ــ 11 ــ
نهض زيدان من نومه ذات صباح. وقال لدحام الذي أقعى على ركبتيه، يعالج دراجة عادية قديمة، يتآكلها الصدأ، وقد ثقبت إطاراتها وتحطم معظمها. محاولاً بذلك إصلاح ما أمكن منها:
ــ لقد رأيت مناماً عجيباً هذه الليلة.
أجاب دحام بهدوء لا حماس فيه:
ــ ستظل ترى منامات عجيبة من الآن فصاعداً، طالما ظللت تجالس عبدو السكير وعويصة، وتصغي إلى أحاديثهما.
ــ الأمر لا يتعلق بهما ولا يعنيهما. إنه أخطر شأناً من ذلك. لقد رأيتُ مصعب أبو الحكم لأول مرة في حياتي، أثناء نومي الليلة.
فانتبه دحام إليه، وترك الدراجة الخردة. ثم أقبل نحوه ليسمع منه. وقال:
ــ هل حفظت وجهه وشكله جيداً في المنام؟ وهل أصبح من السهل التعرف عليه؟
ــ أجل. وكما أراك الآن أمامي. وجهاً لوجه.
ــ وما الذي جرى بينكما بعدُ؟
ــ تحدثنا طويلاً. طوال الليل ونحن نتحدث. العجيبُ في الأمر، أننا لم نأتِ على ذكر
المشكلة العالقة بيننا من أساسها، والتي لستُ أدري لِمَ قرر قتلي بسببها. كنا في المنام، أنا وهو، وحيدين، نمضي وسط دغلٍ كثيف. أو غابة منقطعة عن البشر تماماً. وأذكر أنني سألته: ــ هل يوجد في هذه الغابة التي تحيط بنا، وحوشٌ مفترسة؟
فأجابني:
ــ أجل أيها العدو.
فقلت:
ــ ولماذا تسمح الغابة للكواسر المفترسة أن تلجأ إليها، والسكنى تحت ظلالها؟
قال مصعب:
ــ انتبه لما تقول. الغابة لم تسمح لهم، ولا لغيرهم بالسكنى. إنها أرض الوحوش قبل أن تنبت جذورها وتفرع أغصانها، وقبل أن تصبح غابة. بل إن الوحوش، هم من سمحوا لها بمجاورتهم والإنبات في أرضهم.
قال دحام:
ــ إذن عن ماذا كنتما تتحدثان طوال الليل؟ عن الغابة؟
ــ لقد استغرقنا الحديث كله، طيلة الليل، في الحديث عن الحرب.
ــ مصعب هو أيضاً يعرف بأن هناك حرباً سوف تقع قريباً؟
ــ أجل. ولقد قرر باكراً، منذ اليوم، أن يختار الصف الذي سيقاتل معه. والجبهة التي سيلتحق بها.
ــ هاه!؟ هذا خبر مشجع. قد نظفر أخيراً بأن ينحازَ إلى الصف الذي سنجد أنفسنا مضطرين أن نقف معه في هذه الحرب. هذه البادرة قد تفتح باباً للصلح بينكما. فالحرب
قد توحدكما.. توحدنا جميعاً.
أغمض زيدان عينيه الاثنتين، وغطى كامل وجهه بكفيه، وغرق في تفكير عميق، قبل أن يقول بصوتٍ هادئ منطفئ، وغير متشجع:
ــ للأسف. لقد قالها لي بصراحة: سوف أقف مع الجهة التي لن تكون أنت فيها. اعتبرني في صف العدو منذ هذه اللحظة. قال لي: إسمع جيداً يا زيدان؛ حين تقع الحرب، هناك
مَن سوف ينالون العُصيَّ. وهناك من سوف يَعُدُّونها. وهناك من سوف يكونون هم العصي نفسها.
ــ يا لخيبة الأمل.!
ــ أكثر من ذلك؛ لقد انتهى المنام نهاية مرعبة كالكابوس.
ــ ماذا؟ هل قتلك في المنام؟
ــ ليته فعل. بل إنني أنا الذي تجرأت على قتله. خطفت من يده سكيناً كبيرة، يعدل طولُها ثلاثة أرباع طول السيف. ثم نحرتُهُ نحراً مُنكراً، حتى كاد رأسه أن ينفصل عن جسده.
ــ أعتقد أننا يجب أن نعرض المسألة من بداياتها على الساحر جمعة، ثم نُعَرِج على كل تفاصيل ما جاء في منامك اليوم. لم يعد السكوت ممكناً. يجب أن يحاط الساحر جمعة بالأمر بحذافيره وتفاصيله.
خرجا في المساء، قبل غياب الشمس بقليل، قاصدَين بيت الساحر جمعة. كان العابد الزاهد، الدرويش مَلّوح، الضعيف البصر، يفترش العراء تحت ظل شجرة التوت العملاقة، والتي نَمَتْ في البرية قبل بناء الحارة بوقت طويل، وسكنت فضاءها قبل أن يقطن البشر هنا بزمن تتعذر معرفته. فجعل الصوفي الكفيف يردد لنفسه، بصوته الشجي العالي النبرة، وبحنجرة متوترة الإيقاع، توشيحاً يشبه البكاء:
طه يا زينة مديحي صاحبَ الوجه المليحي
النصارى واليهودْ أسـلـمـوا عـلـى إيديهْ
أثناء ذلك، وفي نفس المساء، كان عبدو السكير، كدأبه كل مساء، قد اتخذ سبيله نحو خمارة قَتِيْلوْهْ اليزيدي.
*صورة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.
*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.
