
يوم “تطهير” حيّنا منا على يد إخوتنا في الجيش العربي السوري، لم أكن أهتف مع المنتصرين ابتهاجاً، ولم أكن أبكي مع المهجرين حسرة و كمداً.. لم أكن أنادي إلا بكلمة واحدة:
إلا هذه !!
كنت أقول ذلك، وأنا أتسلق تلال الركام، و أتدحرج عنها، فانهض وأتابع الركض و الدحرجة، غير آبه للجروح والإصابات، التي هشمت سائر الجزء السفلي من جسدي..
أنين الحجارة التي لازالت تتمسك ببعضها، و ترتجف خوفاً رغم انتهاء الحرب، و أنين من قد يكونون تحتها لم يستوقفني، ولا حتى أنين الأرواح الحوّامة فوق هياكل البيوت، أثار فيّ إلا الاصرار على التقدم المحموم، وأنا أردد برجاء و توسل:
إلا هذه !!”
لم أتفحص الثلاجات المحمّلة على الدراجات النارية، و لا الغسالات التي تكاتفت الأكف المدماة، وتلك الملطخة بالدماء على انتشالها من تحت الأنقاض، كل تلك المسروقات لم أحاول التمعّن بها، أو التأكّد ما إذا كانت الـ”هذه ” بينها….
حتى عندما سقطتُ، وانغرس قضيب معدني في صدري، كل ما فكرت فيه لحظتها ما إذا كنت سأصل إلى بيتي قبل أن أفقد وعيي، أو ربما حياتي بفعل النزيف الغزير، ففضلت استغلال ما تبقى من عمر مفترض، لمتابعة السباق مع الزمن، لأصل بقايا بيتي بدل إنفاقه في طلب المساعدة، خصوصاً أنني لم أعد أملك ما أدفعه للـ”محررين” و لا للـ”فاتحين”، ليسمحوا لي بدخول حيينا “المحرر” مرة أخرى ..
الشوارع التي تبرقعت بالحطام، وتنقبت بالغبار لم تخفَ علي، واستطعت التعرف إليها.
أخيراً ها أنا أمام بيتي، الذي تحصّن خلف كومة من الركام، أزيل بيدي العاريتين الداميتين تلك التحصينات عنه، مراهناً على أن يعرفني من أنفاسي، فلا ينفجر في وجهي دفاعاً عن شرفه.
عندما بدأ عناصر التطهير يساعدونني في اختراق تحصينات بيتي، لم أرفض مساعدتهم، أو بالأصح لم أكن أملك أن أقبل أو أرفض أي شيء.
فتحنا طريقاً، وسبقني “رجال الله” إلى الداخل، حملوا الثلاجة و المكيّف و لعبة كانت يوماً لشقيقتي الصغرى، تفحّصها أحدهم بعد أن نفض عنها التراب، ثم قهقه قائلاً:
سبحان مقسّم الأرزاق !!.. منذ أيام فقط رأت ابنتي لعبة مثلها على واجهة أحد المحلات، و أرادتها بشدة، لكن لم يكن لدي المال لأشتريها لها..

حملوا كل ما استطاعوا حمله، بما في ذلك التلفاز المحطم أخذوه معهم، بينما كنت أنا أستلقي على صوفا حديدية عليها فراش من صوف، ظلت أمي تنام عليها حتى اللحظات الأخيرة قبل هروبنا من البراميل الغبية، رافضة كل محاولاتي لاستبدالها لها بسرير جديد، زاعمة إن تلك الصوفا، وذلك الفراش لازالا يعبقان برائحة والدها..
في الحقيقة كنت أعتبر كلامها مجازياً، ولكن عندما استلقيت على تلك الصوفا و تمرغت بها، و كأنني أحاول أن أغل بها، كانت ذرات التراب التي ملأت صدري محمّلة فعلياً بعبق أمي، التي لم تحتمل فكرة نزوحها عن بيتها فنزحت إلى العلا، و كم شعرتُ بالرضا و الامتنان عندما عرض على أحد بواسلنا نقل الصوفا والفراش بسيارته مقابل الحذاء الرياضي الذي كنت أنتعله، فقبلت على الفور، وقدمت له حذائي على هيئة إشارة النصر، شاكراً خدمته الجليلة.
