

كم من الوقت يحتاج أحدنا ليقرأ مائة كتاب في مختلف أنماط وأشكال المعرفة؟
وكم من الخبرة والكفاءة المعرفية يتطلب أمر التمييز بين أهمية كتاب وآخر، قد يحتاجه المتخصص في مجال علمي ومعرفي ما؟
وما أهمية وجود كتب موسوعية، تقدم للقارىء خلاصة لأفضل الكتب الصادرة خلال عقود من الزمن؟
هذه الأسئلة وغيرها الكثير، سنجد الأجوبة عليها، بعد أن تطرق أذهاننا، عندما نقرأ في كتاب (مائة كتاب في كتاب)، لمؤلفه الكاتب السوري “حواس محمود”، والصادرعن دار أوراق للنشر والتوزيع بالقاهرة، عام 2021م، والذي يصحب القارىء بتكثيف وإتقان من خلال 433 صفحة، في رحلة معرفية سهلة، ممتعة، ثرية جداً، يسير به ومعه إلى أنماط مختلفة من المعرفة التي تم إنتاجها على مدار عقدين من الزمن، والتي تستعرضُ وتُغطي عدد من المؤلفات في عدة مجالات، عبر ثمانية أبواب في الكتاب، والتي تضمنت ما يلي:
1-باب الانثروبولوجيا:
يعرض أربعة كتب مهمة تبحث في حياة الإنسان بعلاقته مع المحيط، وسط التغيير المتسارع في وسائل الاتصال الحديثة، وتنوّع أوعية المعرفة، وكيفية تأثير هذا كله على حياة الإنسان، وبحثه عن السعادة في مراحل حياته العمرية المختلفة، وكيفية معرفة الإنسان لنفسه وللكائنات المحيطة بطريقة تجعل لمروره العابر في هذا الكوكب إيجابياً، ومؤثراً.
* “أرسطو يقول إن النباتات هي الكائنات الأطول عمراً، لأنها تستطيع تجديد نفسها باستمرار، ولهذا تستطيع الحياة زمناً طويلاً”.
*”ما كان يعد سابقاً من قبيل الخيال العلمي، أصبح الآن واقعاً مدهشاً، لم يعد لم يعد تسجيل الذكريات، والتخاطر من بعد، وتصوير الأحلام والتحكم في العقل والتحريك بالدماغ أموراً ممكنة وحسب، بل إنها تتحقق عملياً”.
*” يمتلك الإنسان قوة مغناطيسية هائلة، هذه القوة تستطيع أن تحقق المعجزات، إذا عرف كل شخص كيف ينميها ويوجهها نحو أمور إيجابية”.

2-باب الإعلام والعولمة:
تضمن استعراض لأبرز المعارف حول مفهوم “العولمة” ومستقبل البشرية، والعلوم الاجتماعية في تناولها للعولمة فلسفياً، واجتماعياً ونفسياً، وأبرز تجلياتها الثقافية والتقنية، وآثارها في ضوء علوم المستقبليات، وارتباطها بمفاهيم العصر كالحداثة والمعاصرة وما بعد الحداثة… وغيرها، والدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في هذا السياق، والثقافة الرقمية وأثرها على دماغ الإنسان، والإعلام الفضائي في العالم العربي وسياقات تطوره بدءاً من الإذاعة للعصر الراهن، وعصر الصورة وأثرها البالغ على حياتنا، وخاصة على الأطفال من خلال إدمان مشاهدة التلفزيون وما يوازيه اليوم من أوعية إنتاج سمعبصرية، وما أنتج بهذا المجال من وسائط متعددة تجلت في مواقع التواصل الاجتماعي، وما أحدثه “الفيسبوك” من نقلة نوعية في هذا المجال محدثاً “ثورة” في حياة الناس، وخاصة خلال فترة الاحتجاجات الشعبية التي انفجرت في عدد من بلدان العالم العربي ودول الإقليم.
*”لولا نيوتن لما كان كانط، الذي أحدث ثورة كوبرنيكية في مجال الفلسفة، عندما قال إن ملكة المعرفة لدينا هي التي تشكّل المعرفة، وليست الأشياء أو الظواهر المحسوسة هي التي تشكلها”.
* “كيف نواجه الغزو الثقافي؟ وما هو هذا المفهوم؟”.
* “العولمة والعالم الافتراضي والتفاعلي، لن يكونا بديلاً عن الواقع الحقيقي،المكاني، لكنه – العالم المكاني – يتأثر بهذه العمليات”.

3-باب فكر، فلسفة وسياسة:
يتضمن استعراض لأهم مؤلفات وأعمال الفلاسفة والمفكرين المعاصرين، في اللاهوت، والفلسفة وقضايا الإنسان المعاصر، وأبرز التحولات الفكرية والفلسفية المعاصرة، والإسلام والحداثة، وما يتضمنه هذا الطرح من إشكاليات متعددة الأوجه، أبرزها جدلية الديني – المدني …وغيرها، إضافة إلى الليبرالية بأبعادها المتنوعة، وسؤال الحرية المطروح دائماً على شعوب منطقتنا، وتجليات الهزيمة -هزيمة 67- وأثرها على الفكر في عالمنا العربي، ومظاهر وأسباب تخلفنا، وأزمة العقل العربي معرفياً وسياسياً، ومفهم الثورة في الفكر العربي المعاصر، ومفاهيم الاستبداد، وصناعة الطاغية، والديموقراطية وتحديات بناء الدولة العصرية في عالمنا العربي، وإشكاليات الإصلاح في مواجهة الطائفية، والتعصب الديني والتطرف وغيرها… ، وبروز الصين كأهم الأقطاب العالمية في القرن الحالي، ورؤى حول المستقبل ومحركات التغيير العالمي من منظور سياسي، واجتماعي، واقتصادي وتقني، وقراءات في الثقافة العربية الراهنة ومشكلات التنمية، وواقعنا الحالي في مواجهة استحقاق التغيير، والبحث عن مستقبل بلا عنف، وحداثة تتناسب مع هوية المجتمع وتواكب العصر، وغيرها من أفكار ومعارف ترتبط بعالم السياسة بأبعادها المختلفة .
4-باب تربية واجتماع وعلم نفس:
يتناول أهم المؤلفات في مجالات العلوم التربوية، والاجتماعية والنفسية، وأبرز ما يشغل هذه العلوم في الوقت الراهن، من مفاهيم الصداقة كقيمة أخلاقية عليا، والعنف ومظاهره وأسبابه، والعنف ضد المرأة، والعصبيات الفئوية وخطورتها على المجتمعات، والعلاقة بين البعد الاجتماعي وبناء الدولة ومفهوم الأمة في عالمنا العربي، ومفاهيم مدن المعرفة ومظاهرها، والمجتمع المدني والتسامح كقيمة إنسانية سلوكية، وكيفية تمظهرها في بعض المجتمعات العربية كالمجتمع العراقي، إضافة إلى عدد من المعارف التربوية والنفسية الخاصة بالطفل، ومراحل الطفولة ومفهومها عالمياً، وعلاقة الطفل بالمدرسة ورفضه لها أحياناً، ودراسة ظواهر محددة في الوسط الثقافي العربي، كظاهرة الانتحار وغيرها، والعديد من القضايا والظواهر النفسية والاجتماعية الراهنة.
* “الحب حاجة إنسانية أصيلة، تضرب جذورها في العمق الإسان ، وهي تشكّل منطلقا لنمو الفرد وازدهاره”.
*” إن وصف المدرسة بأنها نظام من السلوك، يعني إنها نظام يدير ويعزّز بعض أنماط الفعل الإنساني المحدّد، الذي يظهر على شكل بنية سلوكية، تتكرر يوماً بعد يوم”.
*”المجتمع المدني يحيل على فضاء الحرية في الفكر والعمل”.
*” إن فقدان السلطة يصبح مغرياً لأصحابها بإحالال العنف محل السلطة، وحين يحكم أحدهما (العنف، السلطة)، حكماً مطلقاً، يكون الآخر غائباً”.

5-باب أدب وفن ونقد:
يستعرض هذا الباب مؤلفات عدة، تتناول مجالت سينمائية من مثل “قضايا السينما العربية”، إضافة إلى قراءة في بعض الأعمال الأدبية، من ضمنها قراءة في روايتين للروائي “جان دوست” وهما ( مارتن السعيد، ودم على مئذنة)، إضافة لعروض لعدد من المؤلفات في النقد الأدبي والشعر، وترجمات عن الشعر السويدي، وبعض من مختارات لشعراء حازوا على جائزة نوبل، ونماذج شعرية لشاعرات من الخليج العربي، ومختارات من الشعر الكردي، وقراءة حول الأدب الكردي، والمسرح الشعري، ومسرح الطفل، وغيرها من موضوعات أدبية وفنية ممتعة، وشيّقة، وكتب نقدية رصينة المحتوى، وغنية بالمعرفة المتنوعة.
*” إن الظروف الاجتماعية التي ولد فيها الفلكلور الكردي، قدأ كسبت هذا الفن محتوى واقعياً عند جميع الشعوب”.
*” إن نثر محمود درويش الجميل هذا، يدفعك دفعاً إلى التأمل في أسرار جاذبيته، وكيف تتغير وظائف الكلمات ومعانيها، مثل لوحة فنية دقيقة التركيب، والتكوين والألوان”.
*” وينجح المؤلف- جان دوست – في الإتيان بمشهد روائي، يمكن أن يكون تعبيراً إسقاطياً من ماضي المنطقة الإسلامية على حاضرها”.

6-باب ثقافة:
يعرض مضمون مؤلفات ثقافية عامة، ومتنوعة لأبرز قضايا الثقافة المعاصرة بارتباطها بالماضي، من مثل ظاهرة حرق الكتب والمطبوعات، على سبيل محاربة الأفكار وقمعها ومنع انتشارها، وحصار المثقف العربي بلقمة العيش والتشرد واللجوء من خلال نموذج المثقف العراقي، وتحديات الثقافة العربية الراهنة، والثورة الثقافية الرقمية، والمثقف العربي في استحقاق مواجهة العولمة، وحوارات في الثقافة المعاصرة…. وغيرها.
*” الروائي والإعلالمي العراقي زهير الجزائري فيقول إن كردستان علمتني حب الطبيعة، ومواجهتي للاستبداد والمستبد كانت محور معظم نتاجاتي الأدبية”.
*” أخذت مسألة الثقافة والمثقف في الآونة الأخيرة حيزاً هاما ً، وكبيراً من اهتمامات النخبة الثقافية والفكرية العربية، ولعل هذا يتأتى من حجم وأهمية الدور المناط بالمثقف في الظروف العولمية الراهنة”.
* كيف سيتعامل علم الاجتماع مع ظاهرة جديدة، متحوّلة، متقلبة، وهي أثر الثورة الرقمية في القطاع الثقافي، مع غياب القدرة على التكهن بمآل التشكيل الجديد للمجال الثقافي”.

7-باب حضارة وتاريخ وشخصيات:
يستحضر أهم المؤلفات التي تتناول الحضارة ومضامينها، وتاريخ بعض الشعوب، والعلاقات التاريخية بينها، كالعلاقة بين الأرمن والكرد عبر التاريخ، والرواية السريانية للتاريخ الإسلامي، وتاريخ الحوريين وحضارتهم، والتي تُعتبر من أهم الحضارات التي قامت في سوريا القديمة، وموضوعات ذات بعد حضاري ثقافوي كالاستغراب والاستشراق، وتاريخ الكتابة وسياقاته وتأثره بسياقات الحياة الأخرى، وتاريخ مدينة دمشق وأهم التحولات الكبرى التي عاشتها المدينة، من خلال عدد من الشخصيات التي عاشت فيها، وتاريخ مدينة القامشلي وتطورها الاجتماعي والعمراني، وصورة الإنسان في العصور الوسطى وأبرز ملامح تمظهرات تراثه المعنوي وثقافته، إضافة إلى موضوعات تتناول شخصيات بارزة في مجالات عدة، كقادة ثورات القرن العشرين وأبرز المشتشرقين…وغيرها من شخصيات ساهمت في صياغة أوجه الحياة المختلفة، ورؤية في كتابات الرحالة كمصدر تاريخي مهم وشاهد على أحداث مناطق جغرافية معينة… وغيرها.
* “ولا يعني مصطلح (المؤسسة الاستشراقية) بالضرورة أن يكون مؤسسة استعمارية، عبر تفريغها من مضمونها العلمي والمعرفي والحضاري”.
*” لقد فرضت الحضارة الأوروبية نفسها وشروطها، وأصبح التاريخ الحديث لهؤلاء الأخرين – وبشكل مركزي – مسألة مرتبطة بتعودهم على تلك الحضارة، باعتبارها ناقلة للحداثة”.
*” إن النصوص الرحلية التراثية تزخر بالكثير من المواد الاثنوغرافية التي تصف الحضارات والشعوب في حقب متفاوتة، تمثل رصداً ثقافياً ماديا ً، وحفريات حية، بإمكانها أن تقدم منظورا ً مختلفاً عن العصور الوسيطية، التي كان فيها العالم العربي الإسلامي يقود سفينة الحضارة ويتربع عرش السيادة”.

8– باب اقتصاد:
يعرض كتاب (تحولات الطبقة الوسطى في الوطن العربي)، والذي يلقي الضوء على أهم الملامح السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طبعت الطبقة الوسطى في المجتمعات العربية، وما طالها من تغييرات وتحولات كبرى ومفصلية، وقراءة في تصورات هذه الطبقة في عدد من المجتمعات العربية حول القضايا الراهنة، ورؤيتها للظواهر الطبقية في المجتمع، وما آل إليه مصير هذه الطبقة.
*” إن الفساد والظلم الاجتماعي في توزيع الثروة وقمع الحريات، هي عوامل مشتركة حاضرة في معظم ثورات ما سميت بالربيع العربي”.
في أهمية الكتاب:
بعد العرض السريع لأبرز محاور الكتاب، لا بدّ من التنويه إلى أهميته البالغة، والتي يكتسبها من طابعه الموسوعي الشامل معرفياً لمختلف جوانب المعرفة، ومن ثم ما يُمثّله من عودة إلى نوع من الكتابة بتنا نفتقده في ثقافتنا العربية، والذي يُعتبر من تقاليد الكتابة العربية ومدوناتها، إذ يذخر التراث العربي بموسوعات الأعلام والمؤلفات، والتي كانت تُشكل هداية وثقافة موسوعية غنية، ترشد الباحثين والمهتمين إلى الوجهات التي يقصدونها معرفياً، وتسهّل عليهم الوصول للمصادر، كما يكتسب الكتاب أهمية بالغة بالنسبة لجيل الشباب، والذي اعتاد القراءة السريعة، والتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، والأوعية البصرية، كونه يقدم لهم وجبة دسمة وطازجة لأبرز المؤلفات الحديثة، والتي يُمكن تناولها وهضمها بيسرٍ وسهولة.
أما الأهمية الأكبر للكتاب، فهي إضافة إلى ثرائه بالمعلومات، فإنه يوجه القارىء المهتم إلى أهم دور النشر التي يُمكنه أن يقصدها بهدف النشر أو اقتناء الكتب، إضافة لما يقدمه للباحثين من فائدة تيسر الوصول للمعلومات الخاصة بتوثيق الكتب، من مثل عدد الصفحات وتاريخ الطباعة، وأهم المؤلفين في مجالات مختلفة، وما يُضيفه من رصيد معرفي خاص بمصادر المعرفة الأساسية.
من الجدير بالذكر أيضاً، أن منهج ترتيب الكتاب، والنهج الذي سار عليه المؤلف في توزيع فصوله وأبوابه، يُعتبر ميزة أخرى، تُسهل على القارىء إمكانية الاطلاع على ما يرغب من خلال الفهرس، وعدم تكبّد عناء قراءة كافة الفصول إن كان لا يرغب بذلك أو لا يملك الوقت المتاح، وكل ما سبق ذكره يجعل هذا الكتاب من أهم الكتب لعربية الصادرة حديثاً، والجديرة بالاقتناء، والاحتفاظ بها في المكتبة الخاصة، كونه من المؤلفات القليلة التي قد يحتاج القارىء والباحث العودة إليها دائماً، وذلك لغناه بالمصادر ومضامينها الثرية.
-ملاحظة: العبارات المُشار إليها بالنجمة* هي مختارات من الكتاب.
*إعداد: خولة حسن الحديد.
