تلك الانتماءات ولنقل تلك “الهويات القاتلة” بكل مسمياتها، حسبما وصفها الأديب “أمين معلوف”، باتت الآن طريقاً مباشراً للجحيم، وباتت فكرة النجاة ترف لا يتاح لمن تشوّه انتماءه في نظر الآخر، ضمن خيار لم يكن له يد فيه منذ البداية.

لم أكن أتخيل أن يصبح انتمائي في يوم من الأيام عبئاً ثقيلاً، أحمله وهناً على وهن وبخوف وخشية، تهمة توصمني بكل عار وتجردني من كل أسباب إنسانيتي، ومطالبة دوماً لكي أهش بعصاي شبح الموت إثبات وطنيتي وتقديم شهادة حسن سلوك، ولم أكن أتخيل أن الموت سوف يوغل  خطواته  من هذه البوابة في هذا الوطن المستحيل، في بلاد تشرئب أساريرها خلف رائحة الدم، وخلف أوهام الخرافة.

 تلك الغصة العالقة في حنجرتي، أكتبها الآن بمليء ألم، فالحرب تركت مخلفاتها وأصابتنا بلوثة الجنون، والمؤلم أكثر تركت فينا ندوباً عميقة، وأليمة، اعتقدنا واهمين أننا سنبرأ منها، ولكنها تحوّلت إلى خرّاج تتقياً القيح والصديد.

 بالتأكيد هنا أنت لن تعود أنت، لن تعود لديك تلك الرغبة في البقاء هنا، ولا رغبة في الذهاب هناك، سوف تبقى الخيارات مغلقة، وخارطة الدرب مكسوة بالطحالب.

أن يبتلى المرء في وطنه، هو أن يبتلى في قلبه.

هو أن تتخيل أنك تحيا بقلب نازف لا ضمادة تكفيه، لا أطباء من حوله ولا أمل يلوح بشفائه، لكنك لا تستطيع أن تفقد الأمل وتسلم حصتك من النبض، أو أن تكف عن المشي خلفه، فالأمر أشبه بالانسحاب من الحياة، وأنت ما زلت على قيدها.

ثمة مذهب يقول بأن الوطن ضمير حر لا يُختزل ولو في حدود أرض…ولكن لم يخطئ صديقي عندما قال: إن المسافة بيننا وبين ما نريده بات ضيقاً، وحتى إثماً في هذا الوطن الذي غاب، واختزلوه بين طرفين يدعيان أنفسهما بالغالب والمغلوب، بين هويتين، هوية ذلك الذي يشعر بالنصر ويزهو بأنه بات ابن البطة البيضاء، والآخر الذي يشعر بالهزيمة ويعتقد أنه بات ابن البطة السوداء.

 تلك الانتماءات ولنقل تلك “الهويات القاتلة” بكل مسمياتها، حسبما وصفها الأديب “أمين معلوف”، باتت الآن طريقاً مباشراً للجحيم، وباتت فكرة النجاة ترف لا يتاح لمن تشوّه انتماءه في نظر الآخر، ضمن خيار لم يكن له يد فيه منذ البداية.

 في زمننا الآثم هذا، لم تعد الخطايا تُرتكب في العلن فحسب، بل صار العقد الاجتماعي نفسه وأعرافه  خطيئة، والموافقة عليه هي عبارة عن طقوس خضوع تُفرض بلا سؤال.

 أصبحنا فيه نُستشعر أغلالاً غير مرئية تكبل أيدينا، نرتديها كهوية، ونمضي بها وكأنها قدر لا يُرد، نُمنح حرية مزيفة، محاطة بأسوار من التحذيرات، ممهورة بختم الرضا القسري، وحين نرفع رؤوسنا بحثاً عن السماء، نجدها منخفضة، محشوّة بالقيود ذاتها، تهمس لنا: لا ترفع صوتك، لا تخطُو خارج الصف، لا تسأل عن الوجهة… فقط سر، وسر، حتى تتلاشى تماماً في ظلّك،  فقط علينا أن نكون متكيّفين، متكيّفون تماماً كما يتكيّف جسدٌ بشريٌّ رخيص في مساحةٍ ضيقة، كما يتكيّف عقلٌ مرهق مع فكرة أن القيم لا تجوع فحسب، بل تموت، أو تُباع، أو تُستبدل بأخرى أكثر ليونةً مع الواقع، فالقيّم لم تعد قادرة على الصمود، بل بات لها توقيت زمني لانتهاء صلاحيته، وعلى الجميع التكيّف معها.

لكن في زوايا هذا الوطن المشتعل، يُكابد الناس لتكيّيف أنفسهم مع ظروف لا ترحم؛ في كل زاوية هناك قيمة تُباع، هناك قيمة تُفرض، هناك قيمة تذوي وكل قيمة تحاول أن تُثبت وجودها، وسط دوامة التغيير التي لا تعرف الرحمة، أما أنت فما عليك سوى التكيّف شئت أم أبيت، وإلا فأنت تتأبط شراً ضد جموع القطيع، نعم التهمة المعلبة.

لكن ألم تكن هي النار تحت الرماد التي كنا نراها ونتجاهلها؟ وحين لم تعد تحت الرماد، بل باتت لهباً قوياً، وجحيماً من ماءٍ وطينٍ أوهمنا أنفسنا، ونحن نرى حممها تحرق كل شيء في طريقها، أننا في منأى عنها، كانت تضج بالصراخ، تتوسل النجدة، تستغيث، لكن احداً لم يسمعها، أو ربما كان هناك من سمعها، ولكن ظنوا أنها مجرد لعبة ضوء، وهج زائلٌ سرعان ما يختفي، أما وقد أصبحت هذه النار كائناً حياً يمتلك صوته الخاص، لم تعد تحتاج للصرخات، لقد أصبحت تضحك، تضحك من أولئك الذين تجاهلوا همساتها الأولى، تضحك من أولئك الذين قالوا: “إنها مجرد سراب، ليست نيرانًا حقيقية”، تضحك من أولئك الذين ظنوا أنهم يستطيعون إطفاءها بكلمات جوفاء وساذجة.

الآن، بعد أن أصبحت كل الطرق رماداً، وبات الدخان هو السقف الوحيد للبلاد، يحق لنا أن نسأل:

هل ما احترق كان خطؤها؟ أم كان خطؤنا نحن؟

وهل النار هي المذنبة … أم أننا نحن المذنبون؟.

 

وهذا الصمت الذي مارسناه حينها، اعتدنا عليه وبتنا نعتبره الآن فريضة وله لغته الخاصة، لغة ليست مشتركة، فهو ليس صمت الجنازات الذي يأسرك بألم الفراق، ولا صمت السجون الذي يحمل ثقل الأيام المرهقة، ونتابعه حتى وقد بتنا وسط نار لا تفرق بين لحمٍ أو حجر وشجر، ولا تتوقف عن التهام كل شيء.

صمتنا الآن يحمل في طياته أنين الأيام الثقيلة الماضية، ونبض الفجر الذي نتمنى أن يُكتب على صفحات الغد قصة جديدة فيها البهجة، هذا دون أن يفارقنا شبح حكايات الأمس التي صنعت منّا ما نحن عليه الآن، أشخاص نتسكّع دون وجهة، رائحة الخوف تزكم أنوفنا، بينما أفواهنا تنفث حمماً نارية تجاه الآخر.

هل سنستطيع أن نحافظ على ذواتنا وسط هذه الفوضى والخراب، أم أنّنا سنظل نتكيّف، حتى نختفي بين أنقاض حكايات ستتلاشى وينساها الجميع؟

ربما يكون الصمت جوابنا، وربما يكون الاحتراق هو الثمن الذي ندفعه مقابل بقاء أرواحنا حيّة في عالمٍ لا يرحم، فيه كل شيء مشبع بالضيق، وحتى الصمت يبدو مختنقاً، يتلوى كجسدٍ بلا هواء، بينما الهواء متخثر، والزمن متوقف عند نقطةٍ بائسة، حتى ضجرنا نفسه يبدو كائناً يلتف حولنا، يضيق، يطبق، يتسلل تحت الجلد، إلى العظام، إلى كل شيء، إلى اللاشيء.

في المجتمع الذي تنحل فيه القيم أو تتبدل على مستوى الفطرة أولاً، ثم الدين، ثم العقد الاجتماعي، ويأخذ كل فرد دوره المشوّه ضمنه، المعلم في المدرسة والأكاديمي في الجامعات، والإداري في عمله، والطبيب في مشفاه، تدرك أنك بتّ في غربة ما دمت متمسكاً بذاتك وقيّمك وفكرتك، ومجرداً من ذلك الوهم القديم بأن الغد قد يحمل شيئاً مختلفاً.

*دلال ابراهيم

*الأعمال الفنية للفنان الفلسطيني : هاني خوري

Leave A Comment