
عندما تغادر، سيكون لديك متسع من الوقت لحراسة مزاريب الذكريات، و اشتهاء الروح لرائحة البلاد، لصوت الوقت بين لهيب الشمس ونسمة مسائية، أفرّطت في برودتها، لتسكب دلالها في قلبك، كأنّها تؤرّخ لنهاية الزمن.
في الزمن الرديء، تخوض معركتك اليومية مع الوجود، ستترك عمرك كاملاً خلفك، عمرك الذي لم تكن تحبه، لكنه أنت، حياتك التي كنت تتذمر منها، لكنّها كانت حياة بكل النواقص كانت أنت ….
تحمل في حقيبتك خوفك وتعاليم القبيلة ، جيشٌ من المحرّمات على ظهرك، وما استطعت من كل تابو على الخريطة العربية .
أنت عابر في كل الدروب خارج الحدود، كعدمٍ تمر بلا أثر.
يتملكك القهر بخبث وبطىء يفتك خلاياك، ويتفوق على ذاته في كسرك.
لست أنت أنت….
أنت غارق في بحر مصطلحات الهوية….
تلوح للنوارس البعيدة، ولسماء غرست الغياب، ورحلت….
تائهٌ أنت في اللازمان واللامكان…
مهملٌ، منفي بلا توازن…
مهما استحضرت من قوانين الجاذبية والفيزياء.
لا تستطيع السير في الأزقة الغريبة، في الزوايا النظيفة بلا قمامة…
خطواتك مازالت هناك تسامر التراب…..
في لياليك الطويلة، تتقدم نحو الغد بذاكرة الشهداء…
وما رأيته من مجازر، أو ما سمعت عنه، أو ماشاهدته من خلف شاشتك الصغيرة، وما خبرته من مقاصل الرغيف والبرد، في يوميات من تمرد على نهج الغول في أكل القطيع.
في منفاك الجميل، البعيد، ستصادق وحدتك وستحبها، ستكون ابن الفراغ المدلّل، المرّفه وابن العزلة الراقية…
لن تستطيع أن تنام …
ستراودك قبور تتطاير في هواء غرفة نومك، وجثث مجهولة الهوية، مألوفة الوجع…
يزدحمون بأحلامهم المسروقة، بأكفانهم على سريرك…
آثار دمائهم، ودموع و أشلاء …
في ليلها الباهت تتمدّد بين مدن و بيوت مهدّمة …
وفي نهاراتها الموشومة بالانتظار، تطاردك العصافير التي فقدت أعشاشها، عند شجرة صار جذعها بندقية، وأغصانها رصاصات طائشة…
ستكره ثيابك الأنيقة، ورائحة عطرك الفاخر، ستبتسم للكلاب المدلّلة، وتتحتضن قطتك كابنة…..
وستلاطف كل العنصريين الذين يكرهون اسمك، ولونك، وهويتك…
ستدّعي أنك تعشق باخ، أنك قرأت غوته، وأنك تحب زيارة المعارض والمتاحف، و تهوى ألبرخت دورر…
لن تستطيع أن تتحاشَ هذا الهذيان، وسيغتالك الجنون….
تصرخ بصمت من كثرة محاولات اقتلاعك من جذور العتابا والأوف والميجانا…
يجيبك صدى الجماجم، و صوت أجراس الفراغ….
سترقص على السلالم في مدينة من فقاعات، أنت نفسك ظل لفقاعة، فقاعة أنيقة، فقاعة لاانعكاسات الأوهام في فخ الخوف….
تكويك كلمة “لاجىء” ….
لن تنجو بكرامتك…
لكنّك ترى الوطن البعيد لأول مرة، وتتساءل لأول مرة: ماهو الوطن ؟
أنت الآن وحدك جداً، تعيد قراءاتك ومفاهيمك، وتحاول أن تتصالح مع عمرك الضائع…
كم ستتفاجأ بما كنت عليه، وما أصبحته، وستدور في دائرة مغلقة على هنا وهناك…
ستصاب بمتلازمة البكا، سترسل كل يوم غيمة للديار ….
تمطر فوق الأسقف البعيدة حنيناً… وتمضي ….
ستغرق أكثر في فقدك، في تفاصيلك الكئيبة، ومنمنماتك الغارقة في الأسى، ولن تتغلب على خوفك…
و لن تكون أنت الذي كنت، و لستَ أنت الذي أنت الآن، ستلاحقك لعنة نجاتك ..
لستَ هنا ولستَ هناك .
لن تنجو.
*مها دعاس
