*قراءة معرفية في مفاهيم ومصطلحات رافقت انتشار وباء كورونا… الجزء الثاني
يقول “مارك توين”: (كلما وجدت نفسك في طريق الأغلبية، فقد حان الوقت لتتوقف وتغير اتجاهك)، لكن اليوم حتماً، لا يُمكن تطبيق هذه المقولة التي تؤكّد على أهمية التفرد والبعد على السلوك القطيعي، فمفهوم “القطيع” الذي انتقل من الحقول الاجتماعية والنفسية إلى حقول أخرى، كالطب والاقتصاد، أصبح من الصعب تفاديه وفقاً لما طرأ على مضمونه من تغيير، فمثلاً اليوم في ظل انتشار وباء “كورونا”، وتداول مصطلح “مناعة القطيع”، قد أصبح من المُحتم على الجميع أن يسلكوا سلوك الجماعة، فالشعور بالتهديد، وخطر الإصابة بالمرض، أكبر بكثير مما يُمكن أن يمنحه الشعور بالتفرد للمرء، ليُغامر باتخاذ موقف بعيد عما تسلكه الجماعة، فكيف تغيّر مضمون المفهوم هذا عند انتقاله من حقل لآخر؟ وهل ما زال فعلياً من الممكن الركون لاستخدام مصطلح ( القطيع)، مع ما يشي به من سلوك حيواني، بعد كل التطور الذي وصلت إليه البشرية؟
مفهوم “القطيع” لغوياً
*القطيع طائفة من الغنم والنَّعم وغيرها يقودها الرَّاعي، أو تجمع في مكان واحد أو تسير معًا “ترعى قَطيعًا من الأغنام- جمع شمل القَطيع. *معج اللغة العربية المعاصرة1
*قَطيع ( مفرد) وجمعها أقاطيع وقطعان.
• صفة ثابتة للمفعول من قطَعَ/ قطَعَ بـ: مقطوع (غُصن قَطيع).
• طائفة من الغنم والنَّعم وغيرها يقودها الرَّاعي، أو تجمع في مكان واحد أو تسير معًا (ترعى قَطيعًا من الأغنام- جمع شمل القَطيع). *معجم الغني1
*قطِيع:ج: قُطْعَانٌ، قِطَاعٌ. (ق ط ع). (صيغَةُ فَعِيل). قَطِيعُ الغَنَمِ: عَدَدٌ مِنَ الغَنَمِ. “قَطِيعُ الإِبِلِ” “قَطِيعُ البَقَرِ”. معجم الرائد1

قطيع:
– طائفة من الغنم أو الجمال أو البقر أو سواها، ج قطعان وقطاع، و أقاطيع.
– قضيب تبرى منه السهام، ج قطعان وأقطع وقطاع وقطع وأقاطع وقطعات وأقطعة.
-ما قطع من الشجر أو من الأغصان، ج قطعان وأقطع وقطاع وقطع وأقاطع وقطعات وأقطعة.
-طائفة من الليل تكون من أوله إلى ثلثه.* المعجم الوسيط1
القطيع: الْمَقْطُوع وَمن الشَّجَرَة الْغُصْن يقطع مِنْهَا، والقضيب تبرى مِنْهُ السِّهَام، وَالسَّوْط يقطع سيورا تفتل وتترك حَتَّى تيبس وَتصير كالعصا، والطائفة من الْغنم وَالنعَم وَغَيرهَا (ج) قطعان، وقطاع والمثل والنظير (ج) قطعاء، يُقَال فلَان قطيع فلَان شبيهه فِي خلقه، وقده وَيُقَال هَذَا الثَّوْب قطيع هَذَا. معجم لغة الفقهاء1

إذا في كل المعاجم اللغوية العربية، جاء معنى “القطيع” بارتباطه بعالم الحيوانات، وعلى وجه الخصوص الغنم والإبل، وبعض أنواع الطيور التي تهاجر وتتنقل على شكل أسراب، ومن هذا العالم تمت استعارة المفهوم ليُسقط على كل سلوك بشري، يتشابه مع السلوك الحيواني في مظهرة الاجتماعي، فظهرت ( نظرية سلوك القطيع/ herd behavior) لتعبر عن سلوك الشخص في الجماعة التي ينتمي إليها، عندما يتماهى معها ويتصرف مثلها، بشكل تلقائي، وبدون تفكير.
مفهوم “القطيع” بين النفسي والاجتماعي
جاء في المعجم الفلسفي في تعريف “غريزة القطيع” مايلي:
(هي نزعة في الحيوانات الاجتماعية، ومنها الإنسان، تجعلها تنزع إلى العيش معاً، وتستجيب بطريقة واحدة لمؤثر معين، أو تجعلها تحذو على نحو أعمى، ومن غير إعمال للفكر، حذو فرد بعينه، في موقف من المواقف، وهي تدفع الفرد إلى التعاون مع غيره من أبناء مجتمعه).
يقول ” سيغموند فرويد” بأنه ليس من السهل تتبع نشوء غريزة القطيع، ولكنه يؤكّد على أن هذه الغريزة تتصرف وفق آلية “التماهي”، كأحد آليات الدفاع النفسي الأولية، والتي تدفع مجموعة من الأفراد لسلوك ممائل للشخص الذي يتأثرون به، فيصبح سلوكهم تحت تأثير رابطة حميمية مشتركة تربطهم بشخص خارج الجماعة، لذلك لا يوجد برأيه قطيع بدون راعٍ، مؤكداً على دور القائد الذي يقود القطيع، لذلك يرى أن (الإنسان ليس حيوان قطيع، بل هو حيوان عشيرة، مخلوق فرد في عشيرة يقودها زعيم).
كما يرى “فرويد” إن انصهار الأفراد في وحدة تشكل “الجمهور”، إنّما يعني وجود رابطاً بينهم، وهذا ما يميز الجمهور، كما إن تواجد الفرد وسط الجمهور، يمنح اللاشعور الفردي المكبوت فرصة الظهور والتعبير عن نفسه، وإطلاق غرائزه بكل حرية، فيتبادل أفراد الجمهور التأثير في بعضهم بعضاً.

يلتقي “فرويد” مع “غوستاف لوبون” أحياناً ويختلف عنه أحيان أخرى، إذا يرى “لوبون” إن الوعي واللاوعي، يحكمان الحالة النفسية للإنسان، فالوعي يتميز بخاصية الفردانية والتنوع، بينما اللاوعي موروث ومشترك لجميع أفراد المجتمع، وهو كل ما ورثه الفرد عن الأسلاف، و تحكمه غرائز ومعتقدات الجماعة التي ينتمي إليها، وعلى االجانب الواعي من الإنسان أن يُهيمن على الجانب اللاواعي، والذي يظهر خلال تجمع الجمهور وسلوكه بطريقة مغايرة عن سلوك الفرد، و هذا ما يسميه “لوبون” ب (روح الحشود).

المؤرّخ والنفساني الروسي “إيمانويل فليكوفسكي”، يؤكد على ما سماه ب(العقل الجمعي اللاشعوري)، والذي يفسر التخاطر الجماعي في المراحل المبكرة من تاريخ تطور الأنواع، وهذا العقل لم يفنَ وما زال حاضراً، وفهم آلية عمله تمنحنا تفسيراً لسلوك أنواع الطيور التي تهاجر بأسراب جماعية، أو هجرات مجموعات الأسماك، أو سلوك النمل والنحل، وكل هذه الأنواع تستجيب لدوافع مشتركة، وبهذه الطريقة أيضاً يسلك النوع البشري، مما يدل على عدم وجود انفصال بين كبير بين الحياة العقلية للحيوان ومثيلتها لدى الإنسان، وهذا ما أطلق عليه “فليكوفسكي” ب ( العقل الجماعي للحشد)، والذي يعمل لدى البشر بطريقة تدميرية، وبهذ الصدد يقول: (هناك دافع لدى النوع الإنساني نحو التدمير وإفناء الذات، حيث يُمكن التفكير بالعوامل السيكولوجية، وحتى البيولوجية، بدلاً من العوامل السياسية والاقتصادية لهذه النزعة التدميرية لدى البشر).
ما وظيفة غريزة القطيع وأهمية الحالة القطيعية؟
يؤكد الخبراء في العلوم الاجتماعية والنفسية على أهمية غريزة القطيع في الحفاظ على البقاء وتطور الأنواع، فمن الناحية العملية، أكّدت الغرائز في المجتمع الحيواني، أنها أكثر فاعلية في الحفاظ على وجود الجماعة وبقائها وحمايتها من المخاطر، وبشكلٍ موازٍ أيضاً في عالم البشر، يجد الفرد طوق نجاته مع الجماعة التي ينتمي إليها، كلّما شعر بالتهديد، وخاصة التهديد الوجودي، فـسلوك القطيع، طبيعة حيوانية وإنسانية، وظيفتها الأساسية مواجهة الخطر.
يُشّبه الفيلسوف الألماني “شوبنهاور، الجمهور بجماعة الشياهم (ج. شيهم، أو النيص، وهي ذات أشواك مثل القنافذ)، التي تلتصق ببعضها بعض لتتجنب البرد خلال فصل الشتاء، لكن عند تلاصقها تنزعج من وخز الشوك، فكل واحد منها يؤذي الآخر، فتتباعد، لكن استمرار الصقيع يجعلها تتقارب من جديد وهكذا، حتى أوجدت مسافة مناسبة لتفادي أذى الشوك، وبالطريقة ذاتها ينفصل الفرد عن الجماعة، سعياً وراء الاستقلالية وتفادي الإزعاج، ثم ما يلبث أن يعود إليها كلّما شعر بالتهديد، إلى أن يجد طريقة مناسبة لترك مسافة ما بينه وبين الجماعة، تضمن حصوله على حد من الاستقلالية وعودته للجماعة كلّما احتاج الأمر، وبهذا الصدد يقول د. “خالد منتصر” في كتابه ( الختان والعنف ضد المرأة):
(التغريد خارج السرب برغم أنه يمنحك متعة التميُّز، إلا أنه يُفقدك دفء القطيع).
إذاً، الوظيفة الأساسية التي تؤديها غريزة القطيع، هي إنتاج سلوك الحفاظ على بقاء الجماعة، وحماية أفرادها من التهديد، وضمان أمن أفرادها ودرء المخاطر عنهم، وبهذا يستمر النوع، وتتوراث الأنواع عبر أجيال هذا كله.
استخدم عالم الأحياء التطوري البريطاني ” ويليام دونالد هاملتون” هذا المصطلح أيضاً، عندما نشر عام 1970م مقالته (نظرية القطيع الأنانيSelfish herd theory )، والتي بيّن فيها أن سلوك كل عضو في الجماعة عند شعوره بالخطر، إنّما يخدم نفسه كما يخدم الجماعة، مما يجعل الجماعة تتصرف في وحدة كلية غير منفصلة.

نظرية القطيع في الاقتصاد والسياسة
بعد ظهور البورصة العالمية، وتنوع أسواقها عبر دول العالم، ظهر فيها سلوك بات يُطلق عليه ( سلوك القطيع)، يقوم على الآلية ذاتها التي ذُكرت سابقاً، إذا يتبع الأفراد الأقل نفوذاً، سلوك أفراد آخرين أكثر قوة ونفوذ في السيطرة على السوق.
يقوم سوق البورصة على العرض والطلب، ويتم شراء الأسهم وبيعها على هذا الأساس، وعندما تنزل قيمة أسهم شركة ما لأسباب متعددة، يُسارع غالبية الناس إلى البيع تفادياً للخسارة المستمر، وخوفاً من فقدان رأس المال الأساسي، ويُسمى هذا السلوك عادة ب( بيع القطيع)، وعلى العكس أحياناً، يُسارع أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة لشراء أسهم شركة ما، طمعاً بارتفاع متوقع مستقبلاً، وهذا ما يُسمى ب( شراء القطيع)، ويقوم بهذا السلوك أحياناً أفراد متنفذين، وممن يعتبرهم آخرون قدوة لهم، فيتبعون سلوكهم ذاته في البيع والشراء.
طريقة البيع والشراء بهذه الآلية، والتي تُسمى أيضاً في عالم التسويق ب”سلوك التدفق” أو “تدفق الجماهير”، يغلب عليها غياب التفكير المنطقي، والسلوك المتوازن القائم على دراسة معمّقة للسوق وظروفها، هي جزء من السلوك القطيعي للبشر عندما يتصرفون وفقاً لغرائزهم، فحتى في عالم الاقتصاد، استخدم وصف”القطيع، القطيعية” عند غياب التفكير العقلاني، وعدم تغليب المنطق على مشاعر الخوف من الخسارة.
في عالم السياسة، انتشرت هذه المصطلحات بشكل واسع ( القطيع، سلوك القطيع، السلوك القطيعي، ثقافة القطيع، الحشد ، الجماهير… الخ)، وخاصة خلال الحديث عن بلدان تغيب عنها النظم الديموقراطية، وتتحكم بشعوبها أنظمة حكم ديكتاتورية، بحيث أصبحت العلاقة بين الحاكم والمحكوم تشبه العلاقة بين القطيع والقائد، والراعي والرعية، وغالباً ما تتصرف الشعوب بشكل قطيعي انقياداً لزعمائها، وتتسم تجمعاتها الجماهيرية بكل سمات السلوك القطيعي، الذي يغيب عنه العقل النقدي، والفاعلية المُنتِجة، وحتى المعارضة السياسية في غالبية هذه البلدان، تتبع استراتيجيات النظم السياسية ذاتها في التعاطي مع الشعوب، مما يُكرّس هذا السلوك ويُصعّب من إمكانية التغيير على المدى القريب.
مناعة القطيع
انتقل مصطلح “القطيع” إلى العلوم الطبية، ليعبر عن انخراط عدد كبير من الناس في حالة مرضية محددة ومن ثم مقاومتها بشكل جماعي، وظهر مصطلح ( مناعة القطيع) مع ظهور الأوبئة، وتطوّر أساليب معالجتها، والتي تتطلب حلولاً تناسب مجموعات كبيرة من البشر، ومع ظهور وباء “كورونا” وعودة العديد من المفاهيم إلى التداول في الإعلام والقطاعات الطبية والسياسية، وخلال شهر مارس / آذار الماضي، عاد استخدام مصطلح ( مناعة القطيع) إلى الواجهة، كغيره من مصطلحات ( التباعد الاجتماعي، الجماعات المعرضة للخطر…الخ).

وتُعرف “مناعة القطيع” على أنها شكل من أشكال الحماية غير المُباشرة من مرضٍ معدٍ، وتحدث عندما تكتسب نسبة كبيرة من أفراد المجتمع مناعة لعدوى معينة، إما بسبب الإصابة بها سابقاً أو نتيجة التلقيح، مما يُوفر حماية للأفراد الذين ليس لديهم مناعة للمرض.
استخدام مُصطلح مناعة القطيع أو المناعة الجماعية ( herd immunity) أول مرة عام 1923م، وتم الاعتراف به كظاهرة تحدث طبيعيًا في ثلاثينيات القرن العشرين، وذلك بعد أن تبين تطويرِ عدد كبير من الأطفال لمناعة ضد الحصبة، فقد انخفض عدد الإصابات الجديدة بين الأطفال المُعرضين لخطر الإصابة به، وأصبح التلقيح الجماعي لإحداث المناعة الجماعية شائعًا منذ ذلك الوقت، وقد أثبت نجاحه في منع انتشار العديد من الأمراض المعدية.
أثبتت بعض الدراسات الطبية، إن بعض الأفراد الذين لديهم مناعة لمرض ما، يعملون كحاجز ضد انتشاره، ويعملون على إبطاء ومنع انتقال المرض إلى أفراد آخرين، ومن الجدير بالذكر إن جهاز المناعة لا يميز بين العدوى الطبيعية و الاصطناعية/اللقاحات، ويحدث استجابة فعّالة لكليهما، لذلك تشبه المناعة المحدَثة عبر التلقيح بآثارها، ما يحدث عند الإصابة بالمرض والشفاء منه.
مُعارضة استخدام مفهوم “القطيع” على البشر
مع تكرار استخدام عبارات ( السلوك القطيعي، الثقافة القطيعية، مناعة القطيع)، ظهرت في العديد من المنتديات والمجموعات البحثية على مواقع التواصل الاجتماعي، اعتراضات متعددة على الاستمرار باستخدام مصطلحات تساوي بين الإنسان والحيوان، ففي أحد المنتديات على شبكة الانترنت، قال أحد المعلقين المغاربة: (دون الانتقاص من أعمالهما، فإن “فرويد” و”لوبون” ماتا منذ قرن تقريباً (1939 و 1931)! و خلال القرن الأخير،عرفت البشرية تطورات مهمة، ولذلك من المُجحف أن نعتبر أعمال أنجزت قبل قرن صالحة لكل زمان ومكان، كما يقول أصحاب النقل والعنعنات، بل يجب تحيين الأبحاث، خصوصاً فيما الظواهر الاجتماعية التي تعرف دينامكية مستمرة!
اليوم، نعيش أكثر في عالم ومجتمع افتراضي، فمثلا،حملة المقاطعة،أو مساندة الحراك الشعبي في مختلف المناطق والمدن في المغرب، أو التضامن مع مختلف القضايا، تجد الفرد جالساً في بيته وحيداً، في المغرب أو في مختلف دول العالم، معزولاً عن الجمهور، أو”ما ينعت بالقطيع”، و قد يكون يستمع إلى موسيقاه المفضلة، فهنا نطرح السؤال، هل هذا الفرد يخضع لسكولوجية أوغريزة القطيع؟
ألا يُمكن إعتبار تحامل المجندين -خدام السدة العالية ل”الفساد و الاستبداد”- والتعسف في تمطيط تعسفي لمفهوم “غريزة القطيع”، المنجزة منذ قرن، هو تمطيط سياسة “فرق تسد” التي تنتهجها الأنظمة الدكتاتورية التوتاليتارية، من أجل “استقرار الفساد و الاستبداد” التي تفضحه مؤسسات عالمية متخصصة ذات مصداقية فولاذية عالمية؟)

وفي المنتدى ذاته يقول مُعلق آخر: (وبالرغم من الاستخدام الواسع لمفاهيم القطيع وثقافة القطيع، وسلوك القطيع في وصف بعض الظواهر الاجتماعية، إلا أنه في كثير من الأحيان لا يُدرك الفرد حتى وهو يطلق هذه المفاهيم بالمعنى السلبي والنقدي، بأنه هو بذاته جزء من القطيع الذي يتهكم عليه وينتقده… فمفهوم القطيع وسلوك القطيع ليست مجرد مفاهيم لغوية، وصفية، اعتباطية، إنها نتاج دراسات وتجارب علمية، استهدفت وعي تصرف الفرد والجماعة ضمن ظروف وشروط محدّدة، وأيضاً تأثير عمليات الإخضاع والسيطرة العميقة، التي يتمّ استخدامها من قبل السلطة، لضبط حركة الفرد والجماعة، وقمع أيّ رغبة أو إرادة للتغيير عنده..)
لاشك أن الاعتراضات مُحقة، ولاشك أن اللغة خطاب، والخطاب أحد أهم أدوات السلطة بكل أشكالها وأنماطها، وحتى المؤسسات العلمية تخضع لهذا الخطاب، والذي يتبناه الإعلام أيضاً على نطاق واسع، وكما الاعتراض على المفهوم التداولي لمصطلح ( التباعد الاجتماعي)، يقدم المعترضون طروحات منطقية وعقلانية، وجديرة بالبحث، وجدير بالعلم والخطاب العلمي التوقف عندها، ومناقشتها، فهل من بدائل ما؟ فعلى سبيل المثال، أطلق عالم النفس البولندي “سولومون آش” على ميل الفرد النفسي والسلوكي، في اتباع رأي الأغلبية ظاهرة (ضغط النظائر)، ويُمكن تسميتها أيضاً ب ( ضغط الأقران، سلوك الجماعة أو الجماعات، السلوك الاجتماعي، المجتمعي، الجماهيري)، لماذا هذا الإصرار على التمسك بمفاهيم ومصطلحات لا تميز بين الإنسان والحيوان؟ إن تصوير الناس على أنهم مجرد قطعان من الماشية، أو أسراب من الطيور والحشرات، هو أمر مهين بجوهره، ويُغيّب أكثر ما يُميز الإنسان عن الحيوان، وهو العقل والإرادة والقدرة على الاختيار، فالحيوان مجرد من كل هذه السمات.
والأمر ذاته مع مصطلح “مناعة القطيع”، فمن الممكن استخدام مصطلحات أخرى من مثل ( المناعة الجماعية، مناعة السكان، المناعة المجتمعية، مناعة الجماعة …الخ)، لأن تكرار هذه الخطابات يجعل منها جزء أساسي من آلية الإخضاع والسيطرة، ووصف غير لائق لسلوك البشر، وتبرير غير منطقي لتحركاتهم الجماعية، فعلى سبيل المثال: تجريد أي حراك الشعبي، جماهيري من كل تفكير وعقلانية، ووصفه بصفات حيوانية، يُسقط عنه أي مسؤولية وإمكانية مُحاسبة، وفي الوقت نفسه يمنح السلطات الاجتماعية والسياسية مبررات قمعه.
**المصادر :
* علم نفس الجماهير، سيغموند فرويد، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت 2006م.
* سيكولوجيا الجماهير، غوستاف لوبون، ترجمة وتقديم : هشام صالح، دار الساقي، بيروت، 1991م.
*البشرية تفقد الذاكرة، إيمانويل فليكوفسكي، ترجمة: فاروق عبد القادر، الحضارة للنشر، 2003م.
* موسوعة ويكيبيديا على شبكة الانترنت.
*وكالات أنباء عالمية ومنتديات مغلقة على شبكة الانترنت.
* د. خولة حسن الحديد.
