*مذكرات ابني نديم في السنة الأولى بعد اكتشافه للمداعبة

لم أمسك بحقيقة مطلقة أو كاملة إلى اليوم، مجرّد أكاذيب حقيقية، تشويش، تحريف، إيهامات، سراب، الصورة حولي مبهمة جدّا والتركيز غير ممكن إلى الآن، وكأن هذا الأمر البسيط يفوق قدراتي، وعندما وصلت لمرحلة متقدمة من الشتات والضياع أصابني يأس من كل شيء ، وفقدت ثقتي بنفسي تماماً وتهت بين الجموع وجثوت على أقدامي أبحث عن اسمي كضرير خانته السبل، حينها قررت أن أقدّم أوراق لجوئي للجنة، وكان الرد سريعاً جداً على غير توقعاتي، أخبرتني حينها الملائكة برسالة إلكترونية تعرب فيها عن أسفها، بأن الآلهة كتبت على صحيفتي بالخط الأحمر العريض “ملعون ليوم يبعثون”، وقُفل الدرج على الملف إلى الأبد، وأنا لا أمتلك بكل حال واسطة الفقيه أو الشيطان ليعاد النظر بملفي.

 إن الآلهة تجيد التراجيديا كما تعلم ياصديقي، وتتفنن بها كمثقفينا ، ولكن ذلك لم يمنعني من طرق الباب الآخر لعلي أجد النور الذي يخرجني من الظلام الثقيل المحيط بهالتي، وقررت أن أغير طريقي بعض الشيء عند المفترق السابع من حينا، وأن ألجأ إلى أحد مثقفي الحي العظام جداً، وكما تعلم فإن مثقفي حيينا أنيقون، لا قمل برؤوسهم ولاشيء، ويرتدون البدلات الرسمية وربطات العنق وقبعات مسطحة، ويلمعون أحذيتهم بألسنتنا وعقولنا، وهذا أقل مايمكننا أن نقدمه لهم، امتناناً على الجهود المبذولة منهم ببناء ذاك السور بينهم وبين باقي أبناء الحيّ البسطاء، وكان الشارع الذي يقطن به مثقف حيينا مزدحم ومضيء بشكل مخيف، وعلى كل حائط عبارة منسوبة له على حد زعمه، أو صورة وهو جالس خلف مكتبه ينفث الدخان وبيده كتاب وقلم كما هي العادة، أصل لمنزل مثقفنا الوقور بعد أن أضناني التعب وأكلت الطريق ربع جسدي، منهكاً، متداعٍ ومنهار تماماً ، أطرق على الباب بهدوء، فمثقف حيينا لا يحب الضوضاء، خرج لي مشكوراً وتأثر جداً لحالتي، وكانت هنا الأمطار قد بدأت بالهطول، وقف مثقف حيينا على باب منزله من الداخل يعبر لي عن حزنه وأسفه على حالتي، وأنا كما تعلم ياصديقي لا يزال المطر يحفر السراديب في جسدي المتمزّق، ولكني كنت راض بالأمر، فالهدف المهم هو أن أجد نفسي، وسأتحمل أي صعوبات إضافية، وبدأ مثقف حيينا مشكوراً حديثه بعد أن أعطاني سيجارة من النوع الفاخر – دام فضله – قال ياعزيزي المغفل هل تعلم ما الفرق بين المطر والغيث ؟

قلت: أين أجد نفسي ياسيدي ؟

فضحك عليّ ملء بطنه ويده تضرب مؤخرته بقوة، ومن ثم طردني بأسلوب مثقفينا – رافقتك السلامة ياعزيزي الجاهل – وأغلق الباب على لساني.

لوحة الفنان السعودي أحمد عبد الله البار

عدت أدراجي مذلولا،ً والريح تتلاعب بي كريشة طائر لاثقل لي ولا فائدة ، واكتشفت أن مثقفي حيينا يخشون لمسنا أو حتى الاقتراب منا، فهم على ما أعتقد يظنون بأننا نحمل فيروساً لوباء خطير، لا أدري، وربما يكونوا محقين في ظنونهم نحونا، وربما نكون مصابين بالطاعون الأسود، وهو قاتل كما تعلم ياصديقي بكل حال، ولكني متأكد أنه بيوم ما ستخرج حشود الزومبي من مكامنها وتأكلنا جميعاً، إنهم يدفعوننا للموت المريع ولاشيء ذو أهمية بكل حال، وكم أتمنى لو أني أستطيع أن أصنع من أفكاري كلمات مفهومة، لأخبر بها من أريد بذلك، إلا أني أفشل كثيراً، ولكني متأكد أنه سيأتي ذلك اليوم الذي سيذوب به جبل الجليد، وحينها ستفيض عيناي بالدموع .

*بقلم: محمود عبود/ كاتب سوري

*لوحة الغلاف للفنان العراقي سعد الطائي

2 Comments

  1. Nabil Ibrahim May 20, 2020 at 12:51 pm - Reply

    جميل هذا الخيال, لكن لم استطع ان أعثر بما خدم العنوان ” …بعد اكتشافه المداعبة” بما ذهب اليه النص؟

    • Mhmoud Aboud May 20, 2020 at 7:56 pm - Reply

      بعد اكتشافه للمداعبة. هي بديل عن ذكر العمر بالأرقام أو التاريخ، وعادةً بهذا العمر يكون المراهق واثق ومتعصب لآراءه وأفكاره و وإلخ… ولكن هنا “نديم” بدأ كتابة مذكراته بهذا العمر بالشك والتيه _المعرفة المبكرة قاتل خفي.

Leave A Comment