مقاومة المعرفة الجاهلة

في مراجعة العديد من أنماط التمثلات الاجتماعية خلا فترات الكوارث والأزمات وانتشار الأوبئة، نجد أنها تتكىء في معظمها إلى نمط معرفي مما بات يُسمى ب“المعرفة الجاهلة”، وهي ذاك النوع من المعرفة المكتفي بذاته والمطمئن إلى تفسيراته الخاصة للأحداث، والتي يتم التعامل معها كحقائق ثابته.1

وتُشكل هذه المعرفة خطورة بالغة على حياة السكان خلال الأزمات في حال تم السماح لها بالانتشار، من مثل اللجوء إلى أساليب الطب الشعبي والعلاج بمقولات دينية، ولا سبيل لوقف مد هذا النمط المعرفي إلا بطرح معرفة بديلة، هي المعرفة العلمية القائمة على الممارسة والخبرة ومضمونة النتائج، وإلزام البيئات المحلية بتمثل هذا النمط المعرفي من خلال أدوات الضبط المذكورة سابقاً.

كما يُمكن اتخاذ زمن الأزمة فرصة مهمة لتعديل السلوك الاجتماعي، من خلال الاستثمار في أوعية الضبط الاجتماعي التقليدية، وعلى سبيل المثال، عوضاً عن نشر ثقافة وممارسة دينية خاطئة، يُمكن تحويل منابر رجال الدين الأكثر تأثيراً في المجتمع إلى أدوات للتوعية ونشر المعرفة، وتغيير الخطاب من التواكل إلى التوكل، ومن الاستسلام إلى التسليم مع الأخذ بأسباب الوقاية القائمة على العقلانية، واستذكار الإرث الديني والاجتماعي عموماً الذي يؤكّد هذا التوجه.

تحييد الايديولوجيا

تلعب الايديولوجيا دوراً مهماً في ظهور أنماط معينة من التمثلات الاجتماعية، مثلّما تم تمثّل “نظرية المؤامرة” وتبنيها بشكل واسع كتفسير لانتشار وباء كورونا/ كوفيد19، الذي أطلق عليه الفيلسوف “سلافوي جيجك” في إحدى مقالاته اسم (فايروس الايديولوجيا)، وكلّما استطعنا تحييد الايديولوجيا التي تنتج أفكار معينة تتحيز بشكل غير موضوعي تجاه أطراف محددة على حساب أخرى، انحسرت موجة تلك التمثلات الناجمة عنها، ويجب التأكيد بهذا السياق على دور النخب المثقفة ودورها التنويري في المجتمع، وخاصة الشخصيات التي تملك حضور اجتماعي وثقافي مهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي وسائل الإعلام.

العقول المؤدلجة، هي عقول أسيرة أفكار نمطية تمنحها صفة القداسة، وتؤطر الإنسان ضمن قوالب معرفية ثابتة ومُطلقة، كل قالب عبارة عن صندوق لا يُمكن التفكير خارجه، ولا يُمكن كسر هذه القوالب وتفكيك الصندوق إلا بالمعرفة المنفتحة على الآخر، والتعريف بالآخر المُختلف وأنماط ثقافته، عبر كل الوسائل المتاحة، وتعزيز ثقافة التضامن الإنساني، والوقت الأنسب للقيام بهذا العمل هو زمن الأزمات التي تطال عموم المجتمعات كانتشار الوباء الحالي.

تغيير الاتجاهات

يتحدث غالبية الفلاسفة والمفكرين عن ما بعد انتشار وباء كورونا، وكيف أن انتشار الوباء، قد يُشكل فرصة لتغيير اتجاهات الناس وتوجهاتهم الخاطئة، وأنماط حياتهم غير السليمة، نحو أنماط وتوجهات أفضل وأكثر عقلانية، فقد أشار الفيلسوف الفرنسي “جاك أناتالي” بهذا السياق إلى ( إمكانية تغيير اتجاهات الناس نحو أنماط الحياة الراهنة، والتوجه نحو ما هو “جوهري أو أساس” بالوعي الجماعي بالانتماء الطبيعي للأرض، وبأن لهذا الكوكب حدوداً في الموارد الطبيعية /المائية، النباتية، الحيوانية/ وتنمية الوعي بهذه الحدود وعقلنة الاستهلاك).2

من المعروف في العلم الاجتماعي، إن التغيير المجتمعي بطيء، ويأخذ مسارات وسياقات زمنية طويلة، ولكن قد تساهم الصدمة التي تعرض لها المجتمع الإنساني اليوم، في تسريع عملية التغيير الاجتماعي، وتدفع نحو إعادة التفكير في مختلف أنماط السلوك الإنساني، وكل الاجراءات الرسمية التي اتخذتها الحكومات، ممكن أن تُعزز هذه التغييرات إذا ما تزامنت مع نشر المعرفة بمختلف توجهاتها البيئية والطبية والنفسية و ثقافة الآخر والتنوع الثقافي، وهذا ما عبّر عنه المؤرخ والفيلسوف الفرنسي“مارسيل غوشيه” في إحدى حواراته حول انتشار الوباء في فرنسا بقوله ( تبدو الصدمة على نحو مختلف أكثر عمقا، وسيستمر تأثيرها طويلاً، وضع يقتضي شعوراً مفاده أن توازن نشاطنا الجماعي يقوم على رأس دبّوس قابل للتهاوي بشكل سريع جدا، رعب حقيقي، وماذا يتبقى؟ سوى التكهن بخصوص الطلب الجدير بالسنوات المقبلة، التمكن ثانية من العثور على أسس تتسم بصلابة أقوى).3

المصادر:

  1. جاد الكريم الجباعي، المعرفة الجاهلة والجهل العالِم، موقع مؤسسسة بلا حدود للدراسات، سبتمبر 2018م.
  2. جاك أتالي، العالم لن يعود كما كان، موفع وكالة الصحافة المستقلة الإلكتروني، 24- 3- 2020م.
  3. الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي مارسيل غوشيه:  مع فيروس كورونا، اكتشفنا السيادة ثانية، ترجمة: سعيد بوخليط ، موقع الاتحاد الاشتراكي الإلكتروني، 10-4-2020م.

4 Comments

  1. Mhmoud Aboud April 14, 2020 at 8:39 am - Reply

    ربما لا أكون متفائل جداً بتغيير النمط المتبّع لعمل العقل الجمعي ، فهذه ليست أول أزمة تجتاحنا وغيرها كذلك على أسلافنا ولم يتغير شيء ، فكلما حانت الفرصة لسماع الخطاب العقلاني نجد بالمقابل صراخ العقل المؤدلج للتشويش على المتلقي ، والناس بغالبيتها تستكين للركن السهل أو الذي اعتادته فنبقى ضمن دائرتنا المغلقة رغم تعاقب الأجيال والأزمات .
    _بالنسبة للوعي والإنتماء للأرض وحدودها في الموارد ، فهناك فعلاً من يعمل على هذا ، وربما بالكلام عن الأمر يحدث تداخل مع فكرة المؤامرة ، وأعتقد أنه هناك من يدرس ويعمل على هذا الأمر ، ولأن الحياة مترابطة بالأحداث بمجملها ، فالشعوب الأقل وعياً بهذه الأمور تشكل عبئاً على الأرض وبالتالي على الشعوب الأخرى ، وبالتالي هناك طريقة بإحداث الحروب والصراعات لديهم “مثلاً” ، فتكون المكاسب عديدة ومنها :
    1_التخلص قدر الإمكان من أعدادهم
    2_ المكاسب المادية 1_ من بيع الأسلحة والأدوية وغيرها .
    ……………….2_السيطرة على ثروات هذه الشعوب
    3_ المكاسب السياسية بصراع الأحزاب على الحكم .
    وهنا نأتي للتصنيف البشري والذي أجده بثلاث طبقات :
    1_الفوق إنسانيين
    2_الإنسانيين
    3_الدون الإنسانية
    وفكرة تجربة علاج للفيروس بإفريقيا مثال قريب .

    • kmarabia April 21, 2020 at 2:31 am - Reply

      أعتقد الصدمات الكبيرة ممكن أن تغير البشر، وخاصة لما تترك بعض الجوانب الإيجابية كأدلة على سوء سلوك سابق لوقوعها، وبالمجمل كل الفلاسفة والمفكرين والعلماء يتصورون المستقبل بشكل أنه ما قبل كورونا ليس كما بعدها، لكن للأسف تجارب الإنسانية مع الأوبئة تبين أنه الإنسان جبار ولم يهذب سلوكه مع الطبيعة ومع الاخر بشكل فارق ونوعي بعد كل وباء. نتمنى أن تكون صدمة كورونا درس كبير للإنسانية جمعاء. تغيرنا جميعا للأفضل. شكرا لأفكارك التي أثرت الموضوع

      • Mhmoud Aboud April 21, 2020 at 12:31 pm - Reply

        الصدمات تغير البشر ولكن كل إنسان على حِدة ، فالإنسان القابل للمعرفة ستكون نظرته مختلفة لأي أزمة عن الإنسان الأناني ، فالأناني سوف يتعلم من الأزمات ولكن بشكل سلبي ( استغلال الفرص _ الإنتقام _ النأي بالنفس ) إلخ ..
        ونحن هنا لم نحدث أي فرق بالمعادلة البشرية المختلة .
        متفق أن ماقبل كورونا ليس كما بعده وأن كورونا ممكن أن يكون مفصل تاريخي للبشرية ، ولكن أعتقد أن هذا التأثير سيكون سياسياً وإقتصادياً ، أما الجوانب الإيجابية الخاصة بالسلوك البشري فلم تكن يوماً إحدى المفاصل البشرية ، حتى وإن ارتفعت مستوياتها لفترات فما هي إلا طفرات عابرة .
        والشكر لكم أولاً .

        • kmarabia April 22, 2020 at 3:14 am - Reply

          دائماً التغيير الاجتماعي وأنماط السلوك الاجتماعية تأخذ وقت ومدى طويل، وتحدث ببطء شديد، ولا يُمكنها مجاراة التغيير التقني وغيره، لكن حتماً التغيير السياسي والاقتصادي الذي أشرت إليه سيؤثر بشكل مباشر في المجتمع وسياقات سلوك الناس وأنماط حياتها. المؤكد أن عالم ما بعد كورونا لن يكون مطلقا هو عالم ما قبل كورونا. كل الشكر لمتابعتك وتفاعلك المستمر

Leave A Comment