
الانتماء هذا الشعور الساحر الذي يبث الطمأنينة والأمان والدفء في النفس، وأحياناً يكوِّن معناً للوجود برمته، تختلف مصادر الانتماء ولكن أهمها، أو أشملها وأقواها هو الانتماء للوطن وما يرتبط ويتعلق به بكافة الأصعدة.
“عائلة الأسد”، تلك العائلة المفترسة التي حكمت سورية لعقود من الزمن، وقامت بكل أنواع الاجرام بحق السوريين، من ضمن جرائمهم التي لا يتحملها عقل كان لديهم جريمة منظمة وغير مباشرة، وهي جريمة النهب المعنوي لنا، قاموا بسرقة سورية كاملةً بكل ما فيها، وحتى تاريخها وحضارتها وتم استبدالها بتلك العائلة، فكل ما يمكن أن يُدخل لنا حتى ولو القليل من الفخر أو الفرح العام تمّت السيطرة عليه، لقد نهبوا انتماءنا لوطننا وفقدت انتمائي لسورية لأنها كانت الأسد أو لا أحد، ولم تكن سوريّةًّ.
على معابر الحدود والمطارات، المدارس والجامعات، المشافي والمراكز الطبية، المنشآت الصناعية والزراعية والرياضية، الجيش والأمن، الفن والأدب، القضاء والقانون، البنى التحتية والفوقية، على كل شيء وبكل شيء تقرأ وتشاهد وتشعر بأن هنا سورية… ولكن باسم الأسد تبدأ.
رغم كل محاولاتي للفصل بين سورية وبينهم كنت أفشل، فقد عملوا بمكرٍ، ودهاء وبصورة معقدة للغاية للوصول إلى تلك البنية لاحلال سورية كدولة، وصقلها بهيكلٍ وجسدٍ شخص واحد، عائلة واحدة، هذا العذاب كان يقتل روحي ويفرغني، إلى أن بدأت بالتعايش مع هذا الأمر الذي شوّه بداخلي أشياء كثيرة، وأصبحت إنساناً لا منتمي كنبتة الخيزران، ولكن هل فقدت الانتماء لمرة واحدة فقط؟ وهل فقدته دفعةً واحدة؟ أو هل كنت أصلاً لا أشعر بالانتماء لبلدي منذ الولادة؟

قبل انطلاق احتجاجات درعا الأولى في آذار 2011م، كنت شاباً يافعاً، كثير الاندفاع، والحماس وقليل الوعي، كنت أنتمي لأمور كثيرة، أنتمي لبلدي، ولمدينتي ولعائلتي ولأندية رياضية وكثير من الأمور التي أحمل انتماءً لها، لم أكن شخصاً معارضاً لنظام بشار الأسد قبل ذاك التاريخ، ولم تكن لديّ أي توجهات سياسية، ومع بدء انطلاق الثورات في بعض الدول العربية، حدث نقاش بسيط بيني وبين بعض الأصدقاء: هل من الممكن أن يمتّد الأمر إلى سورية؟ قال لي أحدهم: نعم سيمتد، وآخر قال: لا مستحيل.
لم أكن أعلم حينها بوضوح تام ما هو الأفضل، ولكن كنت أعلم أننا نعيش بدولة أمنية، ولسنا بدولة أمن، ونحتاج لإصلاحات كبيرة لكي نصبح دولة فعلياً.
مع أول عبارة كتبها أطفال درعا على الجدران، وبالطريقة الاجرامية التي تم التعامل بها معهم، وجدت نفسي اتخذت القرار وحددت البوصلة، وقلت إن لم تخرج إدلب (مدينتي) في مظاهرات تطالب بمعاقبة من أجرموا بحق أطفال درعا حينها، سأتخلى عن انتمائي لها.

بعد فترة بدأ النشاط يظهر داخل المدينة، لا يُمكن وصف ذاك الشعور الذي انتابني حين خرجت بأول مظاهرة، وكنا عصبة صغيرة بين الأحياء نردد هتافاتنا وشعاراتنا، وبعدها نتفرق كفراخ طائر الحجل، كان شعوراً بالانتماء لايمكن وصفه.
أذكر مرة وأنا في فراشي قبل النوم كنت أتمعن بشقوق الجدار، رحت أحدث نفسي بما يحصل من أحداث، وأدرس هذا القرار، لم يسبق لي أن اتخذت قرارات مصيرية قبل ذلك، فهل فعلاً أنا بالجانب الصحيح؟ هل فعلاً أنتمي لهذا الجانب؟ كان هناك شيء بداخلي يدفعني دفعاً من غير ترددٍ، وكان هناك خوف كبير.
حين قررت الانتماء لهذا الجانب، أصبحت أمام مواجهة لم أحسب لها حساباً، ولم أفطن بها قبل ذلك، فبانتمائي الجديد هذا دخلت بصراعات مع انتماءاتي القديمة، فقد اكتشفت أن كل شيء يعود “للأسد”، وهذا كان من أشد الأمور قسوةً بالبداية، وبدأت تلك الانتماءات بالتساقط شيئاً فشيئاً، ومع كل سقوط كان هناك شيءٌ بداخلي ينكسر، كنت أزداد ألماً وأزداد حريةً في الوقت ذاته، إلى أن لم يعد لي انتماء إلا للثورة.
لكنها ثورة، والثورات قاسية لا ترحم، والثورة لن تكن ثورة إن لم تتقلب وتدخل بحالة فوضى وتتوه، إن لم تكن مشتعلة كحمم البركان تارة وتخبو تارة، إن لم تكن ملائكية وشيطانية، وكان جلّ تلك التقلبات وأقساها حين بدأت التنظيمات المؤدّلجة دينياً بغزوها، وبدأ السواد يعم المشهد الثوري؛ هنا عدت لذات الصراع، صراع الانتماء، لقد فقدت كل انتماءاتي لأجل انتمائي للثورة، والآن علي التخلي عنها وعن انتمائي لها، كان هذا أقسى ما يمكن أن يحدث.
كان النظام السابق يعلم أن السوريون بدؤوا بايجاد انتمائهم، انتماء لثورة تقلّب نظام الحكم على أملٍ ببناء دولة حقيقية، فننتمي لها بشكل حقيقي، فحاول وهو أمر طبيعي على إسقاط الثورة بكل الطرق، ومنها أن تتم سرقتها من قبل التنظيمات الجهادية التكفيرية، فكان أشد حليف لهم لطعن الثورة والسوريين بمقتلهم، وقتل انتمائهم الأخير ودفنهم بصفحات التاريخ السوداء.
وقفت من جديد أمام هذا المفترق وكنت بحالة تخبط كبير، ولكن وجدت نفسي أتخلى عن انتمائي للمرحلة تلك، وبقيت متمسك بالأهدا
الأولى ومنتمي لها على الرغم من اليأس الذي انتابني كثيراً، فهذا كان الخيار الأفضل بالنسبة لي، وأحياناً كنت أشعر أني دفنت خُلاصة انتمائي مع الثورة الأولى، ورفاق الثورة الأوائل وانتهى كل شيء، وأصبحت شخصاً لا منتمي بشكل مطلق، وهذا أسوء وأصعب ما قد يصل إليه الإنسان، وبذات الوقت اكتشفت أنه أفضل ما يمكن الوصول إليه.
فقدت الانتماء للإله وللعدالة، فقدت الانتماء للوطن، فقدت الانتماء للثورة، فقدت كل أشكال الانتماء.
كنت أتمنى لو أتمكّن من تشجيع منتخب كرة القدم، وأن يكون منتخب سورية وفقط، ولكن لم يكن إلا منتخب سورية الأسد، ولم تكن هتافات اللاعبين وإهداءاتهم إلا للأسد.
فهل هناك أسخف من هذه الأمنية؟
لقد تم افتراس انتمائنا.

منذ بداية المعارك الأخيرة والسيطرة على المدن من قبل قوى الثورة، وإلى اليوم وقد مضى على زوال تلك العائلة المفترسة عن حكم سورية أربعة أيام، جاءتني هبّات انتماء شرقيّة، حاولت التشبث بها ولكنّها فلتت من يديّ بسرعة، ولا زالت تأتي وتذهب، ولعلًّ هذا الشعور لن يعود كما كان، أو ربما يحتاج بعض الوقت، وبدأت أتقبل الأمر وأنظر لجوانبه الايجابية كما كنت أفعل.
اليوم أرى وأشاهد حالة انتماء كبيرة لدى الشعب السوري بعد سقوط الأسد، هذا الانتماء العام هو انتماء صوريّ يتمثل بالخروج إلى الشوارع وتنظيفها، دعوات للحفاظ على المرافق والمؤسسات العامة، مشاعر عامة في حب الوطن، والشعور بأن هذا الوطن لنا فعلاً إلخ…. هذا الشعور طارئ لن يلبث كثيراً وسيغادر، وسيحل مكانه الانتماءات الضيقة مناطقياً وطائفياً، وهي حالة تخبط طبيعية، فالشعور بالانتماء للوطن إن سُلب فإنه يحتاج لجهد كبير ووقت طويل من العمل الجاد والحقيقي، لبناء وطن حقيقي، ليعود ذاك الشعور الحقيقي بالانتماء، وليس انتماء صوريّ كما هو الحال اليوم.
هذه الجريمة المقصودة والمحاكة بخبث، برأيي ليست أقل من باقي الجرائم التي مورست بنا وعلينا، من قبل تلك الفئة التي حكمتنا لأكثر من خمسة عقود، بل لعلّها أسوء تلك الجرائم فأثرها السلبي سيمتد لفترة ليست بقصيرة، ولها تبعات سيئة ومتشعبة تحتاج لعقود للخلاص منها.
*محمود عبود
