خذ الحكمة من أفواه المجانين فكل مجنون نبي، ولطالما شدّتني فكرة السفر عبر الزمن، فتجدني أبحث بالإنترنت عن المعلومات والأفلام الوثائقية وأطالع الكتب وأقلّب الوجوه لعلّ الصدفة تحملني للقاء أحدهم فتدوّن تحت سبق صحفي باسمي، وبالحقيقة المجردة جداً فقد قابلت الكثير من المسافرين عبر الزمن، ولكن لا أحد أخذ كلامي على محمل العقل ونعتوني بالجنون، فبرأيي أن أولئك أصحاب الوجوه المغبّرة القادمون إلينا ليكملوا حربهم التي لن تنتهي أبداً ماهم إلا مسافرين عبر الزمن، وهم يمتلكون مساحات كبيرة ومهرجين أكفّاء وسحرة وبعض التنانين الضخمة أبناء العاهرات الذين يلفظون النيران، كلما بدأ الجمهور بالخمول والنعاس.

وينتهي الفصل الأول من المهزلة الأبدية بسكب الدماء من جديد.

جمعت أطرافي وسحبتها خلفي حاملاً كيس قمامة على رأسي و حقيبتين صغيرتين، وضعت بهم ملمعاً للماضي، قناعين للوجه، تبغ معتّق – الكثير من التبغ -، وصورة لي وأنا بعمر الثالثة على حصان عربيّ أصيل، ويقف والدي بجانبي مزهواً.

أثناء مسيري إلى موقف السيارات الذي سأنطلق منه، رفعت رأسي صدفةً للأعلى ودهشت لما رأيت، فالحيّ الذي أقطنه وكأني أراه لأول مرة، ورحت أحك رأسي المتسخ وأتساءل هذه المباني أين كانت؟! وكيف مرت كل هذه السنين ولم أراها بشكلها الحقيقي والكامل؟! ماالذي منعني من النمو للأعلى؟!

لم أفكر كثيراً بالإجابة، فالأرض تحتي ثابتة جداً وكلي ثقة بذلك، ورحلت.

 إلى الآن لاتزال خناجر كف المدرّس مغروسة على خدي الذي لم يزهر بعد، وإلى الآن أطوي قلبي على نفسي وأنام وحيداً حزيناً بالظلام، فأنا لا أعلم من الذي قتل “الحسين” لَعلّي كنت موجوداً وقت الجريمة، أو قريباً بعض الشيء، ولكني لاأذكر شيئاً عن التفاصيل، وكل ما أخشاه أن يكون عقلي قد تلوّث بالدماء.

والفكرة ياصديقي ليست بالأحزاب أوالجماعات، شيوعية أو رأسمالية، حزب علي أو حزب عمر، الفكرة بمصالحنا فقط، والحاجة الدائمة لقائد يكذب علينا بثقة وصوت مرتفع، فلكل جماعة نبي ورب لامرئيين، إلا إن وطأت قدمك ذيل الأفعى حينها ستُلدغ، فالرؤوس مدفونة بالتراب ياصديقي، وعلينا الحفر كثيراً لنصل إليها ونستأصلها.

بقلم: محمود عبود/ كاتب سوري

Leave A Comment