إن كان هو الموت، فليأتِ تالياً .. الحرية، أبدا هي الأولى .*ريتسوس

تمتد الجزيرة التي اعتقل فيها الشاعر اليوناني ريتسوس كمعسكر صحراوي، بعيداً عن الزمان، قصياً عن المكان، آلاف الخيم المهترئة ، محاطة بأسلاك شائكة ، تكدّس فيها المعتقلون كرهائن مجانية، لدى قوات الأمن الخاصة، التي تعتمد إجراءات قاسية لتعجّل في استسلام المعتقل، وإجباره على توقيع وثيقة “البراء”، وإعلان التوبة واستنكار المواقف والأفكار التي تبناها كثمن للخلاص.

 

جاء دور ريتسوس ليعلن توبته ، منحه الضابط المشرف 24 ساعة .فقط ، وفي النهاية توجه إلى الضابط الذي لم يعد يطيق صبراً قائلاً ” إنّ موتي انتصار، به تكتمل أعمالي “، وعاد أدراجه إلى الخيمة ينتظر أسوأ العقاب، ولكنهم لم يقتلوه، خشية منهم أن يرتكبوا الخطأ ذاته الذي ارتكبته الفاشية الإسبانية من قبل بإعدام ” لوركا” شاعر إسبانيا العظيم، ولن يصنعوا من ريتسوس “لوركا” جديداً . ….

خلال أعوام اعتقاله الطويل والشاقة والمؤلمة، لم يستسلم ريتسوس لا لسجانيه و لا للمرض، كتب أجمل القصائد التي كان يضعها في زجاجات فارغة ويدفنها في التراب، كي لا يراها السجّان ويأخذها، وعندما منع عنه الورق والحبر، بدأ يكتب على الحجارة المتوفرة في أرض المعسكر، وعلى بقايا العظام وجذوع الأشجار العتيقة، ينحت قصائده على الحجارة حيناً، ويصنع من الحجارة أشكالا فنية رائعة حينا آخر من خلال رسوماته عليها، وكتب عن هذه التجربة دراسة تحت عنوان ” حجارة ، جذور ، عظام” يقول:

( أنا وفيٌ للحجر منذ عشرين عاماً، أتكلم إليه، أعنى به كل العناية، لقد كان رفيقي في زمن النفي والإبعاد، كان ممنوعا وقتئذ أن نحوز وسائل الرسم، فحل هو محلها، ولم أكن أشعر آنذاك برغبة في لمس حجر فحسب، بل كنت أريد أن أبثه مأساة الرجل أسيراً، وضحية للعسف .. كل هذه المأساة وأكثر، هكذا أبدأ مع الحجر حواراً صامتاً ودوداً ، غامضاً ، وحميمياً ..

  هكذا ترى بسمات الرجاء الخارقة على حجري، ترى أسرار الحياة، والوقوف في وجه الظلمات، صامت هو الحجر ، إنه لا يفشي أسراري، وبحديثي إلى الحجر تسنى لي أن أقول في صمت، ما كانت الديكتاتورية تحرص عل منعه، الحجر، هو من البراءة بحيث يمكن أن يشكل سلاحاً حقيقياً ضد القمع ) .

سقطت الديكتاتورية، وخرج ريتسوس من معتقله، لينال جوائز عالمية عدة، وكان قد أهدى الشاعر الفرنسي “أراغون” قطعاً من الأحجار التي رسم وكتب عليها خلال فترات اعتقاله ، وقال حينها “أراغون”:

( لقد أعطاني ريتسوس خمسة أحجار، وفي نيتي أن أهدي هذه الأحجار، بعد موتي ، إلى متحف اللوفر. فمن الحجارة التي تدوسها أقدامنا يصنع ريتسوس روائع مذهلة) .

• رحل الطغاة الذين سجنوا ريتسوس، ونفوه ونقّلوه بين الجزر الموحشة، رحل الضابط الذي كان يشرف على تعذيبه، رحل الجميع ولا أحد يذكرهم ..لا أحد حتى يعرف أسماءهم .. وعاش ريتسوس في حياة اليونانيين كأهم شاعر معاصر .. ليكرّمه العالم كله، وليحتفظ متحف اللوفر بفخر كبير، وهومن أهم متاحف العالم، بقطعٍ من أعماله …

*يسقط الطغاة من الذاكرة ويبقى الشاعر الثائر منارةلأجيال قادمة … ونعم الحرية أولاً

 

 

 

 

14 Comments

  1. sumer habil February 26, 2020 at 1:26 pm - Reply

    يقال إن الكتابة ليست مجرد بيان موقف إنما يجب أضافة معرفة لتبقى الكتابة ..في مسيرة الشاعر اليوناني أضاف حياته كلها و تجربته شعراً مؤكداً اليقين الأهم الذي يجب أن يمتلكه الإنسان ..الحرية أولاً ..
    أضافة معرفية و أخلاقية

    • kmarabia February 27, 2020 at 10:14 am - Reply

      فعلاً الكتابة أكتر من مجرد بيان موقف، وتعبير عن الذات الفاعلة إنسانياً، بل هي جوهر معرفي، وكلما كانت بمضمون أخلاقي وإنساني، قُيّض لها أن تستمر للأبد في ذاكرة البشرية عبر أجيال متعاقبة، لذلك لم ولن يغيب ريتسوس وأمثاله.

      • محمد العسكري April 10, 2020 at 8:58 pm - Reply

        من اجمل ماقرأت ادب السجون فبها حس انساني يصفعك كل لحظة كي لا تكون مشروع سجان
        وعليك ازدراء كل سجان .
        اما ريتسوس فهو صورة مشرقة لما يسمى بالادب المقاوم .

        • kmarabia April 21, 2020 at 2:43 am - Reply

          شكرا محمد، سررت أنه نال إعجابك، الحرية ثمنها غالٍ ولا يدفعه إلا أصحاب العقول والنفوس والأرواح الحرة. شكرا لاهتمامك.

  2. هيفاء الحاج حسين April 10, 2020 at 11:12 am - Reply

    أجل إضافة معرفية وأخلاقية

    • kmarabia April 10, 2020 at 6:16 pm - Reply

      إن شا الله تجدون إضافة مرضية، وشكرا للتفاعل

  3. Bassema alhajali April 10, 2020 at 8:52 pm - Reply

    هي الأزمات تعيد تشكيلنا كما نرغب لو صوبنا البوصلة بالاتجاه الصحيح

    • kmarabia April 21, 2020 at 2:45 am - Reply

      ولد الإنسان حراَ، وهو دائما مستعد يبذل كل شي في سبيل حريته. شكرا لتفاعلك واهتمامك

    • kmarabia April 21, 2020 at 5:52 am - Reply

      فعلا .لأنها تُشكل صدمات كبيرة من الصعب تجاوزها بدون أن تترك آثار جذرية. شكرا لتفاعلك.

  4. Maya April 10, 2020 at 11:54 pm - Reply

    أخيتي الغالية خولة دوما تعجز الحروف امام هذا النبض العاشق للحياة المشع بالحب والمعمد بماء الحرية ..
    تبقى الكلمة هي الرسالة ولا يتقن اعجازها الا الذين يملكون قلبا طاهرا وروحا حرة لا تعرف السبيل الا في التحليق والطيران لها ولكل أقرانها …

    • kmarabia April 21, 2020 at 2:40 am - Reply

      تحياتي مايا، الكلمة روح وفكر ونفس، ومهما علت جدران السجون ستجد لها طريق للوصول إلى مسنمعيها وقرّاءها، وللحرية أثمان لا يُقبل على دفعها إلا أصحاب العقول والنفوس الحرة. شكرا لاهتمامك.

    • kmarabia April 21, 2020 at 5:53 am - Reply

      الأرواح الحرة لا تسجنها الأقفاص والحدود، وهؤلاء الناس أعطونا أمثلة كبيرة، شكرا لتفاعلك الدائم وتحيات من القلب.

  5. Ziad Aljondy April 11, 2020 at 4:58 am - Reply

    عندما تتحرر الروح يصبح فناء الجسد أو بقاءه أمراً ثانوياً
    بانتظار المزيد .

    • kmarabia April 21, 2020 at 2:38 am - Reply

      نعم. هي حرية الروح التي تتجاوز حدود السجن. وتحلق عالياً في عوالهما. ولكل شيء بالنهاية ثمن. وثمن الحرية غالي جدا. شكرا لمداخلتك زياد

Leave A Comment