
إن أحد أهم عوامل نجاح إدارة المعرفة داخل المؤسسات والمنظمات هو عامل “مشاركة المعرفة”، لأن هذا يُسرّع من عملية التعلّم، ويجعل جميع أفراد المؤسسة على إطلاع كافٍ بما تتطلبه آلية العمل، وأيضاً تتوفر لدى الجميع الخبرة اللازمة التي تؤهل كل فرد في المؤسسة للإجابة عن الأسئلة التي توجه له كفرد يُمثل الجهة التي ينتمي إليها مهنياً.
يرفض بعض الموظفين مشاركة معرفتهم مع الآخرين كي لا يفقدوا قيمتهم، وذلك تقديراً منهم بأن ما يعرفونه هو السبب في تقدير الآخرين لهم، وهذا ما يُسمى ب” احتكار المعرفة”، ولهذه الظاهرة نتائج سيئة على آلية العمل ومخرجات المؤسسات برمتها.

تٌشكل ظاهرة “احتكار المعرفة” مشكلة حقيقية عبر العصور، وتظهر جلياً في العصر الحالي، وهذا الاحتكار سبب أساسي في الفجوة والهوة الكبيرة بين المجتمعات وفرزها كمجتمعات متقدمة وأخرى متخلفة، وقد يكون مبرراً هذا الاحتكار إذ ما تم تقدير كلفة تلك المعرفة من مال ووقت وطاقات بشرية يحتاج تأهليها لسنوات طويلة، ولذلك باتت المعرفة أحد أهم مصاد اقتصاديات العديد الدول.
لا يقتصر احتكار المعرفة على الهدف الربحي فقط، بل بدرجة أساسية هدفه هو الحفاظ على النفوذ والسيطرة والتحكم على مفاصل العالم، إضافة إلى الأبعاد السياسية الكامنة وراء حمى التنافسية التي يعيشها أقطاب العالم اليوم وشركاته المتعددة الجنسيات الساعية وراء الربح وجمع الثروات، وبهذا المنحى ذو البعد السياسي وفي لحظة تاريخية ما من حياة البشرية، يُصبح احتكار المعرفة وغياب الشفافية في نشر المعلومات أمر خطير جدا قد يُهدد مصير البشرية كلها، وهذا ما قد نجده في انتشار وباء “كورونا”، فتأخّر الصين في تزويد منظمة الصحة العالمية بانتشار الوباء في مدينة صينية أو أكثر وعلى مدى أسابيع ولربما شهور، أدى إلى انتشار الوباء بسرعة فائقة في مختلف أنحاء العالم، كما أن غياب الشفافية وعدم مشاركة عامة الشعب المعلومات حول الوباء أدّى في إيران إلى كارثة إنسانية لا أحد يعرف تبعاتها حتى هذه اللحظة، فقد نظمت الجمهورية الإيرانية الانتخابات البرلمانية في ذروة انتشار الوباء، دون أخذ الاجراءات الوقائية اللازمة، وسمحت لعشرات من التجمعات الشعبية دينية وثقافية أن تتم تحت أنظارها، ومع كامل علم المسؤولين بخطورة هذا الوباء.1

لا شك أن الوباء الحالي “كورونا” سيغير من نظرة العالم إلى المعرفة وقضية احتكارها، إذ لا يكفي أن نعتد بتراكم المعلومات دون أن ننشرها بطريقة سليمة، والمعرفة العملية العلمية عادة ما توضع في خدمة فئات محدودة، وهذا الاستحواذ لم يعد ممكناً أمام وباء عالمي لا يعرف الحدود، ويضع البشرية جمعاء أمام مصير واحد هو “الفناء”، إذا لم يتم تبادل المعرفة والإقرار بحق الجميع في مشاركتها، وهذا ما سيفرز قيم سياسية واجتماعية جديدة، وكما قال ” جون ديوي”:( يبدو لي أن ما قد يعبر عن جوهر الديمقراطية باعتبارها طريقة للحياة هو ضرورة مشاركة كل إنسان ناضج في تشكيل القيم التي تنظم حياة البشر معاً).2

- الاستحواذ على المعرفة واحتكارها سينهار أمام مد الرعب الذي يهدد حياة البشرية جمعاء بالفناء، وهذا ما سيُطلق عصر جديد من القيم المرتبطة بالمعرفة أو التعامل مع النتاج المعرفي.
- تُعيد الأوبئة التي تهدد بفناء البشرية إلى الواجهة، تلك الحقيقة التي لا يقبلها كثيرون: كل البشر ولدو متساوين، ولهم الحقوق ذاتها، وسيرحلون للمصير ذاته.
المصادر:
- 1- وكالات إخبارية عالمية
- 2- رشيد الإدريسي، من أجل تصور موسع للتربية والديموقراطية، المدرسة المغربية، عدد مزدوج7/8، 2017م، .

قرأت عدة مقالات حول ما يمكن أن تخلفه جائحة كورونا على العالم يبدو سيكون تغيراً واضحا على كل الأصعدة الاقتصادي و السياسي و حتى الاجتماعي و الثقافي .
مشاركة المعرفة من صلب الديمقراطية و داعمة لها و يستحيل أن تظهر في دول شمولية ك الصين .
ربما الانتصار لصالح فكرة مشاركة المعرفة حل كبير لعلل عدة يعاني منها العالم.