في الأعمال الفنية للشاعرة الإماراتية “ميرا القاسم”، تبرز السمات الشعرية بقوة، فخطوط لوحاتها وألوانها تُعبّر بصرياً عن لغة شعرية جمالية، تتماهى مع لغتها البصرية في كتابتها للشعر أيضاً، ف”ميرا” شاعرة ترسم بالكلمات، وتكتب بالصورة البصرية.

في معرضها الفردي الأخير، الذي افتتح في النادي الثقافي العربي بالشارقة، يوم 13 سبتمبر الجاري/ 2025، والذي حمل عنوان ” ملامح بلا ظلال”، عُرضت عدداً من اللوحات ذات الأحجام المتوسطة والصغيرة، تبرز جمالياتها الشعرية، كتقنية فنية، إلى جانب السمات التعبيرية، والتلقائية في التعبير، والتجريب العفوي والتلقائي الذي يعبر عن أصالة فطرية جميلة، تجذب المشاهد نحو قراءة الأعمال بتكرار موضوعاتها بطريقة مغايرة للقراءة البصرية المألوفة.

تمحوّرت موضوعات اللوحات حول المزهريات والوجوه النسائية، والتي حملت تكراراً في سماتها، هذا التكرار الذي نحى بالأعمال نحو الشعرية بما تحمله من إيقاعية، وانسجام في الملامح، رغم ظهورها بالمظهر المشوّه لأول وهله، مما يخلق لدى المتلقي عاطفة وانفعال خاصين، فالعيون على اتساعها، وملامح الأنوف الطويلة المدببة أحياناً، مع الفم الصغير غالباً، قياساً إلى حجم العيون وسعتها، وحجم الرأس، بتكرار ثيمات معينة، لونية وإيحاءات انفعالية تحملها  نظرات العين والتي تختلف من لوحة لأخرى، وبالرغم من تكرارها وتشابها، وإيقاعيتها، فإن توزيع الكتل والخطوط في كل وجه من الوجوه، أنتج بطريقة ما  تناغمًا حيناً، وتوتراً حيناً آخر، وحتى في لوحات المزهريات الحاملة للزهور أو الأواني، فإن الألوان وطريقة توزيعها، وخطوطها، لا تصف وتجسّد، بقدر ما توحي، وترمّز، وتترك مساحة للتأويل والتفسير المتنوع حسب ذائقة كل متلقي.

 

اختصرت أعمال الفنانة “القاسم” بالمجمل، كما اختصرت كل لوحة منها، معاني عديدة ودلالات متنوّعة، من خلال التكثيف الدلالي، والمرمّز لونياً وشكلياً عبر مساحة كل لوحة.

لو أراد أي ناقد فني، تصنيف أعمال الفنانة “القاسم” مدرسياً، بالرغم من تلقائيتها، وظهورها بمظهر التجريب، والفطرية الأصيلة، وشعريتها، فإنها أعمال أقرب إلى المدرسة التعبيرية، والتي لا يرسم الفنان وفقها الواقع كما هو عليه، بل يُجسّد ما يشعر به، وما يعبر عن مكنونات نفسه ووجدانه، ومشاعره وانفعالاته، من فرح وغضب وحزن، وحيرة، ومزاجية وقلق ..وغيرها، وهكذا أغلب أعمال “القاسم”، فقد عبّرت عن حالات وجدانية، تكشف الداخل الإنساني وتوترّه وقلقه الوجودي، من خلال الخطوط المتموجة، والبقع اللونية وتوزِّعها لتشكّل مشهداً بصرياً رمزياً، لا يُشكل واقع ما، بقدر يدل عليه ويوحي به.

قيل إن الشعرية في الفن، تُمثّل جوهر الجمال، وهي الإيحاء الذي يحوّل الفن من مجرد شكل أو حرفة إلى تجربة روحية ووجدانية أعمق، وقيل إن التعبيرية في الفن  ليست مجرد أسلوب فني أو تقنية فنية ما، بل تعبر عن الرغبة في الكشف عن الدواخل الإنسانية، وتمنح  المشاعر والانفعالات، الأولوية على حساب الواقع الخارجي، وهذا ما يجده المشاهد متجسّداً في أعمال الفنانة “ميرا القاسم”.

 

 من الجدير بالذكر، الإشارة إلى ما ضمّه المعرض لمجموعة من فواصل الكتب، والتي تحمل ثيمة الأعمال الفنية ذاتها، مع مزيد من الألوان المبهجة والساطعة الأقرب لألوان الانطباعية، وهي من التجارب الفريدة حقيقة، والنادرة حتى، فقلة من الفنانين من التفتوا إلى هذا التفصيل، والذي يحوّل فواصل الكتاب إلى عمل فني جميل، كما أن هذه الأعمال الصغيرة، قد تُشكّل هدايا جميلة ونادرة، يسهل حملها، ويسهل الاحتفاظ بها، ويحمّل كل كتاب ذكرى الفاصل الذي بداخله أيضاً.

 

كما من الجدير بالذكر، أنه أعقب افتتاح معرض “ملامح بلا ظلال”، نقاش في مسرح النادي، وذلك بحضور د. عمر عبد العزيز رئيس مجلس إدارة النادي، ود.عبد العزيز المسلم رئيس معهد الشارقة للتراث، اللذين قدما الفنانة وتحدثا عن تجربتها، وبحضور علي المغني نائب رئيس مجلس إدارة النادي، وعددٍ كبير من الفنانين، والمثقفين، وروّاد النادي والمعنيين بالشان الثقافي والإعلاميين، وتفاعل الحضور بشكل لافت مع تجربة الفنانة، ووجهوا لها عدد من الأسئلة والتي تفاعلت معها الفنانة بإيجابية وأثرت بأجوبتها التجربة وقرّبتها من المتلقي، وشارك بعضهم بمداخلات ثرية أغنت تجربة المعرض، وأضاءت الكثير حوله بصرياً وما حملته الأعمال من دلالات.

بطاقة تعريف

ميرا القاسم، كاتبة وفنانة وشاعرة إماراتية، تكتب الشعر العامي والفصيح، وتُعتبر من المجدّدين بالشعر الشعبي الإماراتي، وقد تولت سابقاً رئاسة قسم الثقافة الشعبية في مجلة المرأة اليوم، وعملت وكتبت في عدد من الصحف والمجلات الإماراتية (الاتحاد، الإمارات اليوم، البيان، الرؤية… وغيرها)، كما شاركت في عدد كبير من الأمسيات الشعرية في الإمارات وبعض الدول العربية، وغنى ولحن كلماتها عدد من الفنانين العرب ( عبد الله بالخير، خالد الشيخ، محمد اليافعي، غالية بنعلي).

 

شاركت “ميرا” في بعض المعارض الفنية الفنية في دولة الإمارات، ومنها ( معرض غد مستدام، في جامعة الإمارات، ومعرض ثلاث رؤى تشكيلية، ضمن فعاليات معرض أبوظبي الدولي للكتاب)، إضافة إلى معرض للصور الفوتوغرافية بعنوان (حتة من مصر).

*إعداد: خولة حسن الحديد

 

Leave A Comment