
لا يشعر المرء بعمق وأبعاد بعض الكلمات، إلا وقد نحتت نفسها بنفسها على جدار الذاكرة، فيغدوا صداها يتردد في الخاطر كل حين؛ وفي كل مرة يتمنى المرء أن ينحني أمام قائلها خاشعاً طائعاً، مؤدياً له فرائض الإجلال، إلا أن الأوان يكون قد فات.
كلّما تذكرت كلمة “يا بيي” التي تعني في الأصل “يا أبي” والتي كانت تستخدمها أمي في مناداتنا أنا أو أياً من إخوتي؛ الذكور أو الإناث على حد سواء؛ لاسيما عند الاستعطاف أو الطلب المرفق بانكسار الأمهات النبيل؛ وأفكر في مقدار العاطفة التي تتدفق من قلبها لحظة استعمالها لتجري على لسانها، أتمنى أن يعود بي الزمن إلى الوراء، لأركع عند أقدامها وأنفذ ما تطلبه مني حتى وإن كان رابع المستحيلات، لو كنت أدرك وقتها كم هي تلك الكلمة باذخة البلاغة، إذ تبجل أباها، وتقيس حبها لي كأم بمدى عشقها لأبيها، لمددت يدي إلى ما فوق السماء السابعة لأقطف لها زهرة من زهور جنة تتشرف بأن تكون تحت قدميها.
لم أتوقف كثيراً عندما مات جدي لأمي، وقد تجاوز عمره القرن حين أنّت أمي
قائلة: آخ يا بيي! اليوم فقط شعرت أنني يتيمة بحق.
قالت ذلك، رغم مرور عقود على وفاة أمها آنذاك، وقد تأخّرتُ أنا عقوداً لأفهم كم كانت تغدق عليّ من الحب حين تناديني: “يا بيي”.
في بداية الثورة قالت لي أمي دامعة العينين:
الله يخليك “يا بيي” كف عن الشغب، لا أريد أن أعيش الفاجعة في آخر عمري.
فقلت لها ضاحكاً بثقة الأغبياء:
لا تخافي؛ ما هي إلا أشهر قليلة حتى ترينه متأرجحاً على حبل المشنقة.
فردت قائلة:
أنا لا أفهم في السَياسة، ولكن خوفي على بلدي من خوفي على ولدي.
وأيضاً بغباء الأبناء لزمني ثلاث سنوات من الزمن، لأدرك مدى دقة وعظمة كلماتها تلك، وقد تذكرتها ورددتها مراراً عندما كنت أحاول الهروب من هناك كما حاول الكثيرون.

استعنت يومها بمهرب من أبناء منطقتنا كما استعان الكثيرون، وانتهى بي المطاف تائهاً في غابات ريف ريف اللاذقية الشمالي، بعد أن سلبني المهرب كل شيء، حتى هاتفي النقال رخيص الثمن، قبل أن يختفي فجأة.
كانت أولويتي أن أجد مكاناً آمناً آوي إليه، يحميني من عيون البشر أولاً؛ ومن خطر الوحوش المتوقع وجودها في تلك المنطقة ثانياً، فوجدت كهفاً صغيراً في خاصرة جبلٍ مطل على واد شاسع فلجأت إليه.
بدأت أستكشف الجوار حولي كل يوم فيما أبحث عما يسد الرمق.
ما أثار استغرابي حقيقةً وأدخل شيئاً من الطمأنينة إلى قلبي في نفس الوقت، هو غياب أي ظهور مسلح في كل تلك المنطقة، علماً أنها من المفترض أن تكون منطقة اشتباكات عنيفة دائمة، حسب الأخبار التي كانت متداولة على وسائل الإعلام تلك الأيام.
أمضيت أسبوعين في تلك المنطقة، آوي إلى وجاري نهاراً وأغادره ليلاً بحثاً عن أسباب البقاء؛ دون أن ينال مني اليأس، وكان للدورات المكثفة التي خضعت لها في صفوف قوات الجيش في الماضي، إضافة لولعي بالبرامج الوثائقية؛ لا سيما تلك التي تستعرض طرق الشعوب في الكفاح من أجل البقاء، الدور الأكبر في بقائي على قيد الحياة.
في أحد الأيام فيما كنت متوارياً في جحري، سمعت ضجيجاً أشبه بضجيج طائرة حربية، أطليت برأسي من مدخل الجحر بحذر، فرأيت طائرة مدينة تترنح على علو منخفض والدخان يتصاعد من أحد أجنحتها، ثم هبطت بشكل عمودي وسقطت في الوادي الذي يشرف عليه مأواي، فسبّب سقوطها انفجاراً هائلاً، رافقته سحابة دخان سوداء عظيمة.
كانت مشاعري مختلطة في تلك اللحظات، وأنا أركض باتجاه مكان سقوط الطائرة، فأول ما خطر لي هو أن أتظاهر أنني أحد الركاب، عساي ألقى المساعدة من أي طرف كان، ممن توقعت أن لا بد وأنهم شهدوا سقوطها وسيصلون قريباً إلى المكان، ثم سرعان ما تراجعت عن تلك الفكرة الغبية، إذ كيف يمكن أن يبقى أحد من ركاب الطائرة على قيد الحياة، بعد هذا السقوط الرهيب؟!.
أفكار كثيرة كانت تتوارد إلى ذهني، بعضها مرعب؛ كأن أقع بيد الواصلين المتوقعين إلى هناك، فأصبح سلعة اعلامية تبث صوري على وسائل التواصل الاجتماعي مقطوع الرأس، أو على وسائل الإعلام الرسمية على أنني عميل تم إلقاء القبض عليه.
لكن ذلك كله لم يوقفني عن الركض باتجاه موقع الحادث.
كان المشهد مرعباً، الأشلاء المتفحمة في كل مكان، النيران تلتهم كل شيء، وعلى الرغم من أنني ما أزال على بعد عشرات الأمتار منها، إلا أنني كنت أشعر بأن جلدي يكاد ينسلخ من شدة الحرارة.
لم أر مشهد دمار مماثل منذ أن تهت في هذه المنطقة، بعيداً عن المدن السورية المأهولة!
أثناء ذلك بدأت أسمع أصوات اشتباكات عنيفة، مصدرها قمم الجبال المشرفة على الوادي، فدبّ الرعب فيّ فقررت التراجع، لكن شيئًا كان يتحرك على بعد أمتار مني بين الأعشاب لفت انتباهي، تقدمت قليلاً، لأفاجأ بشاب يغطيه السخام يتلوى يميناً و يساراً، جثوت بالقرب منه مندهشاً؛ أيعقل أن يكون ناجياً من حادثة التحطم؟!

خطر لي خاطر غريب، إذ قررت أنه لو لم يكن “ابن عاهرة” لما نجا، فقررت الإجهاز عليه، وحملت حجراً كبيراً بالكاد أقوى على حمله، لأضربه به على رأسه، فكرت للحظة، ترى بم كانت تناديه أمه؟ باسمه؟ أم بـ”يا بيي”؟
لكن قذيفة سقطت بالقرب من المكان، فأنقذتِ الرجل من جنوني وألقت بي أرضاً، فبقيت منبطحاً لبعض الوقت مصدوماً؛ ليس بفعل القذيفة فحسب، بل بفعل قراري الإجهاز على رجل لا أعرفه، ودون أن يشكل أي خطر علي.
اشتدّت وتيرة الاشتباكات، وأدركت أنه لم يعد لدي الكثير من الوقت ﻷنسحب مبتعداً.
قررت الابتعاد عن المكان، مصطحباً معي ذلك الرجل المصاب الذي كنت أنوي قتله قبل لحظات، وما أن حركته محاولاً حمله على ظهري حتى شعرت بقعقعة عظامه المحطمة، فصرخ متألماً، ثم غاب عن الوعي.
حملته على ظهري و بدأت رحلتي الشاقة صعوداً باتجاه وجاري.
لم يكن وراء قراري بانقاذ الرجل أي دوافع إنسانية، إنما قدّرت أنه يمكن أن يكون طوق نجاتي من المحنة التي وضعني فيها المهرب اللعين.
لم أتمكن من التسلق ﻷكثر من مئة متر، حتى أصابني إرهاق شديد، ولم أعد قادراً على المتابعة، حاملاً ذلك المصاب الذي ربما يفوقني وزناً، إضافة إلى صراخه المزعج بين الحين والآخر، كلّما استعاد وعيه، والذي كنت أخشى أن يفضح مكاني، فيما لو وصلت العناصر المقتتلة إلى المنطقة، فألقيته أرضاً وجلست ألتقط أنفاسي، متوارياً بين الأشجار.
استفاق الرجل مجدداً، وعاد إلى الصراخ، فوضعت يدي على فمه محاولاً إفهامه مدى خطورة أن يسمعنا أحد قد يمر مصادفة بالقرب منا، لكن عينيه الزائغتين كانتا توحيان أنه لا يفهمني، فوضعت إصبعي على شفتي قائلاً: هوسس، فصمت المسكين.
في هذه الأثناء بدأت عناصر مسلحة تصل الوادي، قادمة من الشمال، بينما الآليات مستمرة بالتراشق الناري على قمتي الجبلين، تجاوز العناصر المتقدمون من الشمال موقع سقوط الطائرة بشجاعة أثارت اعجابي؛ إذ لم يكونوا آبهبن للقذائف التي تمطر المكان، واستمروا بالتقدم جهة الجنوب صعوداً.
ازددت حماساً، عندما رأيت رايات الثورة مثبتتة على ظهور بعضهم، واستمريت بمتابعة مجريات المعركة مفكراً:
ما داموا بهذه البسالة، لا بدّ وأن يكون عشاءهم في القرداحة هذه الليلة، خصوصاً أن أصوات القذائف من جهة الجنوب لم تعد مسموعة، ما يعني أنهم دحروا قوات النظام بعيداً…. قلت وقتها في سري: ليتني بقيت مصراً على قناعتي بأن كل شيء سينتهي قريباً، وأن نهاية الديكتاتور متأرجحاً على عود المشنقة مسألة وقت، ليتني لم أرضخ لرغبة أمي بالابتعاد عن نار الوطن، ولم آخذ مخاوفها من الفجيعة بعين الاعتبار.
بعد ذلك ظهر من بين الأجمة أشخاص يجرون دواباً خلفهم، و بدؤوا بالبحث بين حطام الطائرة، ويحملون على دوابهم أشياء لا يمكنني تمييزها من بعيد، ويغادرون بها.. فجأة عادت القذائف تمطر المكان وبدأ المهاجمون بالانسحاب حاملين غنائمهم، وعادت أصوات القذائف تقترب من الجهة الجنوبية، وفي لحظة؛ انتهى كل شيء، فلم أعد أسمع طلقة واحدة.
في ذلك الهدوء، سمعت الرجل يقول شيئاً، اقتربت محاولاً فهم ما يقول فسمعت منه كلمة لم أفهمها: “وور.. وورر”.. ثم قالها بوضوح أكثر: “ووتر”
قلتُ مندهشاً: إذاً أنت أجنبي! وضحكت ضحكة طويلة وغريبة… أصبح احتمال نجاتي باستخدام هذا الغريب أكبر، عاد الرجل ليغمغم ” ووتر؛ ووتر”..
“لك تشرب سم الهاري، نحن بشو وللا بشو! “
من أين لي أن آتيك بالماء الآن؟!”.. قلت ذلك وعدت لمراقبة ما ستؤول إليه الأمور.
في تلك الأثناء، بدأت طائرتان مروحيتان تحومان في سماء المنطقة، ثم هبطتا في موقع التحطم.
لم يكن على حد علمي لدى الجيش السوري مثل هذا النوع من الطائرات، فأشرت للرجل بالصمت، وتقدمت بحذر باتجاه الموقع، وعندما أصبحت قريباً كفاية؛ تأكدت من سحنات الأشخاص أنهم لم يكونوا سوريين، فخرجت من بين الأجمة وتقدمت نحوهم رافعاً يدي، فصوب أحد الجنود الذين يرافقونهم إليّ سلاحه، و صاح بي بالانجليزية : “توقف ابق مكانك”،
فسقطت منهاراً لفرط سعادتي…
لقد جاء الفرج!
ساعدني الجندي على الوقوف، و سألني عما أفعله في ذلك المكان، فرويت له حكايتي منذ أن تهت هناك إلى حين وقوع الحادثة، وإنقاذي للرجل.
صرخ مستفهماً: هل تعني أن أحدهم لايزال حياً؟ قلت: نعم، وأرشدتهم إلى مكانه، فأحضروا الرجل وبدأوا يقدمون له الإسعافات اﻷولية، فيما تقدّم مني شخص يحمل كاميرا، وطلب مني أن أروي له بالتفصيل ما حصل؛ فرويت له القصة، مضيفاً الكثير من البطولات التي لم أقم بها في سبيل إنقاذ الرجل؛ مكرراً بين الحين والآخر أنني تائه، ولا أجرؤ على مغادرة المكان، خشية الوقوع بيد أي من الطرفين المتصارعين في المنطقة.
انتهت المقابلة وانصرف كلّ إلى متابعة عمله، متجاهلين وجودي تماماً، كانوا منشغلين بجمع كل قطعة يجدونها من أجزاء الطائرة، و كلّما حاولت مساعدتهم طلبوا مني التنحي جانباً، فأجلس منتظراً بفارغ الصبر أن ينهوا عملهم ثم يغادروا، ويأخونني معهم.
في اليوم التالي، بدؤوا يوضبون أشياءهم استعداداً للرحيل، فاقتربت من أحدهم و سألته: ستصطحبونني معكم أليس كذلك؟ قال ببرود : لا؛ لا يمكننا ذلك بكل أسف.
ظننته يمزح، لا بد وأنه يمزح!
فتوجهت إلى آخر اسأله ما إذا كانوا سيأخذوني معهم، فأكّد لي ما قاله الأول! عندها أصبت بحالة هستيرية وبدأت بالصراخ: لا يمكنكم تركي هنا! لقد خاطرت بحياتي لأنقذ إنساناً، فكيف تتركوني لمصيري؟!
لكن أحداً لم يهتم لما أقول، فحملت حجراً محاولاً مهاجمتهم، فسدد أحدهم سلاحه إلي و أمرني بالهدوء.
قلت له بشيء من التوسل: اسمع، في الحقيقة لقد كذبت عليكم.. أنا لست إنساناً؛ بل أنا هر كنت مسافراً مع مالكي على متن الطائرة، صدقوني لست إنساناً، أرجوكم خذوني معكم!.
في تلك الأثناء لمحت أحدهم يحمل حقيبته على ظهره، لكن عيناه لازالتا تجوبان اﻷرض بحثاً عن شيء ما فسألته: عما تبحث يا سيدي؟ قال أن إحدى الجثث التي لم تحترق فقدت فردة حذائها؛ وأنه يتمنى أن يجد فردة الحذاء، فقلت له بما يشبه الهذيان: أنا.. أنا فردة الحذاء المفقودة يا سيدي؛ خذوني معكم!
صعد الجميع، ثم ارتفعت المروحيتان في الجو وأنا أنتحب مكاني، وما كادت المروحيتان تغادران اﻷجواء حتى عادت الاشتباكات، فغادرت مسرعاً باتجاه وجاري في الجبل.
و منذ ذلك الحين وأنا ألطم وجهي خمس مرات في اليوم، لأنني لم أقتل ذلك الناجي الوحيد.
*الكاتب السوري: زيدون “زياد الجندي”.
*الأعمال الفنية للفنانة المصرية “فاطمة عرارجي”.
