في وسط غابةٍ مظلمةٍ كثيفة الأشجار والرمال، يجد نفسه مرمياً على الأرض، وهناك يدٌ حمراء كبيرةُ الحجم تعصر حنجرته، يهلع من الموقف الذي لا يعلم كيف وجد نفسه به من غير دراية، يحاول إبعاد اليد التي تحاول خنقه، ولكن كلما زادت محاولته ازداد الضغط على أنفاسه أكثر، يضع كامل قوته في محاولةٍ كان يعلم أنها الأخيرة، إلى أن تمكن فعلاً من إبعاد تلك اليد عن رقبته، ينسلُّ منها هارباً، راكضاً متخبطاً، ولكن تلك اليد لا تزال تلاحقه كقدره، إنه يشعر بها خلفه، بل يشعر بها خلف نقرته مباشرة، يحاول أن يزيد من سرعته، فيتفاجأ بيد أخرى تخرج من جانبه، ينحرف قليلاً لليسار فيتمكن من تجنبها، تظهر يد أخرى من الجانب الآخر للدرب، ثم يد ثانية، وثالثة وعاشرة، أيدي كثيرة تحيطه من كل الجهات وتحاول الإمساك به، وهو لا يزال يركض، يناور، يبكي ويصرخ لكن بصمت، تُشرخ الأرض وتَخلق هوّة كبيرة أمامه، يزداد خوفه ولكن لا مجال للتراجع، يُزيد من سرعته أكثر فأكثر، الأدرينالين يبدأ بالتهامه بنهمِ رضيعٍ جائعٍ لصدر أمه، تقتحم عقله فكرة سريعة، إن كان الموت محقق، إذاً يبقى لدينا الخيار بانتقاء نوع وكيفية هذا الموت، وتساعده هذه الفكرة باتخاذ القرار، تقترب الأيدي منه أكثر، اجتمعت كلها سويَّة وشكَّلت ظلاً في الظلام!

 تَسَريَل المشهد أمامه، وباتت الهوَّة كما الطريق المستقيمة، فقد التحم الظلام بالظلام، والنهاية بالنهاية، وانفصل الظل عن الظلام، فللظلام ظله كذلك، تقترب اليد العملاقة منه، تلامس قبَّة قميصِه ذو اللون الأخضر الداكن، يصل إلى حافة الهاوية يقفز كالعادة، ومن دون تردد من المجهول إلى المجهول.

في هذا العبث المنظم، في هذا العالم الجامح، في هذا التكرار العشوائي، في كل تلك المتناقضات المتناسقة، في الحروب الوديّة، في تصنيف الأسلحة القاتلة بين محللة ومحرّمة، في لهو الأطفال، في لغو الكبار، في كذبة النصر، في الموت المحتوم، في الهزائم الساذجة، في العزلة المكتظة بالأفكار، في حر الصيف واجتماع العائلة، في الموقد المنطفئ منذ زمن، في البطون الفارغة، في دهشة الحياة بعين طفلٍ نجا من موتٍ مفاجئ، في البطولة الخارقة، في تفاصيل خطوط متعرجة للوحة ماندالا بمقاس كبير، في هذا الليل القبيح كقبح الواعظ الذي لم تتعظ نفسه، في قذارة الإنسان الموغلة في القتل، في مفاهيم الصداقة التائهة، في صوت الفأر الذي يقذف آخر صرخاته وهو بفم قط جائع، في تحطم كبير لم يصدر أدنى صوت، في هذا كله، هناك ظلٌ بعيد تاه عن صاحبه في يومٍ مشمس، يختبئ عن الأعين ويجلس متكوراً بذاته ينتظر جرس بداية النهاية.

…

أغمض عينيه وقفز إلى الهاوية بشجاعةِ من اُستلبت منه كل الخيارات، وبدأ بالارتقاء، شيئاً فشياً نحو الأسفل، ببطء شديد، وسرعة مخيفة، وبعد مرور دهر من الزمن من التخبط والخوف، أيقن أنه لا يزال على قيد الحياة، فبدأ بفتح عينيه شيئاً فشيئاً، وراح يشاهد النور لأول مرة، حاول جمع تفاصيل محيطه، ارتسمت الابتسامة على محياه، وحين بدأ بعدِّ التفاصيل الجميلة من المشهد الأخير، انبثقت تلك اليد من جديد، ولكن هذه المرة من منتصف رأسه تماماً، أحكمت قبضتها عليه، وقتلته موتاً لحد الغرق وبكل هدوء، حينها فقط علم أن الزمن لن يتوقف لانتظاره، بينما كان يحاول اِلتقاط أنفاسه المبعثرة، وبلحظة واحدة يمكن أن ينهار كل اليقين.

عاد من جديد ذاك الصوت من داخل الغابة المكتظة بالأشجار السوداء، يكلّمه بصوت واثق كالصوت الذي اعتاد سماعه من داخله: سيعملون بجهد على إبقائك خائفاً، خائفاً من كل شيء حتى من ظلك المعاق، وحين يتمكن منك الخوف سيلتهم روحك، ستنطفئ عيناك، وستموت متكئاً على عصا الذل المكسورة، فالخوف يسلب من الإنسان كل شيء.

فيبتسم لآخر مرة، فالآن انكشفت هوية المجهول الذي كان يخافه.

*الكاتب السوري: محمود عبود.

*الأعمال الفنية للفنان المصري”ياسر نبايل”.

Leave A Comment