معلْم تاريخي وحضاري ينقصه الترويج والاهتمام
في اليوم العالمي ل”اللغة العربية، وعقب تسجيل “الخط العربي” على لائحة التراث العالمي للإنسانية من قبل منظمة اليونسكو، حريٌ بنا أن نستذكر أحد أهم المواقع التاريخية في مدينة دمشق، والتي تحولت إلى متحفٍ للخط العربي منذ سبعينيات القرن الماضي.
يقع متحف الخط العربي في مدينة دمشق القديمة، في حي الكلّاسة إلى الشمال من الجامع الأموي، وهي واحدة من بين 20 مدرسة أثرية موجودة في هذا الحي الدمشقي القديم، الذي كان يطلق عليه اسم “الحي الجامعي”، لكثرة ما فيه من مدارس ودور تعليم.
مبنى المتحف هو مبنى ما كان يُعرف ب”المدرسة الجقمقية”، إلى الشرق من المدرسة العزيزية/ ضريح صلاح الدين الأيوبي، وقد تأسس المتحف علم 1974م، ليضم نوادر المخطوطات القديمة، وبانوراما تبين مراحل تطور الخط العربي، وأهم الكنوز الأثرية الخاصة بالخط العربي.

تاريخ المبنى مبنى المتحف….
بُنيت المدرسة الجقمقية من قبل المعلم “سنجر الهلالي” وابنه “شمس الدين الصائغ”، وكانت تسمى حينها “دار القرآن الهلالية”، ثم صادرها الملك «الناصر حسن» عام 761 هـ، وبنى فوقها داراً للأيتام، وفتح لها شبابيك من الشرق، ورصد لها الأملاك والحجج، وبعد مقتله عام 772 هـ تحوّلت إلى مدرسة للصوفية، ويُفال أن من أمر ببنائها هو نائب دمشق الأمير “سيف الدين جقمق” وذلك عام 1421م، وما زال قبره موجود فيها مع قبر والدته، في مدفن داخل المدرسة، ولذلك سُميت بالمدرسة الجقمقية.
في عام 1919م، تحولت المدرسة إلى مقر لحلقة المولوية الدينية، وتعليم الأطفال القرآن الكريم، وأصيبت بقنبلة خلال الاحتلال الفرنسي لسوريا، وذلك عام 1941م، وتعرضت إثر ذلك للضرر، إذ تهدّم سقف قاعتها، والجزء الأعلى من جدرانها، وقد تم ترميمها بعد عدة سنوات، وأصبحت متحفًا للخط العربي عام 1974م.
الجمال المعماري للمبنى

تُعتبر المدرسة نموذجاً كاملاً عن فن العمارة المملوكي، كما أنها من أجمل المدارس في زخرفتها وتصميمها، إذ تحمل ميزات العمارة المملوكية من حيث هندسة البناء، والزخارف والتصميم.
يمتد المبنى على مساحة مستطيلة قدرها 285 متراً مربعاً، يضم صحناً عبارة عن باحة تتوسطها بركة ماء على شكل مثمن، وهناك أربعة أواوين مختلفة في الأطوال، بالإضافة إلى تربة تعلوها قبة عالية من الجهة الشرقية، وللباحة سقف خشبي، وزخارف ملونة من الداخل والخارج، ذات طراز معماري مملوكي.
بُني المبني بالمداميك الحجرية البلقاء، وتزين أعلاه شرفات مورّقة، كما يطوّق منتصفه وعبر الجدارين الشمالي والشرقي، شريط منقوش عليه كتابات تاريخية، ويمتد تحته شريط مزرر، وتزين أعلى زاوية التقاء الجدارين المذكورين، مقرنصات بسيطة من الحنايا والمحاريب.

يتجلى في المبنى الإتقان المعماري تجلى بأبهى صوره، وقد تجسّد بأشكال مختلفة، منها الزجاج المعشّق بالألوان الزاهية، والتي تعكس أشعة الشمس على على البحرة والأرضية المرصوفة بالرخام، بطريقة تملأ المكان بالضوء المتلألىء، والفسيفساء والموزاييك اللذان يزينان المحراب، المطعّم بآية الكرسي، المكتوبة بخط الثلث، والذي يُعتبر من أجمل وأهم المحاريب الموجودة في دمشق، إضافة إلى الزخرفة الكتابية لسورة الملك، المكتوبة بخط الثلث على كامل مساحة الجدار الغربي للمبنى.
كما يتميز المبنى بالأقواس الضخمة، والمقنطرات، والسقف المزين بالعجمي، الذي تتداخل فيه الزخرفة النباتية مع الأشكال الهندسية.
محتويات المتحف وأهميتها التاريخية والفنية
يضم المتحف، بانوراما تاريخية لمراحل تطور الخط العربي، والأدوات التي كان يستخدمها الخطاطون والنساخون، من خلال المكتشفات الأثرية بأشكالها المختلفة، من جلود الحيوانات، إلى الحجارة البيضاء المسطحة، إضافة إلى الجلاميد البازلتية، والصخور المكتوب عليها بالخط الكوفي القديم، مع نماذج خطية تطورت عن الخطوط الأصلية.
كما يضم المتحف، نماذجاً لمختلف أنواع الخطوط كالرقعة، النسخ، الديواني، الفارسي، وجدولاً يبين تطور الحرف العربي تاريخياً على مراحل زمنية مختلفة، وصولاً إلى المرحلة الراهنة، وقد قُسِمت المعروضات بحسب المراحل التاريخية، حيث توجد معروضات لأعمال تعود إلى ما قبل الإسلام، ومنها نقش النمارة للشاعر امرؤ القيس، تشابه ما وجد في جبل السيس، ونسخ نادرة للقرآن الكريم، وصفحات من المصحف، كتبت على ورق الغزال تعود للقرن الثالث الهجري، كما يوجد معروضات لأشكال قديمة للخط العربي، كخط الرقاع، والحيري الذي كتب به العرب المناذرة في الحيرة، والمقتنيات الأخرى، موزعة على خزائن العصور التاريخية: ( الأموي، العباسي الأيوبي، لمملوكي، العثماني).
أهم مقتنيات المتحف
إضافة إلى نقش النمارة ( نقش امرؤ القيس)، يضم المتحف كتابات عربية تعود إلى ما قبل الإسلام، وصدر الإسلام، كنقش شاهد قبر زيد بن ثابت، وشواهد قبور تعود إلى الفترات العربية والإسلامية المبكرة، ومخطوطات قرآنية قديمة جداً، وثلاث نسخ عن رسائل كتبت زمن النبي العربي محمد عليه السلام، موجهة إلى عدة ملوك.

إضافة إلى كتابات على الفخار والمعدن والزجاج، تعود إلى القرنين (12- 15)م، تتوزع في زوايا المتحف، ومجموعة من وسائل الخط، والأقلام، والمحابر القديمة، ومقتنيات مهمة لأبرز الخطاطين، وعدد مهم من المخطوطات النادرة، التي كُتبت بأشكال مختلفة من الخط العربي.

لا شك أن هذا المتحف، كنز حضاري مهم، ومركز تعليمي لم ينل حقه من الاهتمام والترويج، فهو من المراكز الحضارية والفنية المهمة، والجديرة بأن تُصبح مقصداً للزوار والحروفيين، والمهتمين بالخط العربي، والتاريخ العربي والإسلامي، والدراسات اللغوية العربية، فالمبنى الحالي يقع في شارع فرعي، داخل بيوتات دمشق القديمة، ولا يوجد ما يُستدل به عليه، إلا لوحة وحيدة قديمة مكتوبة باللغتين العربية والانجليزية، تشير للمبنى وقد عُلِقت على زاويته الشمالية، واليوم وتزامناً مع تسجيل الخط العربي على لائحة التراث العالمي كتراث إنساني، من الممكن استثمار هذا الأمر لدعم المتحف وتطويره، والترويج له ليصبح منارة مهمة يقصدها الجميع.
*المصادر:
*صحيفة الشرق الأوسط، السبـت 10 شـوال 1429 هـ 11 اكتوبر 2008 العدد 10910.
*آثار، أطلس المواقع التاريخية والسياحي في العالم: https://aathaar.net/ar/place/5623
*مُشاهدات الكاتبة الشخصية.
**إعداد: د. خولة حسن الحديد
