية والموضوعية، من خلال أسلوب روائي جديد  هو أسلوب الرسائل، أو التحايل السردي المحايد، الذي تجنب فيه طرح رؤيته الخاصة بصورة مباشرة، مشكلاً روايته من مجموعة من الرسائل، التي كتبها زائر القدس وبطل الرواية فلاديمير لأستاذه الجامعي “جورجي إيفان” في بطرسبورغ.

يتابع الكاتب تطويع شخصيات وأحداث روايته بما يتوافق ومشروعه الفكري والثقافي الخاص، لتقديم دراسة موضوعية للسيرة الفلسطينية بمكوناتها الزمانية، والمكانية، والإنسانية، بتسليط مزيد من الضوء نحو مسيرة شعبه الفلسطيني التي فاقت بآلامها دروب آلام السيد المسيح نحو عتبة الخلاص، فوق ذات الأرض، وعلى أيدي سلالة “بني إسرائيل” أنفسهم.

يعزز الكاتب تلك الحيادية بمنح الهوية الروسية للراوي فلاديمير، والهوية الألمانية للمرسل إليه السيد “إيفان”، كما منح الهوية اليهودية للشخصية التي شكلت مفتاح تلك الرسائل “الرواية”، والمعبر الأهم نحو ما تضمنته من أحداث لموظفة البريد المركزي السيدة “وديعة عميخاي”، التي حجبت تلك الرسائل ما يقارب الأربعين عاماً، لما تمتعت فيه من أسلوب أدبي رفيع، وما تضمنته من وقائع وأحداث مثلت بامتياز الجدارية الفلسطينية الراسخة بكافة مسمياتها.

إثر إصابة السيدة عميخاي بمرض عضال، تقرر التحلل من ذنبها بالإفراج عن تلك الرسائل طمعاً بالجنة، لما تشكّله تلك الرسائل من موثقات هامة تؤكد حقوق الشعب الفلسطيني،  وهنا يريد الكاتب ربما أن يملي ما يتوجب على الاحتلال من إعادة الحقوق الفلسطينية السليبة إلى أصحابها.

تودع السيدة عميخاي تلك الرسائل لدى موظف الأرشفة في بيت الشرق الفلسطيني، والذي تعرفت عليه منذ أربعين عاماً أثناء دورة تأهيلية في بيت الشرق، والذي سيقوم بنشر تلك الرسائل بعد أن يتعثر عليه إيصالها لصاحبها السيد “إيفان”.

بيت الشرق والذاكرة الفلسطينية

يختار الكاتب بيت الشرق بالتحديد، لما يشكله من مجمع لأهم المقتنيات العربية الفلسطينية المقدسية، تلك المدينة التي شكلت عبر العصور أولى نوافذ الأرض نحو السماء، ومهد ومنطلق رسالاتها نحو جميع بقاع الأرض، يقول “حسن حميد” : (إن القدس حلم كبير لا يمكن الإحاطة به أو امتلاكه، إنها فضاء حضاري، وديني، ووطني، وثقافي، وجمالي ساحر، لأنه ما من حضارة أو كتاب تاريخ إلا ويتحدث عن القدس).

من خلال بيت الشرق ذاك المرجع التاريخي والتراثي الفلسطيني الهام، يثبت الكاتب مشروعية الحق الفلسطيني تاريخياً من جهة، وينفي عن اليهود امتلاك مرجعية تاريخية على أرض فلسطين، و يؤكد بأنهم كغيرهم من الأقليات اليهودية في البلاد العربية، بل وتتفوق تلك الأقليات في البلاد العربية على حجم الأقليات اليهودية في فلسطين قبل قيام “إسرائيل” من جهة أخرى.

بيت الشرق في القدس المحتلة

حملت بعض تلك الرسائل أسماء أهم معالم القدس ومكوناتها الجغرافية، والتاريخية، والإنسانية، (كقبة الصخرة/ وكنيسة القيامة / وقلندية/  وسلوان /  والرامّة / والمغارة ..الخ )، ومسيرة درب آلام السيد المسيح التي حمل فوقها على كتفيه صليبه ودمه ينزف من كل مكان في جسده، وما صادفه من معجزات إلهية كمعجزة طيور الحمام التي توافدت نحوه فأطعمته وسقته حتى ظنوا أنها قد حملته، وعندما انهال الحراس عليها بالضرب، اختلط دم المسيح  بدماء آلاف من تلك الطيور حتى عتبة الخلاص.

درب الآلام

بين التقنيات الفنية وصورة المكان الواقعية

تمكن “حسن حميد” بحرفيّته الأدبية والفنية العالية، وبما يخالجه من مشاعر ذاتية يشوبها فيض من شجن وطني لا يخلو من الحرقة والألم، أن يفتح أمامنا أبواب القدس مشرعة لنرى ما تخبئه من جمال خرافي عجائبي ساحر.

هناك رسائل حملت أسماء أهم شخصيات الرواية كالحوذي “جو” خبير التاريخ المسيحي، ورفيق فلاديمير ودليله نحو أماكن القدس، الذي جاء القدس لتقديم دراسة عن كنائسها وعن بيت لحم ومسيرة السيد المسيح، فشاهد ما هو واقعي وعجائبي وسوريالي وملائكي وشيطاني، ورأى الظلم، والأذى، والقتل، والدم، والصبر.

من أهم تلك الشخصيات “عارف ياسين” الذي صور من خلاله معاناة المعتقليين الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، وما يتعرضون إليه من قهر وتعذيب، و”أبو العبد” صاحب مقهى قلندية، وحامل شهادة بكالوريوس الرياضيات التي لم يعمل بها تبعا لتعليمات الاحتلال، وهنالك شخصية “سيلفا”، السجانة الإسرائيلية التي ارتبطت بفلاديمير بعلاقة عاطفية، قدمت من خلالها اعترافاتها عما تقترفه من جرائم ضد الشعب الفلسطيني داخل السجون.                                                                          

يصور الكاتب من خلال “سيلفا” ما عُرف به اليهود عبر التاريخ من صفات وسمات عامة متداولة بين الشعوب وآدابها ومخيالها الاجتماعي.

مدينة القدس

حرص الكاتب على تحقيق التواصل الأهم ما بين أماكن القدس، وتاريخها، عبر وثائق تاريخية، وجغرافية، وتراثية، واجتماعية، وما يرتبط بها من خرائط ، ومجسمات، ورحلات، وعادات وتقاليد، استجمعها على مدى عشرين عاماً، ليضفي نحوها من تقنيته الفنية واللغوية الساحرة، ما تحوّلت معه تلك الرسائل إلى مجمع مفردات ومترادفات بالغة العذوبة والنقاء، تمكن معها من استدراج مخيلة القارئ وحواسه نحو عالمه الروائي الخاص، الأشبه بالحلم أو الأسطورة، مواكبا ما تحمله مدينة الله من أسرا ر، وجمال، وعراقة ، وسحر روحاني خفي، يتحول معه الزائر إلى كائن أثيري، يمشي خلف حواسه كما تمشي الأنهار في مجاريها، هبوطا نحو مصابها الذاتية، بما يشبه الخدر المشتهى.

تتشكل لدى “فلاديمير” حالة عشق خاص، تستحوذ فيها هذه المدينة الوادعة بملكات هذا العاشق الحسية واللغوية، فيمضي هائماً على بساط من السحر نحو جبالها، وأوديتها، ومساجدها، وكنائسها، وأحيائها، وأهلها، هيام شاعر يغدق محبوبته بفيض مما يسكن روحه من حب، وبأجمل ما حباه الله من نفائس لغوية، جاعلاً من معالم ومكونات معشوقته المكانية، والإنسانية لوحات جمالية تنبض بالحياة.

كنيسة القيامة

كما سلّط الراوي عبر رسائله الضوء نحو سكان القدس، الذين شبههم بحبة الجوّز بصلابة خارجية صلدة، مشيراً لصمودهم وثباتهم، وبطيبة داخلية آسرة، يشير معها لما يتمتعون به من كرم ونبل، وما يجمعهم من ألفة، وتآزر، رغم اختلاف أديانهم ومعتقداتهم، ألفة امتدت نحو السماء عبر احتضان روحي، امتزجت معه تكبيرات المآذن مع دقات النواقيس، فتناثرت من ربوع أقصاها نفحات من وحي محمد، وعيسى، وموسى، تبشر كل من دخل مدينة الله أن “ادخلوها بسلام آمنيين”.

يتزوج “فلاديمير” من السيدة الفلسطينية “رشيدة مراد”، ومعها يتمكن من معرفة تاريخ فلسطين، وجغرافيتها، ومشاهدة ما فيها من مزيج واقعي، وشيطاني، وسوريالي، معه بات يرى القدس في كل مرة وكأنه يراها للمرة الأولى، وكل ما يقال فيها يقال للمرة الأولى.

لغة الراوية وجمالياتها

تميزت لغة الرواية بديناميكية ساحرة، حاكت بجماليتها وتدفقها، وغزارة ما قدمته من صور ومشاهد حية مختلفة ما قدمه عظماء الأدب الروسي أثناء العهد السوفيتي من قصص الدون وغيرها،  ذلك بما اتسمت فيه من انسيابية.

يقول “حسن حميد” : (ساحرة القدس، ساحرة بيوتها، ونوافذها، وأبوابها، وشوارعها الواسعة، ودروبها التي تضيق، وأقواسها الحجرية المنحنية مثل كف دانية فوق العابرين، ساحرة حركة الناس، والعربات، والسيارات، ورائعة هي الأحاديث والوجوه والتحيات والتلويحات، وروائح البخور، والعطور، والبرتقال، والغاردينيا، والحبق، والطيّون، التي تنطلق من البيوت والنوافذ).                                                                   

يشير الكاتب إلى ما يعكر ويشوه تلك المشاهد الجمالية للمدينة، إلى بقعة سوداء تتشكل من مجموعة خيول سمان، يعتليها جنود ثقال يدعوهم الراوي ” البغالة “، يتوزعون بنظراتهم الكارهة على النواصي والزوايا بخوذهم الحديدية، ورشاشاتهم وسياراتهم، يصادرون الحريات والممتلكات، وينشرون الذعر والفوضى، معهم ينقلب السرور سؤما وألما.

المستوطنات الإسرائيلية تقضم مدينة القدس التاريخية

وعناوين أخرى لسجون، ومستوطنات، ومخيمات يصفها الكاتب فيقول: (إنها مكان طارئ استنبتته الفاجعة والمأساة، ووحدت سكانه العادات، والذكريات، والأحزان، والأحلام بالعودة)، لما ينتاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من خوف نحو جميع ما يقابلهم من جنسيات مختلفة، من إدراك مسبق بعدم شرعيتهم على هذه الأرض، يتعرض جميع هؤلاء دون تمييز لبطشهم فيغدو “فلاديمير” أحد فرائسهم ويُزج به في أحد تلك السجون،  ويعايش ألم الفلسطينيين داخل المعتقلات ويستذكر “عارف ياسين” وتتحول رسائله إلى رسائل يائسة حزينة، يطلب برسالته الأخيرة من أستاذه “إيفان” عدم مراسلته.    

هكذا نرى أن “حسن حميد” تمكن من حيازة مكانة بارزة في المشهد الروائي الفلسطيني والعربي والعالمي، والتأسيس لكتابة قصصية جديدة استكمل فيها مكونات العمل الروائي على الصعيد الجغرافي، والتاريخي، والاجتماعي، محققاً الاستجابة الدائمة لمتطلبات وشروط الرواية، وحراكها الفكري والفني والجمالي، من خلال تكوينه الثقافي والفكري، وقدرته على الخلق والتذوق من جهة، ومفصحاً عن خبرته الجمالية بما امتلكه من ديناميكية لغوية عالية، بتجاوبه أو رفضه للواقع الذي احتضن معالم الرواية وأحداثها من جهة أخرى، مكوناً تجربته الخاصة الناتجة عن عذاب وألم، وخبرة ومعرفة ورؤية أتاحت له تمثل ذاك الواقع المنبثق من مكونات الذاكرة الجمعية الفلسطينية الموثقة تاريخياً، وجغرافياً، واجتماعياً، ومما يشهده الواقع الفلسطيني منذ النكبة الكبرى وما تلاها من نكسات ولجوء وعودة، وما يشهده في زمننا الراهن من مظالم في ظل الاحتلال الإسرائيلي.

*بقلم: بيلسان الأسود/ كاتبة سورية.

*يُعبر المقال عن رأي الكاتبة، ولا يعبر بالضرورة عن رأي المدونة.

Leave A Comment