من أعمال بيكاسو

مثقفون ولكن… تلكم بعض الأسئلة عنهم!

 

في كتابه (حياة متخيلة)، الذي يضم حواراً أجرته “سيغلندة غايزل” معه، ينوّه “ألبرتو مانغويل“، قارىء الكتب لدى “بورخيس“، ومدير المكتبة الوطنية في الأرجنتين، إلى أهمية أن يفصل القارىء بين إبداع الكاتب وشخصه، ويورد أمثلة عن هؤلاء الأدباء، الذين تتناقض شخصياتهم مع طروحاتهم في الكتب الصادرة عنهم وأثارت إعجابنا، منهم مثلاً  دانتي، يقول عنه :(كان شخصاً متغطرساً، وشكسبير كان جامع ضرائب سيء السمعة في أواخر حياته، أما الفنان كارافاجيو فقد أقدم على قتل شخص، واتُّهم سرفانتس بتشغيل شقيقاته الأربع غانيات، وكذلك خدم الموسيقي الألماني يونغر في جيش هتلر. أما فرنسيس بيكون، الفيلسوف الانكليزي المشهور بمقولته ( الحق قوة، ولكن القوة ليست حقاً) فقد كان رئيساً لغرفة التعذيب في عهد الملكة اليزابيت.

يقول نيتشة: (أنا شيء وكتاباتي شيء آخر)، ويطالبنا بألا نحكم عليه كشخص يمارس حياته كأي إنسان، وإنما الحكم على كتابته من قلب الكتابة.

الكثير من الكتّاب إذا تناولنا أعمالهم، سوف نجد مسافات طويلة تفصل بين إبداعهم وبين معتقداتهم السياسية، أو حياتهم الشخصية وسلوكهم الاجتماعي، حتى وصل الأمر أن استنكر البعض إقامة تماثيل أو احتفالات تذكارية لأسماء مبدعين، والمطالبة بهدم تماثيلهم والكف عن الاحتفال بهم، لأنهم دمّروا سعادة أشخاص آخرين، ألقت بهم المقادير ليجدوا أنفسهم وجها لوجه مع تلك الشخصيات التي توهج إبداعها، مقابل تناقضات، وتصرفات وممارسات كانت شنيعة أحياناً، وحجّتهم أن الشهرة تمنح أصحابها سلطة رمزية وتأثيراً واسعاً على الرأي العام، وبالتالي لا يمكن التعامل مع آرائهم وسلوكهم على أنها ” شخصية”، أو ” معزولة ” عن المنتج الإبداعي.

في المقابل، يُحذّر المدافعون عن فصل الأدب والفن عن صاحبه من أنها قد تتحول إلى أداة رقابة وقمع، تحكم على الناس من خلال معايير أخلاقية متغيّرة، وتضيّق هامش التعبير.

الأسئلة الملحّة:

هل ترتقي المعرفة والثقافة بالمعيار الاخلاقي؟

وهل الثقافة وحدها تضمن لنا القيم الأخلاقية؟ أو بمعنى آخر ضمان ضد الانحرافات الأخلاقية؟

وهل من الضروري أن نُخضع صنّاع الأدب والفن للمحاكمة الأخلاقية السريعة؟

مثلاً هل يمكننا أن نقلّل من القيمة الشعرية  لدى محمود درويش، ونكف عن الاعجاب بعبقريته الشعرية، فيما لو أخذنا باتهام الشاعر والمناضل الفلسطيني الكبير معين بسيسو الذي اتهمه بالحرف الواحد أنه ” كان يرقص فوق زنازين رفاقه الشيوعيين العراقيين”، وكذلك الوضع مع الشاعر نزار قباني الذي وصفه الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي بأنه ” تاجر الشنطة الدمشقي والمخبر الرخيص لدى صدام حسين ورئيس مخابراته سعدون شاكر المفرجي”، أو مثلاً هل ستتراجع أهمية رواية ” مزرعة الحيوان ” أو ” 1984 ” للروائي البريطاني جورج أورويل فيما لو علمنا أنه وبسبب مواقفه المناهضة للاستعمار والحكم الشمولي، كان أحد المخبرين القذرين، وبأنه كتب تقارير بأكثر من مئة وثلاثين من أصدقائه الشيوعيين واليساريين العاملين في المجال الأكاديمي والثقافة المختلفة، وفي مقدمتهم الممثل شارلي شابلن، وفق ما كشفته وثائق المخابرات البريطانية، والتي أفرجت عنها بعد وفاته.

لا شك أن المسألة معقدة، وحافلة بظلال كثيرة وإشكاليات متعددة.

من الصعب حسم الإجابة حول هذه الإشكالية القائمة في متن التناقضات لدى المبدعين بين أقوالهم وأفعالهم، أو بين ممارساتهم في الواقع وسمو إبداعهم، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأسماء لامعة، تركت بصماتها العميقة في مجالات الحياة وعالم الفكر على وجه الخصوص.

مبدعون وعباقرة… ولكن!

في كتابها (علاقة خطرة)، تذكر مؤلفته “كارول سيمون جونز”،  تشبيه الشاعر الفرنسي “جان كوكتو”، السلوكيات البوهيمية للثنائي جان بول سارتر وسيمون دوبوفوار، بتصرفات الكلاب التي تقضم العظام وتبول تحت أعمدة الإنارة في الشوارع، وتتحدث عن الجنوح القميء في بعض تصرفاتهما مثل ميل دوبوفوار لركوب مترو باريس وهى ثملى للتقيؤ بين الركاب؛ فيما لم يخل جان بول سارتر بدوره من غرابة الأطوار والممارسات الخارجة عن المألوف، كما يروي هذا الكتاب الجديد،  ولكن من الذي بمقدوره أن ينكر أن هذا الثنائي المثير للجدل قد شكلا علامة فلسفية من أبرز علامات القرن العشرين، ورفدا المكتبات بعظيم الكتب، كما شكلا، بما لا يدع مجالا للشك، نوعاً من الإلهام للأجيال التي عاصرتهما، حتى رحيلهما في ثمانينيات القرن العشرين.

 في عام 2021 صدر للكاتب الفرنسي – الأميركي “غي سورمان”، كتابه “قاموسي من الهراء “، الذي عرض فيه مسيرته الفكرية، وأهمّ المحطات والشخصيات التي عايشها، كانت الصدمة الكبرى عندما تحدث عن الميول الغلمانية (بيدوفيليا) للمفكر الفرنسي، ميشيل فوكو (1926- 1984)، قائلاً: (هذا الشخص فظيع.. ما ارتكبه من انتهاكات بحق أطفال تونسيين أمر شاهدته. كان غلمانياً، وأنا نادم لأنّي لم أُدن تلك الأفعال المشينة وقتئذ. كانت قبيحة جداً).

كما أكّد “سورمان”، في تقرير نشرته صحيفة تايمز البريطانية في 28 مارس من العام نفسه، والذي أعدّه الصحفي والكاتب “ماثيو كامبل”، وقال فيه أن الفيلسوف فوكو اعتدى جنسياً على أطفال خلال إقامته بتونس أواخر ستينيات القرن الماضي، وشهد أطفالًا في سن الثامنة والتاسعة والعاشرة يلاحقونه، يقول أحدهم: “ماذا عني. خذني”، وكان يرمي الأموال عليهم، ويخبرهم أن يكونوا في العاشرة ليلاً في المكان المعتاد (المقبرة)، ولم يكن ليتجرأ على فعل ذلك في فرنسا، ولذلك وٓصف أفعاله أنها ذات بعد إمبريالي (إمبريالية بيضاء)، في إشارة إلى اختياره أطفال تخضع بلادهم للاستعمار الفرنسي، معرباً عن ندمه لعدم إبلاغ الشرطة بتصرفات فوكو في ذلك الوقت، أو شجبها في وسائل الإعلام، حيث أكّد أنه التقى فوكو في عطلة عيد الفصح عام 1969م، في مدينة سيدي بوسعيد القريبة من العاصمة تونس، وكان في رفقته أصدقاء، بينهم ثلاثة صحافيين، كانوا على علم بالممارسات الشاذّة لفوكو وانتهاكه حرمة أجساد أطفال تونسيين، لكنهم آثروا الصمت، وتكتّموا على ذلك، لأن فوكو كان يعتبر ملك الفلسفة، ويعد بمثابة الإله في فرنسا، معتقداً أن أعمال فوكو حول الجنسانية تترجم حياته الجنسية، وأن مكانة فوكو ستتضاءل عندما ندرك أن تمجيده للحرية كان، بمصادفة غريبة، ذريعة لفساده.

ميشيل فوكو

في عام 1977م، وتماشياً مع نظرياته، وقع على عريضة، دُعيت فيما بعد بعريضة مايو 1977م، المعنونة بـ “رسالة مفتوحة إلى لجنة مراجعة قانون العقوبات بخصوص مراجعة النصوص التي تحكم العلاقات بين البالغين والقصّر”،  التي وقعها فوكو إلى جانب عدد من المثقفين أمثال جاك دريدا، ولويس ألتوسير، وسيمون دي بوفوار، وجيل دولوز، وفرانسواز دولتو، وانضم إليهم عدد من الأطباء، وعلماء النفس البارزين، وطالب فيها الموقعون بتخفيض سنّ البلوغ والتشريع لممارسة الجنس مع الأطفال الذين تكون أعمارهم في حدود 13 سنة.

بيكاسو ومفاجآت حركة #metoo النسوية

الصدمة الأخرى فجرتها حركة النسوية “مي تو/ أنا أيضاً“ ، حين أضاءت الجانب المظلم من حياة بابلو بيكاسو، في أعقاب إطلاقها البودكاست السنوي، وخصصت فيه حلقة عنه بعنوان: (فصل الإنسان عن الفنان)، ودعت فيه إلى إعادة تقييم مسلك شخصيات بارزة، سواء أكانت على قيد الحياة أم فارقته، وقد رأت الحركة أن أعمال فنان القرن العشرين قد رسمت صورة سلبية عن المرأة، والتي تغذّت على علاقاته العنيفة مع النساء، وجاء اعتراف حفيدته “مارينا بيكاسو“، ليؤكد ذلك قائلة: (لقد كان يخضعهم لميوله الحيوانية، يروضهم، يسحرهم، يبتلعهم، ويبصقهم على قماش لوحاته، بعد أن يقضي الليالي يمتص جوهرهم، وبمجرد أن يصبحوا كالجماد بلا روح، يتخلص منهم).

استحضرت “صوفي شوفو” في كتابها (بيكاسو..المينوتور)، الجانب السلبي للعبقرية، وهي صورة رسام لامع بقدر ما هو رجل عنيف، وغيور، وفاسد، ومدمر، ومغوٍ بارعٍ لا يتردد في احتلال قلوب الشابات، رغم  فارق السن الكبير بينه وبينهن، وإساءته معاملتهن فيما بعد، فقد تزوج ماري والتر وهو في 42 من العمر بينما كانت ماري  ابنة 17 عاماً، أما فرانسواز جيلو فقد كانت في 21 من العمر وكان بيكاسو في الستينات من عمره، كان لديه الوسواس من المرض والرعب من الموت، شيوعي انتهازي أكثر منه شيوعي عن قناعة، ظالم وقاسٍ تجاه الجميع حتى أبنائه، مشبع بنفسه كلياً، هذا هو الوحش الذي كان بيكاسو، وعلى الرغم من ذلك، حتى ولو أنه أسيء فهم أعماله من قبل عامة الناس خلال حياته، وحتى سخر منها، لا يمكن سوى أن تأسرنا وتبهرنا تلك الإبداعات والعبقرية، وخلال مقابلة ظهرت فيها في البودكاست، أكّدت “شوفو” القول (إن بيكاسو ليس مجرد كاره للنساء، بل وحش في عدم قدرته على وضع نفسه في مكان الآخر)!

حركة مي تو

المسافة بين نتاج المبدع والواقع وتناقضاتها

نلمس هذه المسافات الشاسعة بين ما تقترحه مخيلات الأدباء والشعراء على البشر من تجليات الجمال المدهش، وما يتسمون به على أرض الواقع، من نزق الأمزجة، وغرابة الطباع والسلوكيات، إنهم في الأعم والأغلب أزواج فاشلون، وهو ما تؤكّده تجارب كثير من الثنائيات العاشقة التي أفضت بعد الزواج إلى مآل كارثي، وإذا كانت “سيلفيا بلاث” قد وجدت خلاصها النهائي عن طريق الانتحار، فإن “زيلدا فيتزجيرالد، انتهت في مصحة نفسية وقضت في حريق اندلع فيه.

 تقول “زيلدا فيتزجيرالد”، عن زوجها الروائي “سكوت  فيتزجيرالد“: (كنت أبدل مخابيء أوراقي ودفاتري كل أسبوع، ولكنه كان يكتشفها، مزق يومياتي ووقّع مقالاتي وقصصي التي كتبتها باسمه….سرق فني وأقنع الجميع بأني بلا موهبة. أنا ضحية مخدوعة، والمغتصب يشعر بالاغتصاب).

الجدير ذكره، إن زواج الثنائي “فيتزجيرالد” كان من الزيجات الغريبة في عالم الأدب، علاقة حب بدأت بأحلام العظمة، وتحولت بمرور الزمن إلى علاقة مؤذية للطرفين، وبالأخص بالنسبة ل “زيلدا” التي عانت معه ومن محاولات إقصائه لها من عالم الكتابة، واستيلائه على أفكارها ونصوصها، وسرقة جهدها الفني حتى لا تتمكن من التفوق عليه، ورغم إلهام المرأة لكاتب طوال التاريخ، تبقى قصة سكوت وزيلدا شهادة صريحة عن كيف يمكن للزوج أن يستغل إبداع المرأة ليمنعها من التفوق عليه، ويسعى إلى سرقة بصمتها لتثبيت وجوده، ولا أظن ذلك حال دون ضم روايته “كاتسبي العظيم” إلى قائمة الكتب في الرفوف الأولى من المكتبات.

في النهاية، تُذكر “زيلدا فيتزجيرالد”، كضحية لعصرها ولعلاقة سامة مع رجل لم يستطع تقبل أن تكون شريكة حياته أكثر من مجرد مصدر إلهام، لقد كانت امرأة حرة، مبدعة، وقوية، لكنها عانت بسبب قيود المجتمع والعلاقة التي كبّلت طموحاتها.

سكوت وزيلدا فتزجيرالد

نوعاً ما الأمر مشابه  لما قاسته “سنية صالح“، مع زوجها الشاعر محمد الماغوط المشهود له أنه من أعمدة قصيدة النثر التي أبدع فيها، ودوماً حاضرة أشعاره وأقواله في يومياتنا.

لن يبذل القارىء جهداً كبيراً في الوقوف على الوحشة المزمنة التي تلفّ حياة “سنية صالح”، وعلى المآل المتوتر للعلاقة العاطفية التي جمعت بين الشاعر المكرّس والشاعرة اللائذة بصمتها الخفر من خلال ما عرضته خالدة زوجة أدونيس الأخت الكبرى لسنية، في مقدمتها للأعمال الكاملة له، ويؤكّد عليه ما ذكره عيسى الماغوط شقيق الشاعر في كتابه “محمد الماغوط – رسائل الجوع والفقر“، ويروي فيه حادثة عراك بين الزوجين كان شاهداً عليها وعلى إثرها أجهضت سنية جنينها، وإذ يحرص المؤلف على إظهار الجانب القاسي من سلوك الماغوط، الذي اتسم منذ الطفولة بالميل إلى العنف والعراك مع الآخرين، فإنه يحرص بالقدر نفسه على ربط ذلك السلوك برفض أخيه الأكبر الواقع الصعب والمُهين الذي عاشه منذ صغره، وهو ما دفع به إلى الثأر لكرامته المجروحة، لا عبر شعره “البري” المتفرد فحسب، بل عبر قدر غير قليل من المزاج المتقلب حنوّاً وعصفاً، ومن فائض العنف الذي كانت علاقته بزوجته أبرز ضحاياه، أما مسألة المنافسة الشعرية بين الزوجين فلم تكن واضحة تماماً، خصوصاً أن سنية بما تحمله منذ نشأتها المبكرة من سمات الخفر والتواضع، لم تكن تطمح إلى احتلال الحيز الذي يتجاوز رغبتها في البوح والكشف عن مكنونات نفسها المعطوبة، ولم تتعامل مع الزوج “النجم”، رغم موهبتها الواضحة بأي نوع من التنافس أو الندية، إلا إن الحوار القصير واللافت الذي أجراه الماغوط مع زوجته، إثر صدور مجموعتها الثانية “حبر الإعدام“، يتسم بشكل واضح بالبرودة وغياب الحماس، بل يكاد يكون أقرب إلى التوتر، وإلى مضبطة اتهام واضحة بحق صالح، وهو ما يؤكّده سؤال الماغوط لسنية: (ألا تشعرين بتأنيب الضمير وأنت تكتبين بمعزل عن قضايا أكثر أهمية وإلحاحاً من عذاب امرأة غير متآلفة مع بيئتها؟)، أو سؤاله “العدائي” الآخر: (هل أمعنت النظر ذات يوم في وجوه العمال المقطبة؟ هل رأيت مشرداً يأكل فضلات على الرصيف؟). غير أن سنية التي لم تكن طفولتها أقل شظفاً وشقاء من طفولة الماغوط، لم تستطع سوى رد كرة الاتهام إلى المرمى الذي انطلقت منه، فأجابت بالقول إن عذابات المرأة التي تشير إليها، هي أيضاً من صلب الواقع الذي يتهمها بالانعزال عنه، ثم تضيف بنبرة اتهام مضادة: (ولماذا أنت تمد ذلك الليل البشري بيني وبين الأشياء المضيئة؟)، ومع ذلك، فإن إيمان سنية بمكانة زوجها الإبداعية الاستثنائية لم يتزعزع أبداً، وهو ما يُظهره تقديمها الناضح بالإعجاب لأعماله الشعرية والمسرحية التي صدرت في سبعينات القرن الماضي، والذي جاء فيه: (يعدّ محمد الماغوط من أبرز الثوار الذين حرروا الشعر من عبودية الشكل. دخل ساحة العراك حاملاً في مخيلته ودفاتره الأنيقة بوادر قصيدة النثر كشكل مبتكر وجديد، وحركة رافدة لحركة الشعر الحديث. وحين كانت الصحف غارقة بدموع الباكين على مصير الشعر، نشر قلوعه البيضاء الخفاقة فوق أعلى الصواري).

سنية صالح ومحمد الماغوط

أما شاعر الثورة والتمرد التشيلي “بابلو نيرودا”، الحائز على جائزة نوبل للآداب، فقد رفض الاعتراف بابنة أنجبها من إحدى عشيقاته، ورفض رؤيتها حين علم بمرضها (استسقاء في الدماغ)، وتركها تموت وهي في سن الثامنة عند عائلة هولندية في مدينة خودا، حيث لا يزال قبرها هناك. هذا الجانب المخفي من حياته كشفته لنا  الشاعرة الهولندية “هاغر بيترز“، التي عرفت قصة ابنته المنبوذة، وكتبت أولى رواياتها “مالفا” –وهو اسم الطفلة صدرت عام 2004 م– تحدثت فيها عنها وعن نيرودا، وعلينا أن نسأل:

هل ترك هذا الجانب المخفي من شخصية نيرودا أثرا سلبيا على قرّائه ومحبيه حول العالم؟ وهل كشفه من قبل “هاغر بيترز” غيّر من قيمة شعره وأهميته؟ّ

بالتأكيد لم يتراجع النقاد عن رأيهم بشعره، ولم يسحب منه أحد الجوائز التي نالها. بقي نيرودا الشاعر العظيم الذي أثر شعره في الملايين بالعالم، وحين الحديث عن الثورة والحب سوف يكون شعره حاضراً بقوة. بيد أن ثمة نقطة سوداء في تاريخه، لا يمكن لشعره العظيم أن يمحوها، ولا تغفرها له ثوريته وأمميّته، وحتماً لن تغطيها الجوائز العالمية التي حصل عليها، هذه النقطة سيراها من يبحث عن الانسجام بين الإبداع والحياة الشخصية، من يرى أن الالتزام الأخلاقي والإنساني في الإبداع ملازم لمثيله في الحياة، وإلا فسيكون الإبداع مزوّراً، وفي أحسن الحالات كاذباً. وفي حالة نيرودا وما يشبهها، لن يكون أعذب الشعر أكذبه فقط، بل ستكون أعظم الثورية أكذبها أيضاً، إذ إن الثورة أولاً، هي التزام بالقضايا الإنسانية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.

ثمة الكثير من الأمثلة التي تثبت أن الفكر الناضج قد يتعايش مع بعض الظلمات الأخلاقية، والقائمة تطول في جميع الاتجاهات الكروية، حتى أن البعض منها يرتقي ليكون بمستوى الفظائع، ولكن الإجابة القاطعة والواضحة بشأن ردود الفعل من تناقضات المبدعين بين أقوالهم وأفعالهم ،أو بين ممارساتهم في الواقع وسمو إبداعهم من الصعب الإجابة عليها.

 

*دلال ابراهيم، أديبة وصحفية سورية 

*لوحة الغلاف، للفنان العالمي بابلو بيكاسو

 

Leave A Comment