“ما دامت الأرض مُدورة فليس ثمة طريقٌ مستقيم” *الصادق النيهوم.
الأرض بشكلها ومكانها بالكون، حملت الكثير من الأفكار المتغيرة عبر الأزمنة، وإلى يومنا هذا لاتزال قابلة للتغيير، فالعلم متجدد دائمًا باكتشافاته.
طرح “نيوتن” قانون الجاذبية عام 1687م، واستخدمه لشرح حركات الكواكب وأقمارها، وقد تمت صياغة هذا القانون بشكله الرياضي من قبل العالم يوهانس كيبلر (Johannes Kepler) في بداية القرن السابع عشر.
بقيت فكرة أن الأرض مسطحة منتشرة لوقت طويل، وشغلت هذه الفكرة الكثير من الناس إلى يومنا هذا، فأتباع نظرية الأرض المسطحة يعتقدون بأن الجاذبية الأرضية خدعة كبيرة، لإيهامنا بأن الأرض ليست مسطحة، فالأشياء على سطح الأرض لاوجود لجاذبية تمنعها من الطيران، بل إن قرص الأرض هو الذي يتسارع نحو الأعلى بمعدل 9.8 متراً في الثانية المربعة، ويحدث ذلك عن طريق قوة غامضة يطلقون عليها اسم “الطاقة المظلمة”.

نظرية “الأرض مركز الكون”
عام 340 قبل الميلاد قدّم “أرسطو” اطروحة كوسمولوجي “عن السماوات-On the heavens” وقال أن الأرض دائرية وليست مسطحة كما كانت النظرية السائدة حينها، وأضاف أرسطو حينها أن الأرض هي مركز الكون وجميع الأجسام الأخرى تدور حولها.
أيّد “بطليموس” أرسطو بمركزية الأرض، وأعاد طرح الفكرة بأن الأرض مركز الكون في عام 200م، ولخص الكون بأكمله في تصميم كان ينص على أن الكون مكوّن من ثمان كرات، سبعة منها تمثّل الشمس والقمر، ومن الكواكب: عطارد، زحل، المريخ، المشتري والزهرة، والكرة الثامنة والأخيرة تحمل كل النجوم والكون بأكمله، وقد أُعجبت الكنيسة الكاثوليكية بهذا التصميم كثيرًا لدرجة أنها تبنته واعترفت به، وقد كان هو التصميم المعترف به بشكل سائد لأكثر من 1300 عام. وفي عام 1514م جاء الكاهن البولندي “نيكولاس كوبرنيكوس-Nicholas Copernicus”،ونشر تصميمًا ينص على أن الأرض والكواكب الأخرى تدور حول الشمس وليس العكس، وقد قابلته الكنيسة بعنف شديد وتهديدات بسبب هذا التصميم، ولعدم اعترافه بالتصميم “الإلهي”.
بعد قرن من نشر “كوبرنيكوس” لتصميمه، أعلن “جاليليو” و”كيبلر” تأييدهم له علنًا، وفي عام 1609م وجد “جاليليو” أن للمشتري أقمار تدور حوله، وذلك ينفي النظرية التي تزعم أن جميع الأجسام تدور حول الأرض، ولكن حتى حينها جاءت الكنيسة وبعض المؤيدين لنظرية “بطليموس”و”أرسطو” بفكرة أن الأقمار الخاصة بالمشتري تدور حول الأرض في مدار غاية في التعقيد، وتم اتهام جاليليو بالاشتباه بالهرطقة وحكم عليه بالسجن، قبل أن يخفف الحكم إلى الإقامة الجبرية، وتم منعه من مناقشة تلك الموضوعات، وأعلنت المحكمة بأن كتاباته ممنوعة.
في عام 1687م نشر”إسحاق نيوتن” كتابه في الرياضيات والفيزياء “الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية-philosophiae naturalis principia mathematica” وهو الكتاب الذي وضح فيه أساسيات الميكانيكا الحركية الخاصة بالأجسام والمدارات الخاصة بالكواكب طبقًا للجاذبية، وكان هذا الكتاب أول شرح وتفسير صحيح للمدار الغريب الخاص بكوكب المشتري.

عن نشأة الكون
ماذا یوجد فیما وراء كوننا الذي نراه؟ ماذا كان هناك قبل ولادة الكون ؟ ماذا یوجد
خارج نطاق حدوده المعروفة؟ كیف جاء الكون ومن أین؟
أسئلة حاول الفلاسفة ورجال الدين والمفكرون في مختلف العصور الإجابة علیھا، ولايزال إلى الآن العلماء مشغولين بدراسة الكون وما یحتویه وما یحكمه من قوانین، ویعتقد العلماء أننا الیوم قادرون على إعطاء تفسیرات منطقیة ومتوازنة، وبعیدة كل البعد عن الأفكار التي كانت سائدة في الماضي، فإن تلسكوباتنا قادرة على رؤیة ما أقصاه أقل من 14 ملیار سنة ضوئية، لكن ماذا یوجد بعد ذلك؟
الانفجار العظيم
فكرة “الانفجار العظيم” يعود تأسيسها للعالِمَين الروسي “ألكسندر فريدمان” والبلجيكي “جورج لوماتر” فقد نجح فريدمان في حل معادلات “نظرية النسبية”، واستنتج منها فكرة تمدد الكون سنة 1922، واستنادًا إليها وضع “لوماتر” سنة 1927م نظريته حول تمدد الكون.
دعم “إدوين هابل” هذه الفكرة في عام 1924م وتم اكتشاف مجرة (المرأة المسلسلة – أندروميدا)، وأثبت بذلك أنه يوجد مجرات أخرى في الكون، فنحن كوكب صغير في مدارٍ حول شمسٍ متوسطة الحجم، في مجرة فيها الملايين من النجوم، في كتلة عنقودية تحمل الملايين من المجرات اسمها (عنقود العذراء-Virgo Cluster).
وقدم “لوماتر” سنة 1931 فكرته وهي أن الكون كان في بدايته منكمشًا في نقطة واحدة، وأن انفجارًا حصل في اللحظة الأولى جعل الكون يبدأ في التمدد، وقد أطلق “لوماتر” على نظريته الجديدة اسم “الذرة البدائية” وكانت هذه أول مرة تطرح فيها فرضية أن للكون بداية.

أضاف عالم الفيزياء الروسي “جورج جاموف” في بناء النظرية بوضع فرضية أخرى عام 1948 مفادها أنه مع تمدد الكون وهبوط درجة الحرارة نجحت الفوتونات في التحرر من المادة، عندما كان عمر الكون ثلاثمئة ألف سنة، وافترض “جاموف” أن هذا الإشعاع الذي سمي إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، ما زال يتردد في أرجاء الكون ويمكن رصده، وهو ما تم بالفعل سنة 1965م، وبذلك وضع “جاموف” الأساس الثالث لنظرية الانفجار العظيم.
نظرية “الانفجار العظيم والجاذبية المستهجنة”
افترض “آلان غوث” أن الطور الأول للكون كانت الجاذبية تعمل فيه بشكل معاكس، أي تُباعِد الأجسام عن بعضها بدلًا من تقاربها، وتوصل “غوث” بحساباته على أن قوة الجاذبية الهجينة تلك كانت كبيرة جدًا، حيث أن جزءًا صغيرًا جدًّا من الفضاء بحجم ذرة، يتم تضخيمه من خلال هذه القوة ليبلغ حجمًا يقارب حجم مجرة درب التبانة، وذلك أقل من مليار من مليار من مليار جزء من طرفة عين، ولكن يبقى هذا نموذجًا نظريًا طبقًا للمعادلات النظرية ولا يوجد أي دليل علمي يدعمه.
في عام 1989م أطلقت وكالة (ناسا) القمر الصناعي المستكشف لشعاع خلفية الكون متبوعًا بـ مسبار ويلكينسون لتباين الأشعة الكونية، وفي عام 2003م استطاع هذا القمر الصناعي قياس إشعاع الخلفية الكونية بدقة رهيبة، وتوصل المسبار إلى أن التوزيع الحراري الناتج بسبب التضخم الكوني مطابق تمامًا لنموذج “غوث”، ويعتبر هذا دليل علميًا حقيقيًا على صحة التضخم الكوني ونظرية الانفجار العظيم.
وقد تكون بداية التأكيد العملي لنظرية الانفجار العظيم قد بدأت مع رصد الفلكي الأمريكي “هابل” للمجرات ومما قام به من أرصاد للمجرات، وأوضح شيئين من نتائجه في عام 1929م، أن مجرة درب التبانة التي نعيش فيها ليست المجرة الوحيدة في الكون، بل توجد مجرات كثيرة في جميع أرجاء الكون، والنتيجة الثانية التي استخلصها “هابل” من قياساته أن المجرات حولنا تبتعد عنا، وأن سرعة ابتعادها عنا تزداد بزيادة بعدها عنا.

الأكوان المتعددة – الموازية
بعد هذا التقدّم العلميّ في فهم الأرض وشكلها ومحيطها ونشأتها، فهل هناك خفايا أخرى ممكن وجودها ولم نصل لها بعد؟
يقول الفيزيائي “ميشيو كاكو” في كتابه (الأكوان الموازية):
“إن نظرية “الأوتار-String Theory” تؤدي إلى وجود أكوان ممكنة مختلفة وعديدة. ووفقاً لهذه النظرية كل شيء في الكون يتكون من أوتار وتذبذباتها، فمع اختلاف أنغام الأوتار تختلف القُسيمات، فالذرات تتكون من قسيمات، والقسيمات (كالإلكترون والفوتون) تتكون من أوتار، باختصار: (العالَم سمفونية أوتار).
لكن نظرية الأوتار تستلزم وجود أبعاد عدّة، بالإضافة إلى الأبعاد المكانية الثلاثة والبُعد الزمني (بحسب نظرية النسبية لأينشتاين)، وفي هذه الأبعاد الإضافية، تتذبذب الأوتار، فتؤدي إلى نشوء القوى الأربع الناظمة للكون،هذه الأبعاد تلتف حول نفسها بحيث لا نراها في عالمنا، وبما أن الكون يحتوي على هذه الأبعاد المختلفة في هندساتها العديدة والمتنوعة، وعلمًا بأن قوانين الطبيعة تعتمد على هندسة الطبيعة، إذن فمن المتوقع أن تُشكل هذه الأبعاد العديدة أكوانًا مختلفة في قوانينها وحقائقها، هكذا تؤدي “نظرية الأوتار” إلى نتيجة مُفادها أنه توجد أكوان عديدة ومختلفة.
بالإضافة إلى ذلك، يشير “كاكو” إلى أنه تم اكتشاف المليارات من الحلول لمعادلات نظرية الأوتار، وكل حلٍّ من هذه الحلول يصف كونًا رياضيًّا متناسقًا ومختلفًا عن الأكوان الأخرى، التي تصفها الحلولُ الأخرى لنظرية الأوتار، هكذا تدل “نظرية الأوتار” على وجود أكوان عدة من جهة أخرى.

بالنسبة إلى النظرية الكوسمولوجية المعتمَدة حاليًّا، نشأ الكون من خلال التقلبات الكمية القائمة في العدم، لكن بما أن “العدم” يمتد إلى مساحات شاسعة، فإنه من الممكن علميًّا نشوء أكوان عديدة في أمكنة مختلفة من العدم. تضيف هذه النظرية أنه بعد أن نشأ عالمنا تعرَّض إلى تضخم هائل، ولهذا يبدو العالم متجانسًا، وبما أن الكون قد مرَّ بمرحلة تضخم في بدايات تكونه، إذن فمن الممكن أن الآلية ذاتها التي أدَّت إلى تضخمه مازالت فاعلة، مما يؤدي إلى نتيجة مُفادها أن عالمنا بالذات قد تضخَّم في مراحل مختلفة، وهذا التضخم المتوقع للكون في مراحل مختلفة يتضمن إمكانية ولادة عالمنا لأكوان مختلفة، هكذا تُنجب الأكوانُ أكوانًا أخرى، والانفجارات العظيمة تحدث في استمرار، فتنتج عوالم مختلفة.
الشيء واللاشيء كلاهما موجود والفارق يكون بما نستطيع تعلمه وتحديده، اللاشيء هو شيء أو يحتضن شيء ما، ولكنه خارج المنظومة الإدراكية الحالية لنا، أو لاقدرة لنا على إدراكه إلا عن طريق الاستعانة، إنك موجود بهذا العالم بهيئةٍ ومكانةٍ ومكان ما، وربما تكون بكونٍ آخر موجود أيضًا، ولكن بشكلٍ مختلف بعض الشيء.
بقلم: محمود عبود
