في كتابه (حفريات المعرفة) يبين “فوكو” بأن المعرفة عملية تُبنى بشكل أساسي على تراكم المسلّمات وتكديسها وتلاحمها مع بعضها بحكم تجميعها، ويرتبط  تحليل هذه المسلمات بالخطاب الذي أنتجها، لذلك فإن تحليلها يعني تحليل للقواعد التي نتج عنها الخطاب، والذي كان عبارة عن (عبارات وشبكة من المفاهيم وسلسلة من الاختيارات)، التي ترتبط أيضا بالذات التي حملت هذه المعرفة، فيخرج الخطاب بقضايا متماسكة وغير متماسكة، وبذلك يحدث تراكم وإنتاج للعديد من النظريات.

مفهوم ” فوكو” السابق للمعرفة، يُظهر إنها نتاج ممارسة خطابية، فهو بشكل دقيق يحدد هذا الأمر بقوله: (حقل تناسق العبارات وطريقة إضافتها، فيه تظهر المفاهيم ويتم تعريفها )، ويضرب مثال على هذا الأمر من ولادة مفهوم “الطب العقلي” وتطوره، والذي لم يكن موجوداً في القرن الثامن عشر، ولكن كل الانحرافات والمواقف الغريبة التي يقوم بها الحمقى – حسب تعبيره – ، وفرت ظروف لظهور خطاب معرفي-علمي، هو خطاب الطب العقلي بالقرن التاسع عشر، فولد مفهوم لم يكن موجوداً.

 حسب رؤية “فوكو” المذكورة سابقاً فإن كل ممارسة خطابية تتحدد بالمعرفة، أي أن كل خطاب هو مشحون بنموذج فكري، إدراكي، وإطار نظري معين (براديغم ) ومعرفي، يحدد هويته، ولذلك فإنه لمعرفة كل علم وتاريخه، يجب العودة لقراءة ما قيل عنه، وبذلك تكون المعرفة عبارة عن عبارات قديمة وجديدة تتنناسق مع بعضها ، فتنتج مفاهيم يتم تعريفها، ويتخذ بذلك العلم موقعه – حسب فوكو- داخل حقل معرفة ما، ويلعب على هذا الموقع دوره ، وهو دور يتغير بتغيُر التشكيلات الخطابية، و يتحول بتحولاتها.

كما يقرّ “فوكو” بحضور الايديولوجيا في الحقل المعرفي – العلمي، فالعلم ينتظم ضمن الحقل المعرفي من خلال تشكيلات خطابية منتظمة، وهذه التشكيلات والمنظومات كلها ايديولوجية، ولكي يتخلص العلم من الايديولوجيا، يجب طرحها كتشكيل خطابي، ومن هنا يتم التخلص من الايديولوجيا بالتدرج في موضوعات العلم وأنماطه التعبيرية، ونظرياته التي اختارها.

* ميشال فوكو (1926 – 1984) فيلسوف فرنسي، يعتبر من أهم فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين، وبالرغم من ارتباط اسمه ب” البنيوية” وتأثره بالبنيويين، فإن أعماله تُصنف ب” ما بعد البنيوية” وما بعد الحداثة”، وهو مبتكر مصطلح “اركيولوجيا المعرفة”، كما درس وحلل تاريخ الجنون في كتابه “تاريخ الجنون”، وعالج موضوعات عدة مثل الإجرام والعقوبات، والممارسات الاجتماعية في السجون، وأرّخ للجنس، وقدم معالجات جدلية ترتبط بقضايا معاصرة،  بهذا السياق في كتابه “تاريخ الجنسانية”.

  • كُتب هذا المقال استناداً إلى كتاب:
  • ( حفريات المعرفة، ميسيل فوكو، ترجمة : سالم يفوت – المركز الثقافي العربي، 1987م).

Leave A Comment