استند النقد النفسي الأدبي في العديد من البحوث والدراسات إلى منهج “تحليل المضمون”، وانتقل هذا المنهج من حقل العلوم النفسية والاجتماعية إلى حقل الدراسات الأدبية، وهو أسلوب بحثي الهدف منه الوصول إلى وصف موضوعي كمي، منظّم، للمحتوى الصريح لأية رسالة لفظية، ويتضح من هذا التعريف أننا هنا بصدد أداة تصلح لإجراء تحليل محتوى العمل الأدبي، والسؤال المشروع بعد ذلك هو: إلى أي مدى يمكن الإفادة من هذا التكنيك للإجابة عن الأسئلة التي تهم النقد والنقاد؟

من أوائل الدراسات الشهيرة التي أنجزت مستعينة بتحليل المضمون دراسات نشرت في أمريكا تحت اسم (جوزفين مايلز) في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وفيها يتركز جهد الباحثة على التحليل الكمي لخصائص الأسلوب الأدبي (النثري والشعري) لدى عدد من الكتاب والشعراء في مراحل تاريخية مختلفة، ومما قامت به هذه الباحثة محاولة حصر الخصائص الأسلوبية التي تميز بين أنماط الشعر المختلفة: الميتافيزيقي ممثلاً في دون Donne و ميلاي Millay، الرومانسي ممثلاً في ورذزورث Wordsworth وبو Poe، والكلاسيكي كما يقدمه سبنسر Spenser ودريدان Dryden، كذلك أجريت دراسات بوساطة تحليل المضمون على الصور والتخييل في بعض مسرحيات شكسبير، مع محاولات للتفرقة بين أنماط رئيسية لهذه الصور التي تسود في تمثيليات دون أخرى، ويذكر في هذا الصدد بوجه خاص اسم كارولينا سبيرجون   C.Spurgen ، ببحثها الكلاسيكي المنشور سنة 1936م.

أسس منهج تحليل المضمون

يقوم منهج تحليل المضمون على ثلاثة أسس:

أولاً: الوحدات التي نصل إليها بتحليلنا مضمون أي عمل أدبي.

ثانياً: الشروط التي يجب أن تتوفر لتحليل المضمون، ليصبح أداة للمعرفة العلمية، الجديرة بالاعتماد عليها.

ثالثاً: مآل تحليل المضمون أو مصيره في يدينا، ماذا سنفعل بنتائجه؟

أما عن وحدات التحليل التي يقصد إليها الدارسون المختلفون فتتفاوت فيما بينها بساطة وتركيباً، فقد نجد باحثاً يتخذ من الكلمة المفردة وحدة التحليل، فهو يحصي المرات التي وردت فيها كلمة معينة أو فئة معينة من الكلمات في نص أدبي معين، في حين يتجه باحث آخر إلى استخلاص الموضوع الرئيسي الذي يقدمه النص، والموضوعات الفرعية التي تتجمع معاً لتبرز قسمات الموضوع الرئيسي، هذا وتختلف وحدات التحليل على محور آخر غير محور البساطة والتركيب، هو الدور الوظيفي الذي تقوم به في النص، فهي إما وحدات تخدم المعنى، أو وحدات تخدم الأسلوب، وعلى أية حال فما يحدد الوحدة حجماً، أو وظيفة هو هدف الباحث من بحثه، وقد يملي الهدف على الدارس حساب النسب التي ترد بها الوحدات المختلفة، أو الإيقاعات التي تتبعها بعض هذه الوحدات في ظهورها واختفائها..الخ.

من الواضح لكل من يتصدى لاستخدام هذا المنهج (تحليل المضمون)، إن هناك شروطاً منهجية، تُمثّل الحد الأدنى الذي يجب توفره عند استخدامه، بغية الوصول إلى نتائج يمكن الاطمئنان لدقتها، وتزداد الحاجة إلى توفير هذه الشروط بشكل واضح، ينصُ عليه الباحث، ويطرحه في الدراسة التي يقوم بها، كلّما كانت وحدات التحليل أكبر حجماً وأشد تركيباً.

السؤال الرئيسي الذي تتصدى هذه الشروط للإجابة عنه هو: إلى أي مدى يمكن أن يتفق معي أي دارس آخر إذا ما تقدم لتحليل النص الأدبي نفسه الذي قمت بتحليله؟ إلى أي مدى يمكن أن يتفق معي فينتهي به التحليل إلى ذات الوحدات التي انتهيت إليها؟ أو بعبارة أخرى ما مدى ثبات نتائج هذا الأسلوب في أيدي الباحثين المختلفين؟ تحت شرطي تثبيت هدف الدراسة وحجم الدراية المتوفرة لدى هؤلاء الباحثين الآخرين، على استخدام أسلوب هذه الدراسة.

تبقى بعد ذلك النقطة الثالثة وهي: ماذا نفعل بنتائج هذا التحليل؟

هذه المسألة تتوقف على هدف البحث أساساً -الهدف الذي أملى اتخاذ خطوة التحليل- كما تتوقف على مدى دراية الباحث بأساليب بحثية أخرى، وإمكان ترتيب استخدامها كخطوة تالية على خطوة استخدام تحليل المضمون، وهنا تجدر الإشارة أن الهدف من جمع المعطيات التي سنحصل عليها بعد التحليل هي إقامة الأحكام الكيفية على أسس كمية، وسوف تقوم هذه الأحكام على المقارنة، واستنباط علاقات بسيطة أو مركبة

  • بتصرف، من كتاب ( الحلم والذاكرة في نثر بورخيس)، دار الطليعة، دمسق، 2006م، خولة حسن الحديد.

Leave A Comment