*التباعد الاجتماعي

لأن اللغة خطاب وانعكاس لآليات تفكير وأساليب ضبط وتوجيه، وليست مجرد وعاء للفكر ولا أداته فقط، ولا هي مجرد أداة تواصل، فمن المفيد التوقف عند المفاهيم التي تم تداولها مع انتشار وباء كورونا/ كوفيد19، وتبيان دلالتها وما تحمله من أبعاد تحفر عميقاً في شخصية الإنسان والعقل المجتمعي وبنية التكوين الاجتماعي، وما يُمكن أن تدل عليه وتمهد له في المستقبل، ومن أبرز هذه المفاهيم: التباعد الاجماعي، ومناعة القطيع، العزل الذاتي… وغيرها

 تجدر الإشارة قبل تناول هذه المفاهيم، إلى أنها قد انتقلت معرفياً من الحقل الاجتماعي إلى الحقل الطبي، وتحت إطارها أنجزت العديد من الدراسات في مختلف جوانب المعرفة الإنسانية، وهذا الانتقال ليس بغريب في ظل تلاقح وتداخل المعارف العلمية، والذي أخد منذ ستينيات القرن العشرين يبرز بشكل واضح في بحوث ودراسات العلوم الاجتماعية والنفسية والانتربولوجيا، والدراسات اللغوية والنقدية والأدبية بمختلف جوانبها، وعلوم الاتصال الحديث، هذا التلاقح والتداخل الذي أنتج العديد من النظريات لفلاسفة وعلماء ومفكرين من الصعب تصنيفهم ضمن إطار علمي/ معرفي بعينه. 

التباعد الاجتماعي ...في تاريخ المفهوم

أول من استخدم مصطلح التباعد الاجتماعي كان عالم الاجتماع الأمريكي “إيموري بوجاردس” عام 1926م، عندما قام بقياس المسافة الاجتماعية في اتجاهات الأمريكيين حيال الشعوب الأخرى، لمعرفة مدى تقبلهم أو نفورهم من أبناء القوميات الأخرى والمختلفين عنهم، وقد افترض في ذلك سبع استجابات متدرجة على مقياس من سبع اختيارات، تُمثل العبارة الأولى (الزواج)، أقصى درجات التقبل الاجتماعي، والعبارة السابعة (الاستبعاد)، وتمثل أقصى درجات التباعد الاجتماعي، وبينهما خيارات تؤشر لمواقف ممكنة مثل: الصداقة، الزمالة، المصلحة، وفق البيان التالي:

1- أقبل الزواج منه.

2- أقبل صداقته.

3- أقبله جاراً لي.

4- أقبل أن أتشارك وإياه زمالة أو عمل.

5- أقبل أن أتعاون وإياه.

6- أقبله واحداً من المواطنين في محيطي.

7- أقبل استبعاده من المحيط / الوسط الذي أعيش فيه.

إيموري بوجاردس

بعد تحليل “بوجاردس” لإجابات (1725) من الأمريكيين قام بإنجاز مقياس التباعد الاجتماعي، والذي يقيس بشكل علمي دقيق مواقف الأشخاص من الآخرين المختلفين عنهم عرقياً أو دينياً ..الخ، وبينت نتائج مقياسه أن الأمريكيين يضعون الانكليز والهولنديين في قمة المقياس، بينما يضعون الأتراك في أدنى درجاته.    

إذاً، الذاكرة اللغوية والتاريخانية لمصطلح “التباعد الاجتماعي” تُحيل إلى المسافة الاجتماعية بين الأفراد والجماعات كبنية اجتماعية تراتبية، تقرها قوانين رسمية أحياناُ من مثل قوانين الفصل العنصري في أمريكا سابقاً، أو قوانين عزل اليهود في ألمانيا النازية وبعض دول أوربا ضمن أحياء خاصة به (الجيتو)، أو قوانين تقرها الأعراف والتقاليد الاجتماعية، كما في المجتمعات المحلية الهندية التي تقسم الناس إلى طبقات عليا ودنيا بناءً على العرق والدين والسلالة والجنس، ومن هذا الباب فإن أول ما يُشير إليه مصطلح “التباعد الاجتماعي” هو الدلالة على أشخاص وجماعات لا يمتلكون مراكز ومواقع اجتماعية متساوية، وبهذ المعنى هو عكس الاندماج والتقارب والاستيعاب، وقد أطلق بعض علماء الاجتماع على هذه الحالة أيضاً (الاستبعاد، المسافة الاجتماعية)، كما استخدم مصطلح (المسافة الاجتماعية) في بعض المعاجم للإشارة إلى التشابك أو القرب بين الجماعات والأفراد، وفقاً لمتغيرات اجتماعية معينة من مثل حركات التغيير الاجتماعي والسياسي.

“التباعد الاجتماعي” من الحقل الاجتماعي إلى الحقل الطبي

يُعرّف قاموس “ويبستر” الشهير “التباعد الاجتماعي” على أنه: (ممارسة تهدف للحفاظ على مسافة جسدية أكبر من المعتاد عن الأشخاص الآخرين، أو تجنب الاتصال المباشر بالأشخاص أو الأشياء في الأماكن العامة أثناء تفشي مرض معدِ، من أجل تقليل الإصابة به أو انتقال العدوى)، وهذا كان أول تحديد لمفهوم “التباعد الاجتماعي” في الحقل الطبي، كما استخدمت مصطلحات (الابتعاد المكاني، التباعد المكاني، الإبعاد الاجتماعي) لدى عدد من مراكز البحث الطبي والأطباء والعاملين في القطاع الصحي، خلال انتشار الأوبئة والأمراض على فترات متفاوتة في القرن العشرين، وذلك للدلالة ذاتها على ما يُسمى اليوم ب“التباعد الاجتماعي” كإجراء وقائي من وباء كورونا التاجي/ كوفيد 19 الحالي ، وأبرز التعريفات  لهذا المفهوم  تحت مسمى “الابتعاد” أصدرها مركز السيطرة على الأمراض والوقاية  الأمريكي (CDC) على أنه: ( مجموعة من طرق تقليل التواتر والتقارب والاتصال بين الناس من أجل تقليل خطر انتقال المرض، وعلى الفرد أن يبقى خارج نطاق التجمعات البشرية، وتجنب التجمعات الجماعية، والحفاظ على المسافة حوالي ستة أقدام أو مترين عن الآخرين عند الإمكان).

تباعد جسدي ومكاني أم تباعد اجتماعي؟

اقترحت منظمة الصحة العالمية خلال انتشار وباء كورونا/ كوفيد 19 لعام 2019-2020، الإشارة إلى “بدني” أو “جسدي” كبديل عن “اجتماعي”، للتأكيد على المسافة المادية- الفيزيائية التي تمنع انتقال الفايروس؛ ويمكن للأشخاص البقاء على تواصل اجتماعي عبر وسائل الاتصال الحديثة المتاحة.

كما قالت عضو الكونغرس الأمريكي عن ولاية ماساشوستس“آيانا بريسلي” تأكيداً على أهمية الفكرة، في حديثها مع موقع دورتشستير ريبورتر: (أرى أن ما نفعله حالياً هو التباعد الجسدي وليس الاجتماعي، فنحن نترك مسافةً بيننا لمنع انتشار الفيروس، وفي الوقت ذاته يجب أنّ نحافظ على العلاقات الاجتماعية، وحس المجتمع لدينا، وقيمة الهدف المشترك).

أكّد أستاذ علم النفس في جامعة ستانفورد “جميل زكي”، في جلسة أسئلة وأجوبة في الجامعة على ضرورة الابتعاد عن المصطلحات الخاطئة، وقال: ( علينا أن نحدد هدفنا الآن، فنحن ندعو إلى التباعد الجسدي، للتأكيد على أهمية تفاعلنا اجتماعياً، على الرغم من البعد المادي، وهذا إجراء ضروري لإبطاء انتشار”كوفيد-19″، وإن كان ضد الحاجات الأساسية للبشر، ويا لها من مفارقة، أن تكون التقنيات التي تلام عادة بأنها السبب في تمزيق نسيجنا الاجتماعي هي أفضل الحلول لإبقائنا معاً).

لماذا استمر الخطاب الإعلامي العالمي في استخدام مصطلح “التباعد الاجتماعي”، بالرغم من الاعتراضات العديدة عليه؟ ولماذا يُثير هذا المصطلح المخاوف إذا ما تم تكريسه بدلالاته المتعددة، والمثقلة بذاكرة رهينة حاضر غير مريح أيضاً؟

لماذا يُثير استخدام مصطلح “التباعد الاجتماعي” مخاوف بعض المفكرين والفلاسفة وأخصائيي علم النفس والاجتماع، ويطالبون بإعادة صياغته؟ حتى اعتبره بعض العرب أنه: ( وليد لعملية قيصرية لغوية وتعبيرية وافدة على لغتنا العربية، وتعبيراتها الغنية بتوالدها في ظروف التحدي المستمرة في حياتنا كعرب). 

يقول “أقلاطون”: (معرفة الأسماء تؤدي إلى معرفة الأشياء)، ولذلك من المهم جداً معرفة الأسماء بدقة عندما تتجاوز وظيفتها “الاسمية”، لتشكّل مفاهيم في اللغة والحياة والوجود الإنساني برمته.

* اللغة ليست زاداً من المواد، بقدر ما هي أفق/ رولان بارت.

 يرى “جيل دولوز” الفلسفة كونها (صناعة المفاهيم) أي إنتاج مفاهيم جديدة وإعادة صياغة المفاهيم القديمة في عمل يتميز بالإبداع والأصالة والجدة، فالمفهوم هو (الذي يقوم بتشكيل البعد الروحي للواقع ترتيباً وتنظيماً)، وضمن هذا المنظور يرى “دولوز” أن اللغة ليست أداة للفكر وحده، ولا بدّ من تحرير اللغة من اللغة الكبرى، المقررة الثابتة، ولذلك يرفض أن تكون هناك سلطة تجعل من اللغة لساناً أحادياً، أو نظاماً منغلقاً لا تعدد فيه، ولا يطاوله تغيير، فاللغة الثابتة المتجانسة في تركيبها هي لغة نهائية وثوقية لا تسمح بالإبداع ولا بالاختلاف.

هل يُمكن أن نفترض سلطة ما – سلطة الإعلام الموجه على الأقل – وراء استخدام مصطلحات معينة في خطاب اللغة بتناولها لوباء كورونا؟ وضمن هذا الخطاب السلطوي “المتعالي” يتم تكريس مفاهيم كالتباعد الاجتماعي ومناعة القطيع، والعزل، وغيرها من مصطلحات، لتؤدي وظيفة ما مستقبلاً، فمن امتلك الخطاب امتلك السلطة -حسب فرويد -.

من الغرابة أيضاً أن سُميت يوماً وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية ب”وسائل التباعد الاجتماعي”، وهي ذاتها الوسائل التي كانت الحل الأمثل لمنع توقف عجلة الحياة بمختلف جوانبها، ولكأن اللغة تُنتج خطاباتها وفقاً لدورة حياة خاصة بكل مفردة أو مصطلح، تتغير الدلالة ويتغير أسلوب الاستخدام وفق آليات زمنية ومكانية تُمحي وتُحيي ما تشاء، ولهذا ولمزيد من فهم آليات استخدام المصطلحات تلك، ربما علينا العودة لكامل مجريات الخطاب الذي حملته اللغة التي أنتجتها لحظة “كورونا”.

  ….يُتبع في الجزء الثاني

المصادر:

– الموسوعة الدوليّة للعلوم الاجتماعيّة (ج2) علماء الاجتماع. سيلز، د.إل. (مجموعة من الباحثين، مترجم). (ط.1)، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2010م.

– السلوك الاجتماعي في الجماعات غير المنظمة / رؤية في دينامية الجماعات وأشكالها، د. مأمون طربيه، دار النهضة العربية، بيروت –2014

– ما هي الفلسفة؟، جيل دولوز وفيليكس غتاري، ترجمة: مطاع صفدي وفريق مركز الإنماء القومي، مركز الإنماء القومي والمركز الثقافي العربي، ط1، 1997.

بقلم: د.خولة حسن الحديد

6 Comments

  1. Moheidy May 22, 2020 at 5:52 pm - Reply

    مقال رائع..
    اطيب تحياتي

  2. Moneer kaddah May 22, 2020 at 7:16 pm - Reply

    منير القداح

  3. Nabil Ibrahim May 22, 2020 at 11:47 pm - Reply

    من المهم التركيز على المصطلحات لأنها تؤول الدلالة ,والذي نفتقر اليه في اللغة العربية (علم الدلالة) ,كما أن تكريس مصطلح ومالاته ينحو ليترسخ بالذهن- اذا تم اقراره وتداوله- حتى وان كان لا يمثل المعنى الصحيح.
    الموضوع بالغ الحساسية في هذا الوقت ,والإضاءة عليه هي مسؤولية ثقيلة قلة من يحملها.
    شكراً لك

    • kmarabia May 23, 2020 at 5:14 am - Reply

      شكرا نبيل لإضاءتك هذه. وبالفعل نحن محكومون بالخطاب واللغة وحواملها. والمفاهيم باتت تشكل الإطار العام لحياتنا. ومن الضروري التوقف عندها. وإشارتك إلى أهمية الدلالة مهمة جدا. وللأسف رغم ثراء التراث العربي بهذا المجال. ما زلنا نحن اليوم نعاني من قصور معرفي كبير بهذا المجال. وكل الامتنان لتشجيعك الدائم واهتمامك .

  4. Ali Asaad July 30, 2020 at 12:44 am - Reply

    شكرا جزيلا .. رائع ورصين وواقعي
    د.علي أسعد

    • kmarabia July 30, 2020 at 1:05 am - Reply

      شكرا دكتور لاهتمامك. ويعطيك العافية.

Leave A Comment