
لا تلفت نظري كثيراً المرأة المثقفة المتعلّمة، فما لديها نجده دوماً في الكتب، بل أحببت دوماً تلك النساء العاملات في أماكن بسيطة، المجنونات، غير المتكلفات، اللاتي يعرفن معنى الرغبات والأحلام، البائسات، الفقيرات. بينما النوع الثاني من النساء فهناك الكثير في العالم ممن يتحدث عنهم ليلاً نهاراً، فما حاجتهن لي؟
مثلاً كنت أحب تلك المرأة التي كنتُ التقيها صدفة أمام باب المصعد في مكان عملي، أو في أحد المكاتب، كنت استمع إليها بشغف. تقول: (الرجل كالحذاء ينبغي تغييره كل فترة وفي كل مناسبة)، وكنا نفتح أفواهنا بدهشة وهي تحدثنا عن علاقاتها وطريقتها في الحصول على المال.. نراقبها وهي تتحدث على الهاتف في محاولة للتعلم منها، عملها في المطبعة لا يُطعم خبزاً كما تقول.. الحب في حياتها مضيعة للوقت، على الرغم من أنها كاذبة، نعرف بأنها تعاني من حب قديم في صمت، وتموت في الليل من شدة الشوق، لكنها تألمت، فقررت أن تصبح امرأة أخرى.
عن جارتنا القديمة،التي كانت ترتدي مشداً قبل خروجها من البيت، لكي تظهر بجسد متناسق..شعرت مرة بأنّ أظافري تكسّرت وأنا أحاول مساعدتها فيه، كان بطنها المترهل يعجبني، لأنني أراها امرأة كاملة، أنثى جميلة تحاول أن تثق بنفسها. أخبرتها ذات مرة بأنني معجبة بها وأحبها كما هي، فقالت لي: (أنا جميلة في عيونك، لأنك تكنين لي الحب، أما العالم في الخارج فهو لا يحب سوى المظاهر)، وصارحتني سراً قائلة: (أتعرفين أن زوجي، الذي لا يوفر امرأة تحلو بعينه، قال لي مرّة وهو يضاجعني: أنت مقززة..!!)، فقلت لها: ابحثي عمّن يحبك كما أنت، فأجابت: (ستبقين هكذا، تعيشين في عالمك الوردي).

عن صديقتي تلك التي كانت تمتلك جسداً مثالياً، وحينما كنت اجتمع معها في زيارة أهلية، تأخذ بيدي وأدخل غرفتها ثم تقفل الباب، نقف معاً أمام المرآة، أقول لها بحزن وآسى ونحن ندور أمامها كراقصتي باليه: (كيف يمكنني الحصول على مؤخرة مستديرة مثلك؟)، فتضحك وتقول: (الرياضة يا حمقاء، سأرسل لك الكثير من الفيديوهات، ولمدة سنة ستحصلين على أفضل مؤخرة). فأقول: (إذاً سأبقى كما أنا، لا طاقة لي). ثم نتمدد على السرير أمام النافذة المشرعة ونحن ننظر منها إلى السماء وتقول: (ما رأيك بسيجارة؟)، فأقول: (أهلنا في الخارج، أتريدين أن يعلقوا مشنقتنا؟) فترد: (كوني مجنونة لمرة واحدة، المتعة تكمن في فعل الأشياء الممنوعة).
عن زميلاتي الفتيات في الجامعة اللواتي قلن لي: (تعالي نستغل أستاذنا في الجامعة الذي يحبك)، فقلت: لا أعرف، فقلن لي: (الأمر بسيط !! أنت تملكين شيئاً جوهرياً كلنا نفتقده، تمتلكين الكتابة، تخيلي بأنه فتى أحلامك، واكتبي فيه قصيدة، نحن نمتلك اللسان الحلو، ونعرف طرق الإغراء، وأنت تمتلكين الموهبة، استغليها لنمرح). حاولت طوال الليل أن أكتب كلمة واحدة ولم أستطع، عرفت وقتها أنني في الكتابة وحدها أكون صادقة جداً.
عن تلك المرأة التي كنت أكتب لها رسالة عشق إلى حبيبها، مقابل أن تعطيني فستاناً قصيراً ليوم كامل من خزانتها المصفوفة فيها تلك الفساتين بوفرة، وكنت من فرحتي به أنام فيه، لأن كل أحلامي كانت أن أحصل على مثل هذا الفستان، فعرفت أيضاً كم أنا محتالة في الكتابة.
لا أوافق فولتير حين قال:
“لقد قلت لنفسي مئة مرة إنني سأصير سعيداً لو كنت ببلاهة جارتي، ومع ذلك فإنني لا أرغب بسعادة كتلك.” يا صديقي الفيلسوف، ربما وبالتأكيد هي ليست بلهاء، سأروي لك ما حدث معي قبل سنوات عديدة، واحكم مَنّ منا البلهاء:
في أحد الأسواق التقيت امرأة قادمة للتو من مدينة حلب، ولو كانت كلمة امرأة فضفاضة عليها، لذلك لا تتخيلوها بشكل المرأة التي يوحي بها اللفظ ، بل كانت أقرب إلى فتاة، أو صبية، أو كائن توقف عن النمو في سن العشرين، وبينما احتفظ جسدها بالمظهر الصغير الطري الشاب المبتهج، استمر عقلها في النمو، رغم توقفها بقناعة تامة عن الدراسة قبل إتمام الإعدادية، وقد ظهر منها أحياناً أشياء تشبه الندم، لكنه ليس ندم تفويت الفرصة، إنما ندم أنها تركت في حياتها ثغرة سيتهددها الآخرون بها أو ربما سيقللون من شأن ذكائها، وهي المعتدة جدًا بكونها عرفت الحياة من الحياة لا من الكتب، حتى اختيارها للخضروات الملائمة ومعرفتها لون البطيخ بمجرد الطبطبة عليها من الخارج، أنواع اللحوم والبهارات، مراقبتها للعابرين، اكتشافهم من مجرد نظرة، موسوعة الأمثال والقصص التي تستدعيها بأسرع مما يتمكن الإنسان العادي، براعتها في العمليات الحسابية المتعلقة فقط بالمال، والأكثر من ذلك….. لقد كان لديها أسئلة، حول كل شيء، وإجابات مفترضة لكل شيء، ومعرفة واسعة بكل شيء يخص الحياة، يخص ما نتلمسه ونحتاجه ويبدو ملحاً وضرورياً.

أما ما جعلني أنساق لها، بثقلِ ما في رأسي، بالعدد اللا نهائي للكتب التي قرأتها، للنظريات التي خرجت بها من الكتب، لسنوات الدراسة الطويلة، ما جعلني أتخلص من أثقالي معها بلا شعور وبلا إرادة.. هو أنها تتحدث بلا انقطاع، وتضحك فتبدو ضحكتها نغمة موسيقية، وكما لو أننا جئنا من عالمين مختلفيْن، إلا أنها جعلتني أتماهى مع عالمها، وأسهو عن عالمي لعاميْن، كنا فيها جارتين سعيدتين، نجلس في شرفة المنزل، ونراقب المارة، بطريقة جارة فولتير البلهاء.
لقد كانت سعادة خالصة، أريدها الآن وسأريدها دائماً.
*الكاتبة دلال ابراهيم
*الأعمال الفنية، للفنان السوري محمود الحاج عبود

نص جميل راق فيه من الابداع والفلسفة ما يجعل الصور الجميلة تقفز في مخيلة القارئ ليسبح في فضاءات من الجمال والرقة في الوصف والتوصيف وسبر اغوار النفس في حوارية جمعت بين النفس والمتخيل والآخر بشكل متناسق وسلس جدا !!
نص في منتهى الروعة واختيار اللوحات أضاف من الابداع عليها الكثير ..