قيل إن “المعرفة قوة”، وبهذا المعنى تبدو المعرفة كمفهوم أيضاً “سلطة”، هي سلطة مُضمرة حيناً ومُعلنة حيناً آخر ، ومُسلحة بقوة تستطيع فرض هيمنتها على محيطها، وبل تمتد إلى خارجه لأبعد ما يُمكن أحياناً، وتستمد سلطتها تلك من رسوخ هذه القوة المٌهيمنة في عقول الناس كأنساق ثقافية واجتماعية متوارثة عبر أجيال، ومن ثم تُصبح ك”قوة” أداة في يد السلطة القائمة، السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية، ولاشك أنه توجد علاقة جدلية بين المعرفة وبين الأشكال المختلفة للسلطة وأنماطها، فكيف يُمكن للمعرفة أن تواجه التمثلات الاجتماعية الخاطئة، وتحد من استجابات الناس وردود أفعالهم الخطرة أو الضارة، خلال الأزمات والكوارث كأزمة وباء كورونا الحالية ؟

  استثمار العلاقة بين السلطة والمعرفة

   يُعرّج “ميشيل فوكو” في أغلب مؤلفاته وحواراته على علاقة السلطة بالمعرفة، مؤكداً أن:

(السلطة تًنتج المعرفة – وليس فقط بتشجيعها، بل لأنها تخدمها أو بتطبيقها لأنها مفيدة – وإن السلطة والمعرفة تقتضي إحداهما الأخرى، ولا توجد علاقة سلطة بدون تأسيس مناسب لحقل معرفة، ولا توجد معرفة لا تفترض، ولا تقيم بذات الوقت علاقات سلطة، وباختصار ليس نشاط  موضوع المعرفة هو الذي ينتج معرفة، مفيدة أو مُضرة للسلطة، بل السلطة – المعرفة، والعمليات والصراعات التي تجتازها، والتي تتكون منها، هي التي تحدد الأشكال والمجالات الممكنة للمعرفة).1  

لو اتخذنا من كلام “فوكو”، منطلقاً للحديث عما يجب فعله لمواجهة التمثل الاجتماعي الخطر والضار، فإن السلطة القائمة في كل مجتمع هي المسؤول الأول عن مواجهة هذا التمثل خلال فترات الأزمات والكوارث، عبر المعرفة التي تمتلكها وتنظمها وتوجهها وتحتكرها أحياناً، من جهة، ومن خلال عمليات الضبط الاجتماعي الرسمي وتفعليه، كبديل عن الضبط الاجتماعي غير الرسمي الذي يتجلى بشكل منفلت خلال الأزمات، فمن خلال آليات عدة، ووفقاً لقنوات عدة تستطيع السلطة تعميم نموذج معرفي علمي وواقعي، يجنب المجتمع ويجنبها أيضاً الانهيار، فخلال الأزمات والكوارث تتقدم السلطة إلى الواجهة في قيادة المجتمع وضبطه.

الحد من آليات الضبط الاجتماعي غير الرسمي

يتمثل الضبط الاجتماعي في العادات والتقاليد وسلطتها الاجتماعية، والمعايير العامة، والقيم والأخلاق التي تحكم سلوك الأفراد في المجتمع، وتعرضهم للنبذ الاجتماعي إذا ما خالفوها، وهذه كلها أشكال من الضبط غير الرسمي، في حين يتمثل الضبط الرسمي بالقوانين والدساتير والإجراءات الرسمية التي تقرّها الدولة، وتعرض مخالفتها الفرد للعقوبات، وقد أشار “أوغست كونت” إلى الدورالذي يمارسه الدين، والأخلاق، والمعرفة في تدعيم النظام  الاجتماعي، كما أكّد “دوركايم” على الضبط الاجتماعي بدراسته للرموز الجمعية والقيم والمثل، والنظم الأخلاقية والسياسية والقانونية التي تعتبر قواعد للسلوك.2

تنتعش خلال الأزمات والكوارث الأشكال المختلفة للتمثلات الاجتماعية والمنسجمة مع أشكال الضبط الاجتماعي، كونها نابعة من الروح الكلية للجماعة، فتكثر الشائعات، وتُفسر الأحداث يإحالات للغيبية والأساطير والخرافات..وغيرها، وهذا ما حدث مع بداية انتشار وباء كورونا/كوفيد19.

الحل الأمثل لدفع هذه الأنماط من الاستجابات المجتمعية للتراجع، هو مواجهتها بأشكال الضبط الرسمية، والتي لا تتم فقط بفرض القوانين الصارمة، ولا بملاحقة المخالفين، وإنّما بنشر الطمأنينة والهدوء في المجتمع من خلال نشر المعرفة العلمية موثوقة المصادر، إذ يجب فتح كل قنوات المعرفة المتاحة، وإغراق كل بوابات التواصل المجتمعي وقنواته بها، وتوجيه أفراد المجتمع لمتابعتها، وتعريفهم بقنوات المعرفة التي تعتبر مصادر موثوقة كمنظمة الصحة العالمية، والهيئات الصحية المحلية ، من خلال تأكيدها على مصداقيتها بانسجامها مع ما يدور في العالم أجمع.

المناعة المعرفية والمناعة النفسية

نشر المعرفة العلمية وتعزيزها يُشكل نوعاً من المناعة المعرفية في وجه الجهل وتناقل المعرفة الجاهلة*، وهذا أيضاً يتطلب الاهتمام بالصحة العقلية والنفسية، لأن أي خلل يصيب الأفراد بهذا الجانب، يُسهل عملية تقبلهم للشائعات وانسياقهم للأقاويل بفعل القابلية العالية للإيحاء، وانهيار نظام المناعة النفسي لديهم، وتفعيل الاهتمام بهذا المجال الحيوي، يتطلب وجود قنوات معرفية علمية متخصصة أيضاً، يُمكنه الرجوع إليها طلباً للمساعدة، ومحمية بقوانين رسمية، وهذا ما قامت به دولة الإمارات العربية المتحدة مؤخراُ، بتفعيلها لقوانين الأزمات والكوارث، إضافة إلى إقرار قانون الصحة النفسية الاتحادي.3  

  • حماية المجتمع خلال الأزمات والكوارث، برفع المناعة المعرفية وتعزيز المناعة النفسية والعقلية.
  • *المعرفة الجاهلة: هي أنماط معرفية متوارثة، تقدم تفسيرات وتأويلات للأحداث من منطلق اجتماعي، وعقل جمعي مليء بالموروثات الشعبية ذات الطابع العاطفي والروحي، والتي تتنافى مع المعرفة العلمية.

المصادر:

  1. ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة، ترجمة علي مقلد ومطاع الصفدي، مركز الإنماء القومي، بيروت،٦٥.
  2. سامية محمد جابر، القانون والضوابط الاجتماعية ، دار المعرفة الجامعية ، مصر ، 1997 ، ص 34.
  3. وكالة أنباء الإمارات/ وام

.

Leave A Comment