
كل شيء فيها آسر .. قوامها .. شكلها .. رأسها المتقد إثارة دائمًا.. و لا أجد حرجاً من الاعتراف أنني سقطت في شراك هواها بتأثير رائحتها، رائحتها التي كنت أتنسمها خلسة فتملأ قلبي رغبة..
ربما لم يلحظ أحد تعمدي التواجد قربها، مستغلاً مسار الريح لأملأ صدري بعطرها النادر، ولكن هذا بالضبط ما كنت أفعله متحاشياً انكشاف أمري، فليس للأطفال في مثل سني آنذاك أن يُظهروا أي اهتمام بها فيتهمون بالوقوع في المحظور.
كنت أنتظر بلهفة مرور الأيام والسنين سريعاً، لأبلغ من العمر ما يخولني إعلان حبي لها، متحدياً كل النصائح المسداة إلي، خصوصاً أن كل أولئك الناصحين – أو معظمهم – ما كانوا ليجدوا لذة لحياتهم، دون قبلاتها التي أدمنوها منذ الصغر.
كان الجميع يذمّها، ويتحدث عن خطرها على القلب، في الوقت نفسه الذي يمارسون فيه الحب معها، وما زادني ذلك إلا هياماً بها.
بلغ بي الوجد أن اخترتها ميقاتاً لحياتي، أحيا بوجودها، و سأفنى فيما لو اختفت من حياتي.
تلك الفكرة لم تكن وليدة خاطري، بل كانت مقتبسة من صندوق الدنيا، ذلك الصندوق الكئيب أبداً، الذي أكثر ما ينزّ منه هي الحكايا الحزينة، الحكايا التي أقل ما تفعله هو أن تدفعك إلى البكاء الجاف، أو الحاف، البكاء الذي لا ترطبه الدموع.
ذلك النوع من البكاء الذي يستهدف المراهقين، الباحثين عن سبب لإطلاق العنان لحزن عميق و بعيد، هم أنفسهم لا يعرفون سببه، وما أن تتملكهم عبراته، حتى ترافقهم مدى الدهر.
إحدى تلك الحكايا التى أصابتني بالغمة الأبدية، هي حكاية اندثرت في ذاكرتي معظم تفاصيلها، وأسماء شخوصها وكاتبها، و لم يبق منها إلا مشهد فتاة ألزمها المرض سريرها، و قد أصابها طول لزوم السرير باحباط واكتئاب شديدين، ولم يكن لها من فسحة تخفف عنها وحشتها، إلا شجرة معمرة، تطلّ عليها نافذة غرفتها في الطابق العلوي، بعد أن سئم أهلها المكوث قربها، وانصرفوا لأعمالهم، و اقتصر وجودهم عندها على تقديم الطعام والدواء، ومجالستها لوقت قصير.

صارت تلك الشجرة هي الشيء الوحيد، الذي يوحي لها بالحياة بين جدران عزلتها.
حتى أهلها تحولوا بنظرها إلى دمى رمادية كئيبة، تقوم على خدمتها بالحد الأدنى، ويطمئنون بين الحين والآخر إلى أنها لاتزال حية.
أمضت الفتاة شتاءً قاتماً، فقدت معه كل أمل بالحياة، وعندما بدأت براعم شجرة الحياة هذه بالتفتح في أواخره، تسلل خيط من الأمل وربما السرور إلى خاطرها، وصارت البراعم الصغيرة شغلها الشاغل، تراقبها باهتمام و سعادة كيف تكبر يوماً بعد يوم… تحدث زائريها القلائل عنها، وتنقل لهم أخبارها بحماس، كما لو أنهم لم يشاهدوا من قبل شجرة وهي تكتسي بالاوراق، ولم يكن يعنيها كثيراً مدى أهمية الأمر بالنسبة لهم، وحده جار العائلة وصديقها الرسام فهم مدى ارتباطها بتلك الشجرة، فصار يزور الفتاة بشكل شبه يومي، ليستمع إليها باهتمام عن أخبار البراعم وتطور نموها، ما منحها فيض سعادة كانت قد افتقدتها طويلاً، سعادة عابرة ستخفف عنها معاناتها على مدى شهور الربيع والصيف. تنشغل منذ تستيقظ بعدّ ما يظهر ضمن إطار نافذتها من أوراق، ثم تطلق العنان لمخيلتها، فتمنح الأوراق أسماء بشرية و تكلمها، تروي لها الحكايا، وتستمع لحكاياتها، فتحفظها لترويها لصديقها الرسام الذي سيزورها مساءً، و يستمع إليها باهتمام يؤنسها.

استمرت دورة الحياة التي لا تتغير، نزولاً عند حاجات البشر ورغباتهم، فحلّ الخريف، و بدأت تشحب أوراق شجرتها، فيشحب معها وجه الفتاة و تتردى صحتها، وقد فشلت كل جهود صديقها بإقناعها أن الربيع سيأتي مرة أخرى، وإن الشجرة ستعاود الاخضرار.
كانت مقتنعة أن كل ورقة من الأوراق المتساقطة، هي قطعة من روحها تغادر جسدها، فيستجيب جسدها لقناعتها، ويتهالك بتسارع يتناسب مع تساقط الاوراق.
ذات مساء، و فيما كان يكرر الرجل محاولاته اليائسة لإقناع الفتاة أن حياتها ليست مرتبطة بأوراق متساقطة، أشارت له بإصبعها إلى الورقة الأخيرة الملتفة على غصنها بفعل الجفاف، وهمست له بصوت متعب: إنها ورقة حياتي الأخيرة، متى سقطت سأموت.
ثم غطت بنوم عميق، فتركها، وانصرف حزيناً.
تأثّر الرجل كثيراً، و شعر بعجز وأسى كبيرين، و بات مقتنعاً أكثر منها أن حياتها متعلقة فعلاً بتلك الورقة الآيلة للسقوط بين لحظة و أخرى، حتى أنه لم يغمض له جفن تلك الليلة، بانتظار أن يسمع خبر موتها، خصوصاً أن رياح الشتاء كانت قد بدأت تعصف، ولم يعد لديه شك بأنها أسقطت الورقة، فجأة، خطرت له فكرة تبدو مجنونة، ولكن لا وقت لديه ليقيّم مدى نجاحها أو فشلها، فحمل فرشاته و ألوانه وانطلق مسرعاً إلى الشجرة، فتسلقها وشرع يرسم بديلاً عن الورقة التي أودت بها الريح كما توقع، راجياً ألا يحول الظلام دون إبداعه ورقة تشبهها تماماً، وعندما أنهى عمله سارع للنزول قبل أن يفضح حيلته نور الفجر، فزلت قدمه و سقط أرضاً، فأصيب رأسه إصابة بالغة، و لم يكن لديه الوقت للتألم أو الصراخ، فجمع أدواته المتناثرة، وغادر مترنحاً إلى بيته.

عندما استيقظت الفتاة، ووجدت الورقة مكانها صُدمت، وعزت الأمر إلى العجائبية، ومع صمود الورقة طيلة اليوم رغم الرياح الهوجاء، باتت أكثر قناعة أن في الأمر أعجوبة، ومع صمود ورقتها رغم تساقط الأمطار في اليوم التالي، تأكّدت أن الطبيعة أرادت لها أن تعيش، بل وبدأت تتحسن حالها سريعاً، حتى أنها صارت قادرة على مغادرة السرير، والمشي خلال أسبوع واحد، ثم وبما يشبه السحر شفيت تماماً خلال عشرة أيام، ما منحها القدرة على المشاركة بجنازة صديقها الرسام، الذي اكتشف الجيران موته بفعل رائحة جثته التي ملأت الحي.

هذه الحكاية أثرت بيّ لدرجة أنني بتُّ أستسخف الواقع برمته، وأرى الموت فيه أمراً اعتيادياً، كما الحياة كما اللاشيء.
أردت بشدة أن أكون ذلك الرسام، أو أكون تلك الفتاة، أردت بشدة أن يكون لموتي أو لحياتي معنى، غير ما هو عليه في الواقع الباهت، ولم يكن لدي ما يخفف عني الشعور بالخواء قليلاً، سوى معشوقتي ممشوقة القد، أجترح الأعذار للقائها في الزواريب البعيدة، وفي الظلام الدامس بعيداً عن العيون، لاسيما عيون أبي دائم الغضب، الذي كنت متيقناً أنه سيقتلني فيما لو اكتشف إدماني عليها.
و كم كان سروري عظيماً، عندما سمعت صدفة أبواي يتحادثان عن ضرورة زيارة عمي المريض في البلدة المجاورة، فبدأت أعد الخطط لإيجاد ذريعة لعدم مرافقتهما، لكن الأمر كان أسهل مما توقعت، فقد قرر والداي ألا يصطحباني معهما، إذ أنهما لن يتمكنا من العودة قبل صباح اليوم التالي، ما سيؤدي لتأخري عن مدرستي.
ساءني كثيراً أن السيارة التي ستقلهما تأخرت حتى المساء، لكن لا بأس، فالليل طويل، و سأمارس فيه الاحتراق مع ممشوقة القد قدر ما أشاء، والأمر يستحق حرقة الانتظار، ويستحق احتمال وصايا أبي التي لا تنتهي حول إغلاق الباب، وإطفاء المدفأة قبل النوم، وضرورة ربط المنبه لأستيقظ باكراً، والكثير الكثير مما شغلني التفكير بليلتي السعيدة عن فهمه.
أخيراً ها أنا وحدي في البيت أفعل ما يحلو لي، أعدٌّ الشاي على الحطب، رغم وجود موقد غاز استعداداً لسهرتي التي قد لا تتكرر ثانية قبل وقت طويل .
ملأت كأس الشاي، ووضعته على الطاولة قرب الصوفا، حيث سأمضي ليلتي، وانطلقت إلى المخبأ السري في الخزانة، حيث أخفي علبة السجائر، لتصعقني المفاجأة أن ليس في العلبة سوى سيجارة وحيدة.

اعتراني غضب وقهر عظيمان، وخيبة أعظم، خاصة أنني لا أملك مالاً لشراء علبة جديدة، بحثت بجنون في ملابس ابي وخزانته، وكل مكان توقعت أن أجد فيه علبة سجائر، أو بعضها دون جدوى.
لطالما حلمت أن أدخن السجائر بهدوء، في مكان دافئ و مريح، وها هي فرصتي الأولى تذهب أدراج الحظ السيء.
استلقيت على الصوفا أجترع أقداح الشاي تباعاً، وأتأمل سيجارتي الوحيدة، و أؤخّر استهلاكها قدر المستطاع، مانحاً إياها المزيد من الحياة، مستسلماً للواقع مسترسلاً في خيالي.
خيالي الذي أعاد إليّ صورة تلك الفتاة السقيمة في سريرها، تنتظر سقوط ورقة حياتها الأخيرة.
لطالما تمنيت أن يكون لحياتي معنى كحياتها ،أو لموتي معنى كموت منقذها الرسام، وقد آن الأوان لألعب لعبة الموت و الحياة.
نهضت من مكاني، وأتيت بدبوس غرسته في الطاولة قربي، ثم أوقدت السيجارة وغرستها عقبها في الدبوس، واستلقيت مكاني أرقبها، وقد ضمرت في نفسي بأنني سأموت متى احترقت عن آخرها.
اعتراني الخوف عندما فكرت أن ما من رسام سيهرع لخداع الموت، و إبعاده عني. تملكتني تلك الفكرة الشيطانية بشكل غريب، حتى ارتعدت أوصالي فزعاً، فبت عاجزاً عن إطفاء السيجارة، و إنهاء لعبة الموت المقيتة تلك، وبقي رهاني الوحيد على رداءة التبغ الوطني الذي صنعت منه سيجارة حياتي، فينطفيء تلقائياً منهياً لعبة موتي.

عندما بلغت السيجارة منتصفها، دون أن تنطفئ من تلقاء نفسها، غمرت نفسي بغطائي و استمريت أرتجف إلى أن غططت في النوم، ولم يكن الأمر أقل رعباً عندما استيقظت صباحاً على صوت أبي يصرخ بأمي: ها هو قردك نائم ولم يذهب إلى المدرسة !!
استويت جالساً بخوف بانتظار مصيري، لم يكن همي التغيب عن المدرسة، ولا المدفأة التي تركتها متقدة عكس وصايا أبي، كان كل همي أن السيجارة خذلتني فلم تنطفيء بل ترمدت عن آخرها، و لم يبق منها إلا عقبها، وقدح الشاي الذين تركتهما، دليلاً قطعياً على علاقتي بممشوقة القد، ما ينذر بشر مستطير.
كان أبي يقترب مني ببطء ويقول بصوت يرتفع تصاعدياً:
أتدخن ؟! .. تدخن !! .. تدخن ؟؟؟!!!!
ثم ضرب على عقب السيجارة بعنف، فانغرس الدبوس بيده فاستشاط غضباً، و أمسك بإبريق الشاي وضربني به على رأسي ضربة مهولة، كانت كافية لتحقق أمنيتي بميتة ذات معنى، لكنها لم تكن ميتة سريعة كفاية، فتركت لروحي الوقت الكافي لتلومني بكلمات أخيرة و هي تغادر جسدي قائلة:
أما قلت لك مراراً أنك قاتل نفسك بسيف الوهم لا محالة؟؟!!
*الأعمال الفنية للفنان الفرنسي كلود مونيه ( 1840م- 1926م).
