قطة شرودنغر
تخيل “شرودنغر” تجربة ذهنية تم فيها حبس قطة داخل صندوق مزود بغطاء، وكان مع القطة عداد “غايغر” وكمية ضئيلة من مادة مشعة بحيث يكون احتمال تحلل ذرة واحدة خلال ساعة ممكنًا، إذا تحللت الذرة فإن “عداد غايغر” سوف يطرق مطرقة تكسر بدورها زجاجة تحتوي حامض (الهدروسيانيك) الذي يسيل ويقتل القطة فوراً، (من وجهة نظر ميكانيكا الكم، توجد القطة بعد مرور ساعة في حالة مركبة من الحياة والموت)، وعندما يفتح المشاهد الصندوق يرى القطة إما ميتة أو حية.
يقول “كاكو” عن هذه التجربة: ليست العلوم التي تُعنَى بدراسة الأجسام الضخمة، كالكوسمولوجيا، وحدها تؤدي إلى نتيجة وجود الأكوان الممكنة، بل العلوم التي تدرس عالم ما دون الذرة هي الأخرى تؤكد وجودها، فبالنسبة إلى (الميكانيكا الكوانتية) عالم ما دون الذرات محكوم بمبدأ “هايزنبرغ” (في اللاتعين Indetermination Principle)، وتقول الميكانيكا الكوانتية إنه من غير الممكن قياس سرعة القسيم ومكانه في آنٍ معًا (عدم تعيين)، لقد عَبَّر العلماء عن هذا القانون الطبيعي من خلال قولهم إن “قطة شرودنغر” حية وميتة في الوقت ذاته، فبما أنه من غير المعيَّن مكان القسيمات وسرعتها، إذن فمن غير المعيَّن ما إذا قد أُصيبت “قطة شرودنغر” بطلق ناري وماتت من جراء ذلك أم لم تُصَب ولم تمت، لذا فإن “قطة شرودنغر” حية وميتة في آنٍ معًا.

 لكن من المستحيل أن تكون “قطة شرودنغر” حية وميتة في الوقت ذاته، لأنه من التناقض أن تكون كذلك، من هنا استنتج بعض العلماء أن عالمنا يتكون من أكوان مختلفة، بحيث إن “قطة شرودنغر” حية في بعض تلك الأكوان، لكنها ميتة في بعض الأكوان الأخرى، وبذلك نتجنب التناقض، هكذا تقترح الميكانيكا الكوانتية أنه توجد أكوان ممكنة ومختلفة.
بالإضافة إلى ذلك، بما أنه بالنسبة إلى الميكانيكا الكوانتية مبدأ اللاتعين يحكم العالَم، فمن المحتمل أن تُخلَق القسيمات من العدم وأن يختزل بعضُها بعضًا، فتوجد بذلك القسيمات الافتراضية virtual particles التي ترقص في تجلِّيها في الفراغ لتفنى فيه، وعلى هذا الأساس، قد تولد الأكوان المختلفة من العدم لكي تزول فيه مجددًا.
بمجرد أن نسمح بإمكان نشوء عالَم واحد، نفتح الباب أمام احتمال نشوء عوالم ممكنة ولامتناهية، فبالنسبة إلى الميكانيكا الكوانتية، الإلكترون لا يوجد في مكان معيَّن، بل يوجد احتمالاً في كلِّ الأمكنة الممكنة حول نواة الذرة، لكن الكون في بدايته كان أصغر من الإلكترون، وبذلك إذا طبقنا الميكانيكا الكوانتية على الكون ككل، تصبح النتيجة أن الكون يوجد في كلِّ الحالات العديدة والمختلفة والممكنة في آنٍ معًا،  وهذه الحالات الممكنة والمختلفة ليست سوى الأكوان العديدة.


يقول عالم الفيزياء والكونيات البريطاني “مارتن ريس”: (بما أنه توجد أكوان ممكنة مختلفة وعديدة، إن لم تكن لامتناهية، إذن فليس من المستغرَب أن يوجد عالمٌ كعالمنا له قوانينه وحقائقه الخاصة به. ومثال ذلك أننا إذا دخلنا إلى متجر لبيع الثياب، حيث توجد ثياب بمقاسات مختلفة وعديدة، لن يكون حينئذٍ من المستغرَب أن نجد ثوبًا على مقاسنا. وهكذا ليس من الغريب أن يوجد عالمُنا بالذات).
على الرغم من أن الميكانيكا الكلاسيكية لم تستطع حل معضلة تركيب الذرة، واستطاعت ميكانيكا الكم ذلك، ولكن بقي العديد من العلماء الذين رفضوا ميكانيكا الكم وحلولها التي تنتج احتمالات، كان “أينشتاين” الذي أعطى مثالا آخرًا في هذا الصدد، وتساءل عن الدالة الموجية التي من المفروض أن تصف منظومة حفنة من البارود بأنها في حالتي تراكب متساويتين، إحداهما البارود السليم والأخرى الانفجار، وكيف يمكن لهذين أن يجتمعا في تراكب واحد؟ وظل أينشتاين حتى وفاته يرفض ميكانيكا الكم.

هل عثرنا على الأكوان الأخرى؟

علماء موجات الراديو الفلكي تمكنوا من العثور على منطقة فارغة، مساحتها تتجاوز كل المناطق الفارغة التي عثر عليها في السابق، هذه المنطقة الفارغة تقع عنا على بعد حوالي ثمانية مليارات سنة ضوئية، ويصل قطرها إلى ما لايقل عن مليار سنة ضوئية.

 ليست هذه هي المرة الأولى التي يلاحظ فيها العلماء منطقة فارغة، فقد تم رصد حوالي 30 منطقة هائلة تمتد على مساحة بضعة ملايين السنوات الضوئية، ولكن المنطقة المكتشفة حديثاً أكبرها حتى بالمقارنة مع الكون المرئي، وهي من الكبر إلى درجة أن علماء الفيزياء المعنيين بالانفجار العظيم يجدون صعوبة في تفسير الأمر.
تعتقد مجموعة من علماء الفيزياء الأمريكيين أنهم عثروا على تفسير مناسب، حسب هؤلاء العلماء فإن هذه البقعة عبارة عن بصمة كون آخر تضغط على جدار عالمنا، مجموعة باحثين على رأسهم عالمة الفيزياء والكونيات “لورا مرسيني-هوتون -Laura Mersini-Houghton” من جامعة ساوث كارولينا.

“لورا” تقول: (علم الكونيات التقليدي لا يستطيع تفسير فجوة كونية هائلة كتلك)، وقد أشارت حساباتهم إلى أن هذه المنطقة الفارغة نشأت بتأثير ارتطام عالمنا بالعالم الجار له في لحظة مبكرة من نشوئه، الكون المجاور قام بدفع الاجسام الكونية في المنطقة التي اصطدم بها في كوننا بحيث أنها أصبحت خالية أو تحوي أجسام كونية أقل، لو كان هذا صحيحًا فإنه يعطي الدليل التجريبى الأول على الأكوان المتوازية مع النماذج النظرية الموجودة مسبقًا، وهو أيضًا يدل على “نظرية الأوتار”، هذه المجموعة من العلماء تدعي وجود نتائج قابلة للاختبار، حيث أنه لو كانت نظرية الأكوان المتوازية صحيحة، فسيكون هناك فراغ مشابه فى نصف الكرة الجنوبي من الكرة السماوية.

يقول “ألبرت آينشتاين”: (إن أفضل تجربة يحملها العلم، هي أن نبقى بلا أجوبة نهائية، فعدم المعرفة هي الدافع الأهم للاشتغال في سبيل البحث العلمي).

*بقلم: محمود عبود


Leave A Comment