توفي الإمام “أبو حامد الغزالي” يوم الاثنين 14 جمادى الآخرة 505هـ، ديسمبر 1111م، في مدينة طوس، وعندما ألح عليه أصحابه بأن يترك رسالة قبل موته، أو وصية ما، قال: (عليك بالإخلاص)، وظل يكررها حتى مات‏، ولعل أبرز ما يظهر في الفيلم الوثائقي ( الغزالي …كيميائي السعادة)، هو إخلاص الرجل الكبير لنفسه ولإيمانه ومعتقده، وبحثه الدائم والمستمر، ليقدم عملاً منزّهاً عن أية غاية سوى الإخلاص لإيمانه بالله، ولذاته، ولرسالة لكلمة التي ينبغي أن يتركها بعد مغادرته الحياة.

 أبو حامد الغزالي، هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي، الشافعي الطوسي، المولود في إقليم خراسان عام (450هـ/ 1058م).

يُجسّد الفيلم الذي أخرجه الأميركي “أوفيديو سالازار”، حياة الإمام الغزالي منذ طفولته، ورحلته الفكرية والإيمانية، بكل التحولات التي مرت بها، في عودة إلى ما يقرب إلى أكثر من ألف عام مضى، لنجد أنفسنا أمام زمنٍ مليء بالاضطرابات السياسية والاجتماعية والثقافية، تشبه زمننا الحالي، والتي تركت تأثيرها الكبير في حياة الرجل ومسيرته الفكرية ليترك لنا إرثاً ضخماً من المؤلفات، ما زالت الاستفادة منه لا تنضب لليوم، ويقول الكثيرون من المهتمين بحياة وفكر “الغزالي”، بأن الفيلم يُجسّد الكثير مما ورد في كتابه (المنقذ من الضلال)، لأنه يتناول كل الفترات الحرجة التي مر بها، والآلام النفسية والروحية والجسدية، التي كابدها، ورافقت ولادة كل مشاريعه الفكرية/ الصوفية، والتي دوّنها بنفسه في فصول من هذا الكتاب، وبهذا الصدد يقول مخرج الفيلم “سالازار” في أحد حواراته:

(لا يوثق الفيلم حياة الغزالي ونضوجه الروحي والفكري فحسب، لقد عاش الغزالي في زمن اضطراب وغليان هائل، ومع ما نشاهده حالياً من اعتناق فئة من المسلمين الرعب، نرى إن هناك تشابهاً كبيراً مع الوقت الذي عاش فيه، لذا فالمسائل التي انكب عليها الغزالي لا تختلف عن المسائل التي يواجها كل السالكين إلى الله وكل طالب للحق، وإن الأجوبة التي ساقها -حينئذ- ما زالت مناسبة اليوم).

موقع ما يُعتقد أنه قبر الإمام الغزالي

يبدأ الفيلم من مشهد أمام ضريح “الغزالي” وهو ما يعتقده الناس أنه قبره الذي تحوّل إلى مزار، لينتقل إلى ما يُعتقد أنه مكان قبره الحقيقي في بلدة “طوس”، ويُقال أن الرجل ولد في قرية من ضواحيها اسمها “غزالة” ومنها اتخذ لقبه، ثم يُعرّج على طفولته المبكرة وعيشه في بيئة المتصوفة، كوْن والده كان متصوفاً، والذي أوصى معلمه الصوفي بولديه قبل موته، ليتولى رعايتهما وتعليمهما، ثم ليفترق الإمام الغزالي عن أخيه بالتحاقه بالمدارس الرسمية، ومن ثم تبدأ رحلته الخاصة التي تختلف عن رحلة أخيه المتصوف أيضاً، ليُصبح لاحقاً أحد أهم أعلام المتصوفة عبر التاريخ الإسلامي، وأحد أهم مفسري القرآن الكريم في كتابه ( إحياء علوم الدين)، وواحد من أبرز المؤثرين في تاريخ الفلسفة ونقدها، العالمية والإسلامية منها على وجه الخصوص، وعلوم النفس من خلال كتابه ( كيمياء السعادة) والذي أُخذ منه اسم الفيلم، وغيره من الكتب والمصنفات ال250 التي ألّفها، وقد تُرجم هذا الكتاب كاملاً عام 2019م، من قبل مكتبة الإسكندرية.

غلاف النسخة الفارسية من كتاب كيمياء السعادة، الصادرة عام 1308م والموجودة في المكتبة الوطنية الفرنسية.

بأسلوب درامي، يمزج بين الدرما التاريخية، والسينما الوثايقية، يُقدم المخرج رؤية إخراجية  تجمع بين زمنين، واستطاعت أن تُعبّرعن مختلف حياة الإمام الغزالي بمراحلها العمرية المختلفة، وأهم المؤثرات الثقافية والفكرية والسياسية، التي طبعت زمن “الغزالي”، وعرضته للكثير من التحولات الفكرية الجوهرية، وأثْرّت حتى بسلبياتها فكره، وأوجدت تغييراً جذرياً في مسارات إنتاجه الفكري، و أسلوب عيشه وتنقلاته الجغرافية، والوظائف التي شغلَها في التعليم بالمدارس النظامية، ومؤسسات التعليم التي كانت سائدة في زمنه.

حجة الإسلام وكيميائي السعادة

 بين الشك حيناً و بحثاً عن اليقين أحياناً أخرى، يُبين الفيلم كلَّ ما مرت به تجربة “الغزالي” الشخصية كتجربة فلسفية، صوفية، فكرية، جعلت منه علّامة زمنه، والتف حوله الكثير من المريدين، وكنتيجة لما وصل إليه من مكانة علمية، كلّفه الخليفة العباسي “المستظهر بالله” الرد على بعض الفرق التي انحرفت عن الإسلام، والتي سُميت ب” الفرق الضالة”، فكتب الغزالي في الرد عليهم الكثير من الحجج والتصانيف في أصول الفقه، وناقشهم فيها في المجالس ودور العلم، فلُقب ب”حجة الإسلام”.

 مع كل تلك المكانة كان الشك يتسرّب إلى نفس الرجل، ليسأل عن جدوى ما يقوم به من تعليم أو محاججة، وهل كان ذلك عملاً خالصاً ل”الله جلّ جلاله” أم كان طمعاً في المال والشهرة والسلطة، مما جعله يُغادر بغداد في رحلة كشفٍ طويلة، وبحث عن الذات والأجوبة عن الكثير من الأسئلة، بدأها بالارتحال إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج، ثم إلى القدس، فدمشق، وهي الرحلة الطويلة التي وضع خلالها أغلب أعماله المهمة، مُكرّساً المنهج التجريبي، والاستبطاني أيضاً، في العلوم الإنسانية في وقت مبكر جداً من تاريخ العلوم، وهما المنهجان اللذان ما زالا من أبرز مناهج البحث العلمي اليوم.

*(كل علم لا أمان معه، فليس بعلم يقيني)- الإمام الغزالي.

يبرز في رحلة “الغزالي” سلوك الزهد والتقشف، والانشغال بإصلاح النفس وتنزيهها عن الشهوات، والعمل على رفعة الأخلاق، وتهذيب السلوك بالصفات الحسنة، واتباع أساليب التقوى كزاد للعبور نحو الحياة الأخرى والخلود فيها، وهذا ما وجد فيه “الغزالي” مصدراً للسعادة، فانسجام الذات مع ما يؤمن به العقل، وإشباع حادات الروح والتوق النفسي للكمال، أهم من إشباع حاجات الجسد الفاني، ومتطلبات الحياة االفانية، وكل ذلك يتم بكرم الأخلاق والعطاء الخالص بغاياته السامية، وينتهي الفيلم بعودة الإمام إلى بلدته وعائلته إنساناً آخر، غير ذاك الذي غادرها، ليُغادر دار الفناء إلى دار الآخرة، وهو بكامل الصفاء والرضا عن عمر 55 عاماً، قضاها في طلب العلم والتعليم، ونشر رسالة الإسلام كما وعاها وأدركها بجوهرها السامي العظيم، بعيداً عن المظاهر والقشور الفانية، وباحثاً عن اليقين من خلال الشك المستمر، الذي طغى على حياته الفكرية سنوات طويلة.

 *(العلم اليقيني، هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم) – الإمام الغزالي.

إسلام الحضارة والازدهار   

إضافة إلى أهمية الاطلاع عن كثَب على فكر الإمام الغزالي، وتقريبه من عقول عامة الناس، يُعتبر الفيلم شهادة حية، على الحضارة التي صنعها الإسلام، والتغييرات الجذرية التي أدخلها نحو الأفضل لكل الشعوب التي أدانت به، إذ يُظهر الفيلم المدن الإسلامية كمراكز إشعاع حضاري، يقصدها الناس طلباً للعلم من شتى بقاع الأرض، وبالرغم من كل الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي عاصرتها حياة “الغزالي”، فإن البلاد الإسلامية في ذلك الحين كانت أماكن ازدهار اقتصادي، ومن أغنى بلاد العالم، وحاضن رئيسي للمشاريع الفكرية والثقافية، والعمرانية والاقتصادية عموماً بكل تتوعاتها، ومستقطبة لمختلف فئات البشر من مختلف أنحاء العالم، فمن “طوس” في بلاد فارس، مرورا بالديار المقدسة في مكة والمدينة، وصولاً إلى بلاد الشام حيث القدس ودمشق، كانت هذه المدن مراكز استقطاب عالمي، ومراكز إشعاع حضاري وثقافي، موضع حلم الكثيرين لزيارتها أو العمل والإقامة فيها، وهي من الفترات الزمنية التي أنتجت للعالم أهم العلوم والمكتشفات في مختلف المجالات، وتأثر بها الشرق والغرب، وما زالت تجد صداها لليوم، ومنها تأثيرات “الغزالي”، وما تركه من معارف ما زالت محط إعجاب كبار فلاسفة العالم والباحثين في العلوم الإنسانية، وما زال يُدرّس في جامعات العالم الذي تعتبره واحد من أهم مفكري عصره، وبهذا الصدد تقول أكاديمية أمريكية عن الفيلم:

(الإحالات إلى أعمال الغزالي جلية، والوصل الرقيق بين هذا الرجل المدهش والقرن الحادي والعشرين وافر، يٌقدم الغزالي للمسلمين اليوم علامة أمل، بأن الكلمة النهائية لن تكون للتطرف وربما أكثر أهمية، إن الإسلام يمتلك ثروة من الجمال والحق، مُتاحة لكل العالم لكي يقدرها حق قدرها).

* الفيلم من إنتاج عام 2006م، ومدته ثمانون دقيقة، وحاز على عدد من الجوائز، منها جائزتين عام 2008م، من جوائز الأفلام الوثائقية التي تنظمها مؤسسة “أناسي” للإنتاج الإعلامي كل عامين، في العاصمة الإماراتية أبوظبي.

المصادر:

*المنقذ من الضلال، لحجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي، دار البيروتي، دمشق، 2020م.

* كيمياء السعادة،  لحجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي،  شركة المستقبل الرقمي، 2016م.

*الفيلم الوثائقي (الغزالي: كيميائي السعادة)، محمد عبدالله العليان، في موقع.http://www.alwatan.com/graphics/2010/09sep/7.9/dailyhtml/ashreea.htm آخر زيارة 10 أبريل/ نيسان 2012م.

* فيلم ( الغزالي… كيميائي السعادة)، اليوتيوب، رابط الفيلم: https://www.youtube.com/watch?v=8kMYIa4Oa0o

**إعداد: خولة حسن الحديد

 

Leave A Comment