كلُّ ذاتٍ بما فيها تفيض..
لا شيء أصدق وأكتر حقيقة من الموت، لكن الموت لا يمحو الخطايا، بل يفعل العكس تماماً، يواجهنا بها ويرميها في وجوهنا وأحضاننا دفعة واحدة.
ما يؤلمنا في موت الآخرين، ليس فقط صعوبة الفراق، ولا ذاك الفقد الفادح لأهل وأحبة وأعزاء، بل لأن الموت يضعنا في مواجهة مباشرة مع ذواتنا، وكلُّ ذاتٍ بما فيها تفيض.
نحن نحزن لموت الآخرين لأننا نرى فيه موتنا الشخصي، فموتهم هو المرآة التي تنعكس فيها دواخلنا بوضوح أمام أعيننا، وبشكل فجٍ وصارخ، بحيث لا يُمكن تفادي النظر إليها، وبل إطالة التحديق، ونكتشف مدى القبح الذي فينا، وفداحة الأخطاء التي ارتكبناها، وحماقاتنا التي لا نجهلها أبداً، ولكننا بقينا طوال الوقت نتجاهلها، فيأتي الموت ليقول لنا ببساطة: هذا أنتم .. هذا أنت يا هذا المتجبر المغرور… فماذا أنت فاعل؟
يغلبنا العجز والشعور باللاجدوى، لأن ما فات قد فات ولا يُمكن استعادته، والندامة لا ترد الأموات، فكل ما مضى قد مات، وإذ نكتب المراثي للأموات، فإننا نرثي أنفسنا وذواتنا التائهة، وقد نستطيع القبض عليها في لحظة هاربة من الزمن، وقد لا نستطيع، ونمضي في دروب التيه متجاهلين أن موتنا قادم ككل من ودعناهم ورثيناهم ..
موت الآخر هو موتك الشخصي، ولكن الإنسان مغرور ومتجبر، *”وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور” * قرآن كريم آل عمران ،85
*الندامة صديقُ كلّ علاقة فاشلة، وكلّ شعورٍ بخسارات كان تقصيرنا وتهورنا وراءها.
البداية من حيث انتهيت أول مؤشرات الفشل القادم، لو امتلكنا شيء من الاستبصار.
كلّما ما بدأنا من حيث انتهينا، لن نتقدم أبداً، فالنهايات السعيدة منها و تلك البائسة، غالباً ما تُشكل العتبة لبداية جديدة لكثر بيننا.
لا شيء يحدث بقفزات نوعية إلا ما ندر، ولا شك أن تراكم التجارب يُمثل قوة لأية بداية، لكن الأهم ليس البدء من حيث انتهى ما سبق، بل وجب تخطيه، تجاوزه، إدراكه بوعي، ذلك الوعي الذي يجعللنا نعترف لأنفسنا أين أخطأنا وما أسباب فشلنا، على ألا نحملها معنا في البدايات الجديدة.
التخطي والتجاوز لا يعني النسيان، بل كان يعني دائماً الوقود والحطب لنار القفزات النوعية.
لا أحد يبدأ من حيث انتهى وينجح.
النهايات لا يُمكن أن تكون عتبات جيدة لأي بداية جديدة، وعلى كل بداية أن تخلق عتبتها الخاصة.

جمرة الحب
عندما تسقط جمرة الحب واللهفة والشغف من قلبك، تترك مكانها ثقباً، تظنه للوهلة الأولى يحمل لك الموت، تشعر بفراغ هائل، وبحالة أشبه بالغيبوبة، كمن سقط من علوٍ شاهق إلى وادٍ سحيق، وأخذ يستفيق شيئاً فشيئاً دون أن يُدرك ماذا حدث له، ولماذا هو هناك.
مع مرور الوقت، ستتشكل أنسجة جديدة، وتسد فراغ ثقب القلب ذاك، وستنهض من سقطتك تلك، ستعيد تصفية حساباتك مع الماضي والحاضر أيضاً، وستكون أقوى مما تخيلت، ومما خطر لك يوماً، وستواصل الدرب نحو الغد ساخراً من نفسك ومما مضى، وفي سريرتك تبتسم، و لربما تضحك وتقهقه حتى! لأنك كنت ذاك الشخص الذي كان بذاك الشغف والانشغال بأحدهم، والذي قد لا يستحق منك حتى الالتفاته وإلقاء تحية السلام، وستخلو إلى عزلتك وتشكر الرب أنه أنقذك من ورطة عمرك. …
كل الأشياء تولد صغيرة و من ثم تكبر، إلا نهايات تجارب الحب والموت، يبدآن كبيران ثم يصغران، تتجاوز تجربة الحب الفاشلة هازئاُ بزمن لم تكن فيه أنت، زمن أضعت فيه ظلك، واستثمر أحدهم بهذا الضياع الذي كان مرئياً له دون إدراك منك، و ستكتشف أن لا شيء يُشبه الموت إلا ذاتية الحالة وفردانيتها، وأنه لا فشل في الحب يؤدي إلى الموت، وما من أحدٍ مات حباً، وأن خياراتك الخاطئة وثقتك التي وضعتها في غير مكانها، وهدر وقتك و جهدك، وكثير من التفاصيل الأخرى، كل هذا كان ثمناً لدرسٍ كان لابدّ لك أن تتعلمه: لا تزرع بذورك الطيبة في أرضٍ وعرة وجافة.
وها أنت حي، لم تمت …
غواية
تجلس من بعيد تتفرج على بئر الخديعة الذي غادرته للتو، وتراقب من سقطوا فيه بعدك، وإذ يغويهم عطر ورود نبتت على أطرافه، دون أن يدركوا ما أدركته أنت متاخراً:
“حتى على أطراف المستنقعات تنبت الورود ويفوح عطرها “…
تبتسم لأنك لستَ هناك، ثم تتألم من أجلهم، وليس بوسعك فعل شيء، إلا “الفرجة”، فعلى الجميع أن يختبروا الأشياء بأنفسهم، ويغرقوا بغوايات عدة ليدركوا مثلك تماماً متأخرين أيضاً .. .. ..
روح الثورة . كانت غواية أيضاً…..
* (جسد الخرافة)، رواية قيد النشر ل:خولة حسن الحديد
*لوحة الغلاف للفنان السوداني ابراهيم الصلحي

رااااءعه ونسج الحاله فيه ابداع لا متناهي بوصف الحالة تماما .دكتوره خولة بالتوفيق مبدعه بكلماتك داءما
أشكرا هتمامك وأتمنى أن تنال إعجابك
جميل جدا هذا الوصف الواقعي والدقيق، الأشبه بالحكمة والتي قدمت بشكل عميق ومبسط بآن معا، أوجزت دكتورة تمنيت قراءة المزيد..
ننتظر
شكراً أستاذة بيلسان، ويسعدني أنها نالت إعجابك
بانتظار الرواية بكل الشوق
إن شا الله قريبا يا رب .شكرا سومر
اجتماع القدرة الادبية على الابداع والخبرة واختصاصية بعلم النفس.. حتما سينتج عنها رواية عظيمة..
ننتظر تفكين اسره وتنشريه