
في رواية ( كرز حامض) للشاعرة والأديبة السورية“سُرى علوش”، تتزاحم الأسئلة الوجودية الكبرى، ولكل سؤال العديد من الأجوبة التي تتعالق وتتعانق وتظهر جلية، وكأننا قبضنا عليها بكلتا يدينا، لنجدها وقد تسرّبت من بين أصابعنا كما الماء، فنعاود البحث من جديد عن جواب جديد، وتمتد لتصور حيوات كاملة لشخوصها في فضاءات متعددة الأزمنة والأمكنة، وما بين الأسئلة والأجوية تكثر التفاصيل، ليُصبح كل تفصل ملمحاً آخر من ملامح الأسئلة وأجوبتها، ويبقى أبداً ودائماً سؤال الحب أكثر الأسئلة إلحاحاً، ليُشكل بطريقة ما كينونة الحياة، ثم يتقدم إلى الواجهة سؤال الحياة، ما حياتنا؟ وما الجدوى منها؟ وما مغزى الوجود الإنساني؟ وفي تفاصيل هذا كله تتفتح الكثير من الأسئلة والأجوبة، عن كل ما يُشكل ملامح أساسية لكل ما تتجلى به تلك المقولات الكبرى، من الحب والوجود والحياة والحرية، فيُصبح الانتظار مظهراً وتجلياً، والحلم أيضاً، والذاكرة، الندم، الاعتراف، الفقد، التضحية، الألم، الوطن والبلاد، العيش في الثنائيات…الخ

البحث عن معنى وأجوبة
الحياة: (سلة كبيرة من الفواكه نختار منها ما نحبه، ولأن المواسم ليست في مصلحتنا، غالباً ما نضطر للاستسلام للعبة الفصول وتذوق ما تتركه أمامنا، من دون تفكير فيما إذا كنا نحبه، أو نأكله خوفاً من أن يفرغ الآخرون السلة في أثناء لنشغالنا بالتذمر! لكن الحياة لها حس انتقامي، ربته عاماً بعد عام، تُصر أن تروضنا وتجبرنا على الرضوخ لاختياراتها)، وأما القدر الإيمان به والسؤال عن الله في خضم المآسي المُعاشة، فلم يعد لهما كبير أثر في وجدان الناس: (إن أحداً لم يعد يُصغي إلى الله يا فاطمة)، فالناس تاهت وغرقت في مآسيها ومستنفعات الخراب التي فاضت، في حين يتضاءل الوطن ويتشظى، وتُصبح البلاد عدوة أبنائها المُتعطّشة لشرب دمائهم، بعد أن أوغل فيهم الجوع والمرض والحرمان، وكل أشكال العُسف والإجرام: (بلاد تقتل المرء، وتخرج كلها في جنازته)، وما جدوى الوجود إذا في مكان كهذا وفي لحظة زمنية كهذه، لحظة يدفن فيها الأب أولاده وأحفاده، ولا مجال فيها لبراعم الطفولة أن تنمو، فتموت برصاصة قناص أعمى، أو شظية سقطت عمداً وعن سابق إصرار، أو تلك الطائشة التي أخطأت هدفها، وفي حال نجت من هذه أو تلك، تغتالها لحظة شهوانية بالاغتصاب من قِبل بالغٍ باع لشيطان الغريزة إنسانيته، واستسلم لبهيميته، كيف نفكر بماهية وجودنا وجدواه في مثل تلك اللحظة المتوترة؟ ( أحياناً أتساءل عن جدوى أن يمنح الله أعواماً لأحدهم لينفقها في اللاشيء، في حين شخصاً آخر يحتاج هذه الأعوام بشدة، ليفعل أشياء كثيرة لن يتمكن من القيام بها بسبب ضيق الوقت).
أما الحب الذي صاغ الرواية وحياة بطلتها ( الراوية، الساردة الأساسية)، كما صاغ وغيّر مصائر غالبية شخصيات الرواية وخاصة النساء، فالأجوبة عليه لا يُمكن حصرها: (الحب بالنسبة إلي يُشبه تفاحة بكل سحرها تتعلق بذراع الشجرة بيديها الاثنتين، لا بدّ أن تنتظرها وحدها لتسقط بين يديك، وإذا ما حدث وقطفتها بنفسك، ستعتاد على شراء التفاحة من الباعة، وتخطىء المواسم والفصول). (كل وقوع في الحب سقوط عن قمة جبل ما إلى هاوية تتلقفنا برضى،وتساعدنا في التمسك بالحياة، قبل أن نتعثر بحجر لم نلحظه لنسقط ونلاقي حتفنا).(الحب ماء في كأس، كلّما شربته عطشت أكثر)، (الحب هو ألا يحدث كل ما حدث)، (الحب وعد لا يحتاج إلى تأكيد).( الحب أمر في غاية السهولة، بسيط وخالِ من التعقيد، يكفي أن يرقص شيء ما فيك، وتمسك يداً مدها إليك أحدهم، لتشعر أنك عاشق، أما أن تكره بهذه القوة، وتٌطعم غضبك يوماً بعد يوم ليكبر، فتلك مسألة أخرى).
ما بين الحب وسيرورة الحياة، تأتي الحرب أيضاً، الحرب التي غيّرت مصائر الجميع، أفراداً وجماعات، فيطفو على السطح كل الخراب الذي تكدّس لعقود وربما قرون طويلة، فتوزع الموت على الجميع، فيحل الانتظار مكان الحب، ليغلف حياة الناس ويبقيهم على قيد الحياة، الأم التي تنتظر ولدها الغائب المفقود، كما مئات بل آلاف الرجال المفقودين الذين ابتلعتهم الحرب، تاركين أحباءههم معلقين على حافة الحياة، وكذا الزوجات والحبيبات، والأخوات كما الآباء والأبناء، فيتوقف الحس بالزمن لدى كثيرين، وأولهم بطلة الراوية ( الساردة)، التي تتوقف عن عد الأيام والشهور، وتتشبث الذاكرة بملامح الغائبين على سبيل محاولات مستميتة لاستعادتهم، أو للحفاظ على أثرٍ ما مما تركوه لتقتات عليه الأجساد والأرواح، وتُسكت جوع الأيام المُلح: (منسيٌ أنت وغير قادر على الصمود في ذاكرتي، أليست الذاكرة مقياساً دقيقاً لقوة الأثر الذي يتركه أحدنا في حياة الآخر؟). (ذكرياتي هناك كانت عبارة عن صناديق مُغلقة خرجتُ منها). ( النسيان آلة قديمة مُعطلة، لا تستطيع العمل في رأس تملؤه الكلمات).

تتراجع الأحلام التي تم رسمها، والسعي لتحقيقها، أمام الحسرات التي يتم ابتلاعها عنوةً: ( أليس من المؤسف أن تمر حياتك وأنت تخطط لحلم، تعرف أنك لن تتجرأ على إنجازه؟)، وفي مواجهة كل هذا الخراب، كل هذا الفقد، كل تلك الحسرات، تبدأ الأسئلة عن كيفية معالجة الواقع، وعن آليات تجاوز الخوف، في مراجعة كلية لكل الثوابت والمفاهيم التي تم الإيمان بها وتعريفها، فكيف يُعالج الإنسان نفسه من الخوف بصموده ومواجهته لنفسه، وتقبلها كما هي عليه؟ كيف يحقق رضا ما بحمل مسؤولية ما قام به؟ وكيف ينجز بدون أن يتعمد عملية تحويل للخوف الذي بداخله إلى خوف وخشية لدى الآخرين منه؟ لألا: (يُصبح الخوف شبحاً) يُطارده ويُخيم على حياته.
كيف نتحرر من عبودية الأشياء والأفكار؟ لنفهم وندرك ونعيش الحرية الحقة: (أنت لست حُراً ما دمت عبداً لفكرة ما وإن كانت مختلفة)، وكيف نقوم بتوصيف الواقع وإدراكه بشكله الفج؟ لنميز من هم الجُناة الحقيقيون، ومن هم الذين يقمعوننا ويتحكمون بمفاصل حياتنا، ونواجه الحرية بمسؤولية، ونصيغ نهايات للحكايا التي بدأناها: ( لا فرق بين تاجر ومُدرس جامعي، فكلاهما وجدا لقمعنا ). ( الذين يغادرون حكاياتهم هرباً من نهاياتها، لن يحتملوها، يفقدون القدرة على إكمالها، كما يرغبون لاحقاً). ( هؤلاء الذين يتحدثون عن الحرية والعدالة، يُضيؤون عقد نقصهم على ما يبدو)، كل ذلك مع مواجهة الألم والتعامل معه كنتيجة حتمية، الألم الذي لا يُمكن إحصاء أسبابه ولا أوجهه، والذي تجسّد في حياة النساء على وجه الخصوص، الأرامل والثكالى، والمطلقات لأسباب تعسفية، المغتصبات ك”طفلات” وكضحايا لموقف سياسي في السجون والمعتقلات ، اللواتي تترصدهن أعين الجميع، وتنتظر وقوعهن في الفخ لتُشهر الخناجر والسيوف في وجوههن، المعذبات في ديمومة أبدية بالواقع الاجتماعي المتشظي، المتناقض، المليء بالنفاق، والذي يحتاج إلى ألف ثورة وثورة، هو الألم الذي تحمله “أيلول وفاطمة، حبيبة ، غيداء، ميرا، عايدة، وغيرهن وغيرهن”: ( الألم تلك الفكرة التي تقضُّ مضاجع الآخرين، فيرفعون سخريتهم سلاحاً في ظهرك، لأن أحداَ ما في داخلك لم يحتمل ذلك الصرير للأبواب، ولم يعجبه ذلك الثقب الذي صنعته سكين أمسكها صاحبها بعناية، واستخدم رأسها الحاد، ليصل إلى الزوايا غير الظاهرة في روحك).
البناء الفني للرواية
من الصعب الفصل بين المعمار الفني للرواية وبين مضمونها، فإذا كان علم السرد يُميز في البنية الروائية بين الحكاية والخطاب، فإنّ أبرز ملامح هذه الرواية، هو التداخل الكبير بين الحكاية المروية، وبين الأسلوب الفني الذي رويت من خلاله، وهذا يبدأ من عنوان الرواية، حتى آخر كلمة فيها، فشعرية السرد التي استثمرت فيها الكاتبة كل طاقات اللغة الدلالية وإيحائيتها، انتظمت في سياق جذاب ضمن حبكة الروي، فاللغة الساردة لم تروِ وتُخبر فقط، وإنّما فعلت ذلك بأسلوب شعري مليء بالاستعارات والانزياحات اللغوية، وومضات لا تحلينا إلى الحدث فقط، وإنّما إلى الطريقة التي قيل وروي فيها، وقد شكّل هذا الملمح أغلب بنية الرواية، وبقي المستوى الإيحائي هو الناظم الأهم لسياق الأحداث، حتى تلك التي تفيض بالواقعية، فكثرت الثنائيات المتقابلة في البحث عن معنى الحياة، وعيشها بتناقضاتها الكبرى وبتفاصيلها التي ترسم لنا صور متكاملة عن مشهد ما: ( الحياة / الموت، الشباب والطفولة/ الشيخوخة والكهولة، الصحة/ المرض، الرجل/ المرأة، الذكورة/ الأنوثة، النظام/ الثورة عليه، الموالاة/ المعارضة، السعادة/ القهر، المواجهة/ الهروب، العقلانية والاتزان/ الجنون والانفعال..الخ)، ومع تكرار هذه الثنائيات، فعلت الانزاياحات اللغوية فعلها في إضفاء صفة إنسانية على الأشياء ومنحها حياة ما، أو تشييء الإنسان ومنحه صفات الأشياء: (أنا لا أصدق القهوة) ، (القهوة كالعشاق تكذب، وتقول ما ينزهها عن الذنب ويورط غيرها)، وتلك أهم سمات اللغة الشعرية.

كما قام عنوان الراوية والعناوين التي تصدرت فصولها، بدور الرمز الاستعاري المكثف لدلالات النص: ( كرز حامض، كعب عالي، ذلك الجزء الذي لايُرى، 19، رمان، المرآة)، ومن المعروف أنه من أبرز القضايا التي تساهم في تحديد النص الأدبي هي مسألة العنوان، أي ما يتصل بالعنوان الموضوع له، إذ تتجلى عن طريقه جوانب أساسية أو مجموعة من الدلالات المركزية للنص، وهذا ما يلمسه القارىء بوضوح بعد قراءة الرواية.
أما زمن الرواية ومكانها، أو ما يُسمى ب (الزمكانية)، فقد توافق مع مضمون الحكاية وعزز من أسلوب الروي، فقد قام زمن السرد على تقنيتي (الاسترجاع) و(الاستباق)، لعرض وتنظيم تراتبية الأحداث، مما منح السرد حرية كبيرة في السيطرة على الأحداث والشخصيات، إذ كان يتم استعادة أحداث ماضية حيناً، واستباق بعضها عبر استعراض جزء من حياة بعض الشخصيات، وقد استندت الكاتبة في تدعيم هذه التقنيات إلى أسلوب كتابة الرسالة التي كانت بمثابة الوصية، والتي من خلالها تم تضمين لحظة راهنة بلحظات زمنية مضت، من مثل: ( رسالة الأم إلى أيلول، رسالة خالد إلى حبيبته، رسالة آدم إلى ابنته ميرا)، وبهذا الأسلوب أيضاً، تم فك العديد من العقد الدرامية وتوجيه سير الأحداث، إضافة إلى تضمين حكايات قصيرة وروايات فرعية يرويها أحد الشخوص لغيره، كالآباء للأبناء مثلاً.
كما تشابك الزمن، تشابكت الأماكن، وتعددت المدن، وإن كانت مدينة “حمص” هي الفضاء الأكبر الذي دارت فيه الأحداث، إلا أن أحداث هامة أيضاً دارت في عدة مدن (حماه، الرقة، دمشق، استانبول، لندن، بيروت، بلد خليجي)، وكما ربط خط معين الزمن بكل دورانه وتعاقبيته حيناً، وانقطاعه حيناً آخر والعودة لدوريته، فإن حبلٌ كحبل السرة، ربط بين هذه الأماكن من خلال شخوص الرواية، وبنية كل شخصية، والأحداث التي مرت بحياة كلٍ منها، والتي كانت البطولة فيها للنساء، من الساردة الأساسية “أيلول”، إلى الآخرين ممن تولوا السرد، وإن بدرجة أقل منها: ( حبيبة، آدم، ميرا، والد أيلول) وغيرهم من الشخصيات، والتي كانت جميعها تدور في فلك “أيلول”، والتي كانت تمسك بخيوط الحكاية وآليات سردها، وحضور أحدهم أو غيابه، مما يجعل وصفها ب”السارد المُسيطر/ المهيمن” أمراً منطقياً، فالراوي الأساسي يبقى على وعي تام بحكايته الجوهرية، لذلك نجده يقدم روايات فرعية ما، ويؤخر غيرها، ثم يترك السرد لغيره فيتنوع، ليعكس مع تداخل الأزمنة بعضها ببعض، حالة من الفوضى النابعة من الداخل، كما يساعد تعدد الرواة وتنوع زمن السرد، أو ارتداء الراوي الرئيسي لأكثر من قناع على استمرار عملية السرد، أو ما يسمى باستيلاد مستمر للسرد، فتمتد الحكاية، وتتولد حكاية من أخرى، وهذا ما ما ظهر بوضوح في الرواية.
في الختام، تجدر الإشارة إلى أن رواية من (319) صفحة، من الصعب الإحاطة بكل مفرداتها في مقال واحد، وتستحق أن يُفرد لها بحث نقدي مستقل، ولكن بكل جدارة هي عمل أدبي رفيع، كُتب بلغة عالية، ويُماهي بين الواقع والخيال، ويصعب تصنيفه كعمل روائي تحت أي صيغة كأن يكون رواية واقعية أو شعرية، أم توثيقية اجتماعية، أو رواية عن الحرب والحب والثورة، فهو كل هذا بامتياز، وعملٌ يستحق القراءة والاهتمام، لا بسبب جمالياته ومتعة الروي فقط، بل يُمكن اعتباره وثيقة، وشهادة إنسانية أدبية، على ما حدث في سوريا ليس في سنوات ثورة 2011م فقط، بل منذ ما يزيد عن خمسة عقود، هي تحديدا الزمن الذي غيّر حياة السوريين ومصائرهم إلى الأبد.
*
سُرى علوش، شاعرة سورية، صدر لها مجموعتان شعريتان:
“نوافذها ورمال القلوب” عن دار الطليعة الجديدة، دمشق ، في العام 2004.
“كلام الحدائق” عن دائرة الثقافة والإعلام في حكومة الشارقة، وهي مجموعة شعرية فازت بجائزة الشارقة للإبداع الأدبي في العام 2007.
ملاحظة: الرواية متوفرة على شبكة الانترنت في موقعي “أمازون” و”نيل وفرات”.
بقلم: د.خولة حسن الحديد

تقديم رائع ومشوق ..
شكرا لك دكتورة خولة لتسليطك الضوء نحو الأدب النسوي السوري المتميز..وشكرا للكاتبة وماتتمتع به من وعي ورؤية عميقة، قدمتها بشكل فلسفي وواقعي..
كم نحن بحاجة لأدباء سوريين يشكل انتاجهم الأدبي مرآة لهذا الواقع أكثر من أي زمن مضى، كون أهل مكة أدرى بشعابها، وهذا مايلخصه قول درويش :
” من يروي حكايته..يرث أرض الكلام ويملك المعنى تماما”
شكرا لوضع الرواية بين أيدينا ..
تحياتي لك دكتورة وللكاتبة
شكرا بيلسان، الحقيقة لدي تحفظ على مصطلح”الأدب النسوي”، ورغم بروز كل قضايا المرأة بمجتمعنا في هذه الراوية، لا أعتبرها رواية نسوية أو كتابة نسوية، لأنها تتناول مجتمع بأكمله وقضية المرأة جزء منه. أتمنى قراءة الراوية والاستفادة منها.
دوماً دكتورة خولة قنديل للمعرفة في عتمة ظلام الأيام والهداية الصحيحة والسليمة لنا .
كل الشكر للكاتبة الرائعة التي أستوحت الرواية من صميم الألم.
ولكي د. خولة
الشكر موصول دوماً لإضاءتك وللتنويه.
تحياتي حسام. شكرا لاهتمامك ومتابعتك الدائمة. أتمنى تقرأ الرواية.
قراءة نافذة و شيقة حفزت و أحاطت بكل جمال يكمن في الرواية .
سأقرأ الرواية قريبا جدا.
شكرا سومر. أتمنة تقرأ الرواية وأعتقد ستنال إعجابك. تحياتي
يقال “المكتوب يُعرف من عنوانه” ,هذا التقديم محفز لقراءة الرواية.
الراوية موجودة، وإذا حبيت تقرأها وتعطينا رأيك. شكرا لاهتمامك الدائم.
قراءة جميلة جدا كما هي كل قراءاتك ..
أحيانا تكون من الأهمية بمكان ينافس العمل الأدبي نفسه ، الذي تتناولينه بالتشريح.
شكرا لك دائما…نبراس معرفة
شكرا أستاذة نوال. رأيك مهم جدا ومُقدّر، وإن شا الله نقدم المفيد دائماً
جميل
لكن لي ملاحظة: يقال: الحكي، ويقال: السرد، لماذا اخترت الروي وهو مصلح له دلالة في العروض، أظن عندنا من مشاكل المصطلحات ما يكفي.
السرد شي والروي شيء والحكي شيء آخر. أنت يبدو من يخلط بين المصلحات، وسأوضح ما مفهوم السرد ومن ثم الروي والحكي: السرد هو الأسلوب الذي يقدم فيه الكاتب عمله القصصي أو الروائي، هذا يتضمن كل تفاصيل العمل من زمان ومكان والسارد “الراوي” والحوار وووالخ، أي كل عناصر القص أو الروي، أما الفرق بين الحكي والروي، فهو كالفرق بين الكلام عن الحديث ضمن حكاية كحكايات الجدات والأمهات والحكايات الشعبية، وبين الحديث عن الكلام الذي يُقال بشكل فني وبنية تقنية مختلفة في عمل قصصي أو روائي، في الحكي يتم نقل الكلام أيضاَ ومن هنا جاءت الحكاية نقلاً عن، في الروي أنت تخترع الحكاية وتقدمها بأسلوب مختلف وسياق مختلف وبنية مختلفة، وفي الروي يُمكن أن يوجد ” الحكي” ولكن أيضا ضمن سياق. وهذه مفاهيم جدا واضحة في علم النقد ومن ضمنه علم السرد أيضاً. تحياتي .
شكرا للرد
دراستي تتعلق بالسرد ومن أجل ذلك لفتني المصطلح، اعذري فضولي ولكن أحببت أن أعلم المصدر الذي تعتمدين عليه، فكل الكتب التي قرأتها لم يرد فيها الروي كما فسرته، وإن كانت كتب المغاربة المتعلقة بالسرد تورد مصطلحات أكثر غرابة، ولكن كل ناقد أو باحث له مصطلحاته الخاصة، وللأمانة فقد رجعت بعد ردك إلى عدة معاجم في المصطلحات النقدية والسردية ولم أجد الروي، طبعاً يحق لك أن تخترعي مصطلحاً خاصاً برؤيتك الفنية، وهذا لا يقلل من قيمة القراءة المقدمة في المقال.
المصطلح موجود وبكثرة في أغلب الكتب النقدية، وخاصة المترجمة عن نظريات التلقي. ويمكن العودة إلى مؤلفات صلاح فضل، وترجمات منذر عياشي لرولان بارت، والحقيقة لم أخترع المصطلح، حتى بالقواميس والمعاجم العربية يوجد معنى للروي والحكي. وبعض المعاجم ترادف بين المصطلحين ، وبعضها يميزهما عن بعض. ويُمكن لأي قارىء العودة للمعاجم واسنخدام هذه المصطلحات من خلال دلالاتها الاصطلاحية أو المعجمية، ومن الفعل روى جاء الاسم وجاء اسم “الرواية” واسم “الروائي” وهو الذي يختلف عن الحكّاء الذي يحكي حكايا شعبية والحكائين “الحكواتي” معروفين أيضا بالثقافة العربية خصوصا، فمثلا ألف ليلة وليلة وحكايات السندباء. هذه قصص شعبية خيالية وواقعية وأياً كان. لكنها ليست روايات. وإن كانت تُشكل بذور الرواية والقصة العربية مع المقامات طبعا، وللعلم يوجد تعريف خاص ل”الروي” في علم العروض وكيفية ورود الكلمة في الشعر، وبهذا فصّل الكثير الأستاذ الدكتور أمين علي السيد في كتابه” في علمي العروض والقافية “، والأساس في استخدام كلمة “الروي” جاء لتمييز الكلام عن الحكي. وبهذا المعنى أنا استخدمته. فكلنا نحكي وكلنا عندنا حكاية نحكيها .لكن ليس كلنا روائيين، والحكاية جزء من عالم الراوية وليست الرواية كلها. ويُمكن للمزيد بهذا السياق العودة لكتاب الناقد العراقي علي لفته سعيد ( الرواية بين الحكاية والسرد)، وفي الكتاب معلومات غزيرة جدا عن هذا الجانب من مصادر ومراجع مهمة تعطي آراء بهذا الشأن من مثل جيرار جينت، ويقول بالفرق هذا ( يؤكد بإنه يمكن الوقوف على تفاصيل الفرق حين نعرف ونفهم ان ليس كل كتابة روائية فيها سرد عالٍ إذا ما اعتمدت على روح الحكاية التي نطلق عليها ( السالفة ) التي يمكن ألّا يكون فيها تعدد مستويات الروي والانتقال من روي غائب الى حاضر الى متكلم الى مخاطب والراوي العليم والسرد بضمير الغائب.. لكن السرد يتحمل وزر كل هذه الطرق والانتقالات الروائية إذا ما فشل في عملية التحكم في إدارتها.وإن الحكاية ربما لا تضع السارد لها كجزء من الحكاية فهو يتحدث عن شخوصه وأبطاله بعيدا عن التحكم بالانفاعلات الكتابية.. وهنا نقصد الكاتب المنتج فهو يذهب بها الى ان يروي لمجرد الروي من أن أحداثا وقعت في هذا الجزء من العالم حتى لو كان فوق سطح المريخ مثلاً)……. أتمنى أن تكون وصلت الفكرة. شكراً لاهتمامك .
أعجبني هذا المقال، وفيه تفصيل واضح، أتمنى قراءته: http://www.sudanile.com/index.php/
وأخيراً، ممكن لخص لك الأمر كما يلي: الروي يتضمن الحكي ويشمله، لكن الحكي لا يشمل روي بالضرورة، والحكي ليتحول إلى روي يجب أن يتم سرده وفق بنى معينة هي تلك التي يتحدث عنها علم السرد.